القاهرة , مصر / أجرى الحوار : رامي المنشاوي

في الطريق إلى الدكتور محمود أمين العالِم ربما تندهش من وجود الحواجز الصخرية على مقربة من الشارع المؤدي إلى بيته لكنك ستندهش أكثر إذا تبينت أن الشيوعي التليد يجاور السفارة الأمريكية والإنجليزية .. التقيت به في الطابق الثاني من العمارة التي يقطن بها ، دخلت إلى فراشه الذي يرقد فيه ورغم معاناته المرضية فقد رحب بي بابتسامته المألوفة ، ولمحت نحول الجسد بينما خرج صوته من حنجرته صلبا غير مشروخ ، وبدأ الحوار مع الرجل الذي قضى حياته في صدام دائم مع السلطة

.ا* تدرجت من موظف في مدرسة ثم أمين للمخازن ثم مدرس بكلية الآداب وتم فصلك ثم صرت صحفيا وتم اعتقالك لتصبح بعدها باحثا للدكتوراة وقضت السلطة على حلمك ...لو عدت بالزمن للوراء .. هل كنت ستؤجل صدامك مع السلطة؟

- ثمة سلام في البداية كان يجمع بيني وبين السلطة ثم سرعان ما تحول هذا السلام إلى حرب ضروس ذخيرتها سنين طويلة من عمري ، أعود بك إلى مشهد توديع الملك فاروق في الإسكندرية وكنت حاضرا وقتها مع الرئيس المصري محمد نجيب ، وبهت عندما شاهدت السفير الأمريكي يودع معنا الملك, وقتها قامت المظاهرات في كفر الدوار وتم القبض على الرفاق من العمال ، كانت هذه بداية الصدام مع السلطة ، كان تفكيري وقتها ربما ساذجا نوعا ، ولكني كنت مؤمنا بما أفعل ، ولست نادما على أحلام انقضت ، وقد عرضت السلطة في عهد عبدالناصر عليَ ترك الحزب الشيوعي وأن انضم للثورة لكني رفضت ، وقد قضيت ليالي بصحبة الرئيس أنور السادات وعرض علي نفس العرض ولكنه أيضا لم يفلح في إبعادي عن الشيوعيين .

ا* 
أجهضت السلطة حلمك في الحصول على الدكتوراة .. ألست نادما؟

- أنا فخور بذلك ، ولكن ليس فخرا كاملا لأنك تضغط بالسؤال على الوجع دون أن تدري ، أنا حاليا في الشارع ، دعني أقول لك أنني فعلت ما دفعني إليه حبي لهذا الوطن ، وفي النهاية انا إنسان وربما يشوب تفكيري الخطأ ، وأتذكر أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عرض عليَ رئاسة "أخبار اليوم" وتعاطفت مع العمال وحاربني رؤساؤهم في المؤسسة فتركتها ولست نادماً.

ا* من سجن الواحات إلى قراميدان إلى القلعة ثم إلى الحضرة ومنه إلى أبي زعبل وأخيرا إلى ليمان طرة...وضح لي كيف أثّر
الاعتقال والسجن في تكوينك النقدي والحياتي؟
"

- " يااه" .. أنت تشدني إلى أيام بعيدة وجميلة أيضا ، لقد دخلت السجن والبلد تنهار ولكننا أصررنا على عدم تنحي الرئيس عبدالناصر ، وعلى الرغم من أني دخلت السجن في عهده إلا أنني لم أحزن ، حيث أنني حينما أفرج عني وجدت نفسي في سجن أكبر برحيل عبدالناصر، وتجربة السجن كانت عميقة جدا فقد كتبت خلالها اول ديوان شعري لي وأسميته "قراءة لجدران زنزانة" وتم طبعه ونشره في العراق ، وفي السجن استطاع اثنان من الأطباء إنقاذ حياة ابنة المأمور ورأيت سجن الواحة قد تحول لملتقى أدبي وفكري استفدت منه الكثير .

بعدما رحل الرئيس جمال عبدالناصر اعتقلت أيضا في عهد خلفه الرئيس السادات ، حيث أنني اتهمت السادات بالخيانة العظمى ، وبعد شهر ونصف تنسمت الحرية وخرجت من السجن لأجد نفسي أمام قانون "العيب" ، وعشت بعدها في باريس بلا اعتراف بجنسيتي هناك ، وبعد موت السادات جئت للمحامي العام فقال لي أنني بلا جنسية!

ا* رغم سنوات الإعتقال المريرة إلا أنك ما زلت تعشق جلادك.....ما سر عشقك لعبد الناصر؟

- اختلفت معه كثيرا لكني احترمه لأنه كان وطنيا ، يريد المصلحة لهذا الشعب ، لكن الجوقة الفاسدة هي التي أبعدته عن احبائه ، وبالمناسبة أذكر أن الرئيس عبدالناصر اعتذر لي عن اعتقالي ، وأنا لم أشعر حينها بضغينة تجاهه , كنت أراه مخلصا لحب الوطن ، كان عيبه الأساسي أن عسكريته طغت على وطنيته .

ا* متى تتكون لدينا مدرسة نقدية عربية؟

- برأيي أنها تكونت من فترة كبيرة هناك محاولات رائدة مصرية ولبنانية ماركسية تبنت وجهات نقدية عظيمة.

ا*: ولكنها لم تخرج من رحم المجتمع العربي؟

- ومن قال لك إن الماركسية مقصورة على روسيا ,ماركس نفسه قال أنا لست ماركسيا ، الماركسية هى حياة تتشكل بلون المجتمع وهي قابلة للتأويل حسب مقتضيات الزمن والأحوال .

ا*: برأيك لماذا لا تحدث الأحزاب المصرية حراكا سياسيا جادا وملموسا؟

- الأحزاب السياسية القديمة تحاول السيطرة والحديثة تحاول إثبات الذات ,أنت في النهاية أمام مطبوعات كثيرة وأسماء لا حصر لها هناك "لغوشة " فكرية وثقافية أنت أمام كوكتيل ولكن لمصلحة من؟ ، أزعم أن هناك حراكا ولكنه مفروض ، أنظر لما فعله مواطنو المحلة وكفر الدوار والبرلس وأخيرا سكان رأس البر تجاه مصنع أجريوم.
في الحقيقة هي حركة طيبة ومتقدمة وجريئة ولها رؤية..لكن لا أتبين بالدقة لاستراتيجيتها .القضية ليست في التمديد أو التوريث هناك أبعاد التبعية للاحتلال البريطاني والاستعمار الصهيوني و

الأمريكي أعتقد أن هذا هو جوهر القضية .. أصبحنا الآن تابعين للنظام الذي يشغلنا بمشكلة العيش فننشغل عن القضية الأم .
 
ا* هل الحكومة هي أم الشعب ولا يجوز التجرؤ عليها ؟

- بعدما رحل الرئيس جمال عبدالناصر اعتقلت أيضا في عهد خلفه الرئيس السادات ، حيث أنني اتهمت السادات بالخيانة العظمى ، وبعد شهر ونصف تنسمت الحرية وخرجت من السجن لأجد نفسي أمام قانون "العيب" ، وعشت بعدها في باريس بلا اعتراف بجنسيتي هناك ، وبعد موت السادات جئت للمحامي العام فقال لي أنني بلا جنسية!محيط: برأيك لماذا لا تحدث الأحزاب المصرية حراكا سياسيا جادا وملموسا؟
الشعب كثيرا ما يشكو من ممارسات الحكومة ، كما أنه ليس هناك منابر للتعبير عن الشعب .

ا* يتمتع الإخوان المسلمون بشعبية في الشارع المصري ، هل تتفق مع ذلك وما انتقادك للإخوان ؟

- من قال هذا ؟! إذا سيطر الإخوان على الشارع فهذا يعني معاونة الحكومة لهم ، والإخوان يهتمون ببعض المصالح ، وانتقادي لهم منصب على عدم امتلاكهم اجندة اقتصادية أو للسياسة الخارجية والداخلية ، أين خططهم للتنمية ؟ ، أنا أحترم بعض الإخوان ولكنهم برأيي يميعون الصراع الطبقي ، إذن أنا لست ضدهم على الإطلاق ، وعليهم إذا أرادوا الإندماج مع المجتمع أن يتحولوا إلى حزب وبحيث نستطيع محاكمتهم ، نسألهم مثلا عن معاركهم للقضاء على البطالة ، والتمسك بالدين هام ولكن علينا أن نوظف الدين للإرتقاء بهذا البلد .

ا* بعد تجربتك الطويلة العميقة .. هل لازلت ترى في الماركسية الخلاص لهذا الوطن؟

- بشرط عدم الأخذ بالماركسية حرفيا وهي مقولة ماركس ، فالشيوعية أثبتت نجاحها في الصين لأنها اختلفت عن روسيا ، علينا قراءة الوضع العيني لكل مجتمع ، وبالمناسبة أنا لست ضد الدين وأنا ابن "شيخ" وكنت اصطحب اخي الكفيف يوميا إلى المسجد وتعلمت القرآن في الصغر.

ا* إذا أصبحت وزيرا للثقافة .. ما أول قرار ستتخذه؟


ء- سأقوم بإعادة الحزب الشيوعي المصري,وسأنشط حق التظاهر وسأتحالف مع اليسار في مختلف انحاء العالم ، لأني مقتنع أن "الماركسية هي العدالة الاجتماعية
بوجهه البغيض في مصر رغم تعاقب الحكومات ؟
المشكلة دائما تكمن في سوء الإدارة لدينا .

ا* تذكر معي معين بسيو ,غسان كنفاني ,صنع الله إبراهيم...أمثلة للمزج بين الأدب والنضال...أين أدباؤنا من النضال الوطني؟

- لا زلت مقتنعا ان لدينا نضالا أدبيا لصالح مصر ، لكن مشكلة الأدباء عدم وجود رؤية للوضع

ا*: ولكن في عهد عبدالناصر كان وضع حرية التعبير أسوأ من الآن ؟

- حدث تغير بعد التطبيع ، ولو نقبنا لوجدنا الحكومة ترعى سياسة "سيبهم يقولوا لكن ما يعملوش