إذا كان القرن العشرون يكاد يمثل وحده نصف عمر البشرية من حيث كثافة أحداثه، ومن حيث تقدمه المذهل فى مجال العلوم التكنولوجية والكشوف العلمية، فإن الذى سيطبع بداية الألفية الثالثة هو ازدياد سرعة وتيرة التطور فى مختلف مجالات النشاط الإنسانى الحيوى، مما سيجعل الفاصل القائم بين العالم المتقدم والعالم النامى يزداد اتساعا، لأن هذا الفاصل الذى ظل يكتسى طابعا اقتصاديا تكنولوجيا سيصبح ذا طابع معرفى ثقافى بحكم الفلسفة الجديدة التى ستهيمن على بداية الألفية الثالثة.

فإذا كان رهان المستقبل بالنسبة للعالم المتقدم رهانا حضاريا فلا شك أن حجم التحدى يكون أكبر بالنسبة لنا نحن المسلمين، بصفتنا جزءا من هذا العالم النامى.

إن الوضع الحضارى للمسلمين يتسم بتناقض غريب بين سمو العقيدة ووفرة العدد وغنى الموارد وسعة الرقعة والقرب ودواعى الوئام والوحدة من جهة، وبين التشتت والتخلف والضعف والهوان من جهة ثانية، فى الوقت الذى تحقق فيه المجتمعات من حولهم مزيدا من التكتل والوحدة والقوة، بالرغم مما ورثته هذه المجتمعات من دواعى الخلاف والفرقة التى غذتها قرون من الأحقاد والضغائن والفتن، فالتحدى إذن حضارى شامل، ومواجهته لا تكون إلا حضارية شاملة!.

ولعل من أولويات العمل الإسلامى لرفع التحدى وتحقيق المناعة الحضارية الذاتية لضمان التفاعل الإيجابى مع الغير بمنطق الألفية الثالثة.

أقول: لعل من هذه الأولويات تأكيد التمسك بالقواعد أو الأسس التى ضمنت قديما وستضمن إن شاء الله لحضارتنا العربية الإسلامية التفاعل والتأثير والتأثر والإشلاع مع التميز، كما ينبغى- بموازاة ذلك- تصحيح التصورات الخاطئة التى تتنافى مع منظورنا الإسلامى لسنن التطور الحضارى الإنسانى، ومفهوم الأخذ والعطاء فى إطار مقومات الشخصية الحضارية للأمة.

فإذا كان من البديهى أن عصرنا هذا لا مجال فيه للانطواء والعزلة فليس معنى ذلك الانصهار الوشيك للعالم فى حضارة واحدة تذوب فيها كلية الخصائص الذاتية للقوميات والشعوب والأمم بفعل التقدم التكنولوجى العلمى والانفجار الإعلامى.

إن فقه التاريخ الحضارى لأمتنا الإسلامية فى نهوضها وإشعاعها وتفاعلها مع غيرها من الحضارات، يدلنا على أنها ميزت- بوعى وحكمة بالغين- خلال ذلك التفاعل الحضارى مع الغير بين ما هو قاسم مشترك إنسانى عام، وما هو متميز حضارى خاص!.

لقد ميز أسلافنا دائما بين ما هو إضافة لرصيد المعرفة الإنسانية وتجربتها، لدى الحضارات الأخرى، مما لا يرتبط بعقائد تلك الأمم أو بخصوصياتها الذاتية، وذلك ما مكنهم من التفتح على جهود الغير من دون توجس أو عقدة، فى مجال البحث عن أسرار المادة والتحكم فيها، تحقيقا لمعنى التسخير (الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه... ) (1)، ولكنهم- فى الوقت ذاته- لم يتبنوا مثلا أى اجتهاد فى مجال السياسة ونظام الحكم، سواء لدى الفرس أو الروم، كما أنهم لم يتبنوا أسس التربية الروحية الهندية أو النظام الاجتماعى والاقتصادى اليونانى المحكوم بفلسفة خاصة ونظرة متميزة إلى الإنسان وعلاقته بالكون والحياة، إننا- أيها السادة الكرام- عندما نحرص اليوم على تحقيق هذا التفاعل الحضارى مع غيرنا، ونبين موقف إلإسلام من العولمة فى مختلف مجالات الحياة التى يقم فيها هذا التفاعل، نريد أن نؤكد هذا المبدأ، ونريد أن نطمئن إلى أن ذلك كله يظل فى إطار نهجنا الإسلامى الصحيح.

لقد حقق أسلافنا قديما- دور الريادة وانتصروا لأنه كان خيرا للعالم من حولهم أن ينتصروا، فقد جسدوا فعلا كون الإسلام رسالة أمن وسلام على البشرية، واليوم تكاد تغطى على هذه الحقيقة الناصعة محاولات التشويه التى تستهدف الإسلام، فبالرغم من أن النظرة الموضوعية المتعمقة تؤكد لغير المسلمين أن أصول الإسلام ومبادئه وأحكامه تدعو كلها إلى السماحة واللين والتعايش القائم على الاحترام والتعاون، فإن الإسلام يقدم أحيانا كثيرة وكأنه دين يبارك الجمود والتصلب والانغلاق والإكراه والعنف!.

أيها السادة الكرام:

إن العولمة أملاها واقع التطور السريع الذى يشهده العالم كفلسفة عملية لضبط أوجه التحول الحديث فى ميادين النشاط العالمى إلى جانب ما يفرضه التفاعل مع التغيرات المتوثبة فى علوم وتكنولوجيا الاتصال، بما أحدثته من هزة فى المنظور التقليدى، أو المفهوم القديم للمركزية أو القطبية فى عملية التأثير والتأثر، وكذا فى الأنماط المألوفة فى مختلف مجالات النشاط الإنسانى، ومن بينها المجال السياسى المدعو إلى التأثر بهذا الواقع الجديد باعتباره أكثر المجالات حيوية بالنسبة للمجتمع الحديث، إذ يتوقف عليه تحقيق طموحه فى تجسيد معانى الحرية والعدل والمساواة والأمن والسلام والكفاية من العيش، وهذا ما تعد به الديمقراطية- لا كإطار شكلى لكم بشرى معين محدود ولكن كمناخ حضارى لنشاط إنسانى نوعى، وإن كان الاجتهاد السياسى قائما وواسعا حول أنواعها ومميزإتها، إلا أن هناك اتفاقا على أنها فى حد ذاتها قد أصبحت مكسبا حضاريا باعتبارها حقا من حقوق الإنسان العالمية بدونها لا يستطيع- كفرد فاعل فى المجتمع- أن يسهم فى دفع الارتقاء بنوعية الحياة.

أيها السادة الكرام:

من المعروف أن الإسلام- كمنهاج شامل للحياة- يضع المبادئ والأسس، ويرسم الأهداف والغايات، أما وسائل تحقيقها والمناهج الكفيلة بتجسيدها فإنها موكولة إلى الإنسان يبتدعها إن استطاع، أو يقتبسها من عند غيره إن أمكن له الاقتباس! !

فالقواعد والمبادىء والأصول هى التى يحرص عليها المجتمع الإسلامى المتفتح الأصيل، وهو يتطور مع الزمن، أما الأنماط والأساليب والمناهج، فهى متروكة للاجتهاد، والحكمة ضالة المؤمن.

فمن المبادىء والحقائق التى يحسن التنبيه إليها عند الحديث عن الديمقراطية من منظورنا الإسلامى:

1- إن الحرية أصلا، إنما هى مقصد من مقاصد الدين الإلهى بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة ( الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم... ) (2).

2- إن الباطل هو الذى يخشى الحجة والبرهان ويلغى الآخر ويصادره، وإن الحق هو وحده الذى يتعامل بمنطق( قل هاتوا برهانكم ) مهما يكن نوع الاختلاف ومجاله!.

3- المطلوب هو إحكام الصلة من جديد بين هذه الحرية وبين الفكر والإبداع، ثم بينها وبين مفهوم النظام والطاعة فى تصريف شئون المجتمع.

4- المطلوب هو تحرير البحث فى الديمقراطية والشورى من أسر الكتابات القديمة المحكومة بمناخ زمانها وملابساته، بل التحرر حتى من الصيغ والتعابير والألفاظ المستعملة ذاتها، وكأن العالم لم يتطور، هذه التعابير التى يستخدمها اليوم الإرهاب الهمجى الوحشى، ويتبناها بشكل كاريكاتورى مخز!!.

5- الإسلام يتعارض أصلا مع القهر والاستبداد، ولا يضيق أبدا بالتعددية السياسية الشرعية بمفهومها السليم من حيث هى تنافس مبدع نبيل فى إيجاد الأفكار الخيرة البناءة لأنها تتنافس فى تحقيق المصلحة العامة (.. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون) (3). عندما تنشط هذه التعددية فى إطار القوانين المسطرة والأخلاقيات القائمة التى يرتضيها المجتمع لنفسه!.

 6- إن المقصود بالوحدة فى قوله تعالى ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة.. ) (4) هى وحدة العقيدة وليست وحدة النمط أو الأسلوب فى الحركة والنشاط، فى مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. 

7- إننا- نحن المسلمين- نملك رصيدا معتبرا من التربية الروحية، لكننا نشكو ضمورا فى مجال التربية السياسية لأننا لا نقدر تجربة الغير فى هذا الميدان عندما لا تتعدى ما هو قاسم مشترك عام بين الناس.

8- إن وزن وقيمة الأحكام الشرعية المقررة وفق أصولها فى المجال السياسى هو وزنها وقيمتها فى مجالات الحياة الأخرى، والفقه الذى يجيز الاختلاف فى المسائل الدينية والفرعية توسعة ورحمة لا يمكن أن يمنع هذا الاختلاف نفسه فى المسائل الدنيوية، وشئون السياسة والحكم على رأس هذه المسائل!.

أيها السادة الكرام:

إن البحث فى مثل هذه الإشكاليات يؤكد لنا بلا شك أن أزمتنا فكرية علمية فى الأساس الأول، لأن السعى إلى تحديد موقف الإسلام منها يبصرنا بمدى اهتزاز صلتنا بتراثنا واضطراب نظرتنا إلى مرجعيتنا واستلهامنا لها فى فقه واقعنا والتخطيط لمستقبلنا! فبدون نهضة علمية شاملة لا يمكن تجسيد مبادئ العدل والحرية، وتحقيق الأمن الغذائى والصحى والاجتماعى مع ضمان التفتح السليم على الغير بثقة واعتزاز، لأنه من دون هذه النهضة العلمية لا يمكن أن نتجاوز الحداثة المادية التى نستهلكها دون أن نكون طرفا فاعلا فى صياغتها وتحقيقها، وبدون هذه النهضة العلمية كذلك لا يمكن أن نتحكم فى التنمية بمفهومها الذى يفرضه الواقع المتطور، حيث يتجاوز هذا المفهوم اليوم معنى الثروة المادية والكفاءة التقنية، وأصبح المرتقب هو تحويل قوة اليد إلى قوة فكر! وهذا يفرض علينا إذا أردنا أن نساير عصرنا أن نكسر الحواجز التقليدية القائمة عندنا بين العلوم التكنولوجية والعلوم الإنسانية ليصبح الاختصاص العلمى مجرد انشغال وظيفى فى نسق موحد شامل غايته فهم أعمق للإنسان، وتسخير أمثل لقدراته ومواهبه وطاقاته فى إطار الاحترام الكامل والضمان الكلى لحقوق هذا الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولعل الجدير بالذكر بخصوص هذه المسألة بالذات، أى حقوق الإنسان إلاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها أن الفقر المسجل عندنا نحن المسلمين إنما هو فى التطبيق لا فى التشريع، أو النصوص المرجعية لأن الإسلام- كما هو معلوم- قد أقر هذه الحقوق جميعها وفصل الأمر فيها بشكل لا يدع فراغا يسده القانون الوضعى وإن كان الوضع القائم اليوم يوحى بغيرذلك.

والإسلام يحمل الأمة مسئولية حماية هذه الحقوق وضمانها.

أيها السادة الكرام:           

إن الإسلام إذ يقر حقوق الإنسان يتميز بكونه يقنن للإنسان مطلقا، من غير أى اعتبار لدين أو جنس أو لغة أو مستوى، ومن خلال نظرة الإسلام إلى هذا الإنسان المطلق، وتقديس حقوقه يمكن بكل يسر واطمئنان تحديد موقف الإسلام باعتباره دين سلام من الحرب، وموقفه من ظاهرة الإرهاب، لأن الانطلاق من هذه الحقوق العامة التى يقرها الإسلام يمكن من فهم الفلسفة التى يقيم عليها علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم، وفهم معنى كون هذه الأمة أمة شاهدة، وأمة خيرية، ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (5)، و( كنتم خير أمة أخرجت للناس 000) (6). إن هذه المسألة تكتسى أهمية خاصة نظرا إلى التوجه العالمى اليوم نحو وضع أخلاقيات عالمية ملزمة تحقق تقاربا أكبر فى مستوى المجتمع  العالمى، وتفضى- بذلك- إلى فهم أسلم لشروط التعاون الإنسانى، والمواجهة الموحدة للمشكلات الكبرى التى تعترض هذا التعاون!.

فالإسلام هو خير مرجعية فى هذا المجال، لأن هذه الأخلاقيات الجديدة تدخل فى صميم مبادئه وتوجيهاته إذ تتعلق اليوم بحسن الجوار واحترام الحياة والحرية والعدل والمساواة والاحترام المتبادل ومراعاة الغير. هذا من جهة، ومن جهة ثانية نقول: إذا كانت هذه هموم المفكرين الأحرار فى العالم اليوم، المنظرين للمجتمع العالمى الجديد، فإن مسئوليتنا نحن المسلمين تزداد- من دون شك- ثقلا لأننا مدعوون إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة الشائعة والأحكام المغرضة، والصور المشوهة للإسلام! خصوصا بالنسبة إلى منظوره للحرب والسلام وموقفه من العنف والإرهاب!.

إن مفهوم الحرب فى الإسلام محكوم بنظرته إلى حرية الأفراد والجماعات والأمم، فإذا نفى الإسلام الإكراه فى مجال العقيدة وهى أول وأسمى ما يدعو إليه الإسلام، فمن البديهى والمنطقى الطبيعى أن ينفى الإكراه فى مختلف مجالات الحياة الأخرى، وأن يكفل الحرية والحقوق. فالإسلام لا يرى الحرب إلا دفاعا مضطرا ومشروطا، وما من شك فى أن هناك مسائل عديدة فى منتهى الأهمية لارتباطها الوثيق بواقع المسلمين اليوم تحتاج إلى تحرير كلى من التصورات الخاطئة الخطيرة التى يغذيها الجهل حينا، والاستغلال المغرض أحيانا كثيرة، وفى مقدمة هذه المسائل الجهاد!.

بعض ذوى العواطف الدينية الجياشة التى تفتقر إلى العلم والفكرالراشد، فى واقع الدعوة، ما تزال محكومة بصورة الحروب الدينية فى التاريخ فى مستوى الأمة، وبالتغيير الآنى المادى للمنكر فى مستوى الفرد والجماعة داخل المجتمع حتى ولو كان ذلك بمنكر أشد منه وأعظم بدعوى التمكين لدين الله، وتطبيق شريعته!!.

الجهاد اليوم هو تحقيق الكيان الحضارى الرائد الذى يشع على الغير بما يحمله للعالم وللبشرية من خير!. فعلاقة الأمة بغيرها- فى المنظور الإسلامى- علاقة حسن الجوار والتفاهم والتعاون فى أمن وسلام، وفى إطار التقدير والاحترام.

العلم والعمل وترشيد مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق الذات- حضاريا-هو أعلى مستوى للدعوة الإسلامية وحوار الحضارات والأديان فى عصرنا هذا ..

فبدلا من محاولة إقناع غيرنا بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وقدرته على بعث الحياة وتحقيق التقدم، نوجه الجهود نحو تقوية الروابط التى تحقق لنا القوة والتماسك فيما بيننا نحن المسلمين، فى مختلف مجالات الاقتصاد والثقافة والإعلام والتربية والتعليم والتكوين وما إلى ذلك، لنجسد عمليا إيماننا بهذه الصلاحية والخيرية، ونصحح كذلك- عمليا-، وفى الوقت ذاته الصورة المهزوزة الشائعة عند غيرنا عن الإسلام من أنه دين عدوانى، نشر مبادئه بالسيف قديما، وهو اليوم يبارك العنف ويشكل خطرا على الأمن والسلام فى العالم!.

وما من شك فى أن الجهل وحده لا يكفى لتفسير شيوع هذه الصورة المشوهة عن الإسلا م عند غير المسلمين، بل يضاف إليها التعصب من جهة ، وظاهرة الإرهاب الهمجى الوحشى الذى يقرن جرائمه بالدين ، والدين منه براء من جهة ثانية.

فالنظرة الموضوعية العلمية تقتضى التعرف على الإسلام فى مصادره - القرآن والسنة- أولا، ثم من خلال التاريخ الإسلامى مع استحضار مبدأ أساسى وهو. أن الأخطاء المسجلة فى التاريخ هى أخطاء بشر غير معصومين، هى حجة عليهم ولا يمكن أن تكون حجة على الإسلام!.

                   والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 000،

المراجع

(1) الجاثية:12 -13.

(2 ) الأعراف: 157.

(3) المطففين: 26.

(4) المؤمنون: 52.

(5) البقرة: 143.

(6) آل عمران: 110.