Stephen P. Heynemanستيفن بي هاينمان، أستاذ في سياسة التعليم الدولي في جامعة فاندربيلت في ناشفيل، بولاية تنيسي. يساهم بتكرار في كتابة مواضيع لمجلات مهنية، وتشمل خبرته 22 سنة في العمل لدى البنك الدولي إضافةً إلى رحلات عمل إلى عشرات البلدان. منبع

تركت التأثيرات العالمية أثرها في العديد من أوجه الحياة اليومية، وبالتالي في استراتيجيتنا للتغلب عليها. في السبعينات من القرن الماضي، على سبيل المثال، كان من الشائع الاعتماد على التمويل الحكومي لتنشيط النمو الاقتصادي. اما اليوم فتتفوق الاستثمارات الخاصة على المساعدات الأجنبية والإعانات الحكومية.

وكان من الشائع أيضاً اتخاذ قرارات صناعية على أساس الموردين الموجودين بالجوار الذين يتكلمون نفس اللغة التي يتكلم بها الناس المعنيين بالقرار. اما اليوم فتؤخذ القرارات الصناعية على أساس الأفضلية التقارنية الاقتصادية الشاملة للعالم أجمع. فقد يقع مصنع تجميع لأجهزة الكمبيوتر في ناشفيل، بولاية تنيسي؛ أو في أيرلندا الشمالية، أو في ماليزيا؛ وقد يقع مصنع للنسيج في بنغالور، بالهند، أو في سونورا بالمكسيك؛ وقد تقع مزرعة للفاكهة الشتوية في فلوريدا، أو التشيلي، أو المغرب.

الطموحات للتعليم

تترك التأثيرات العالمية أثرها في التعليم العالي أيضاً. اليوم تملك كل دولة تقريباً ثلاثة طموحات متعلقة بالتعليم العالي. الأول هو الطلب بتأمين مستويات أعلى من إتاحة الوصول إلى أعلى التعليم، حيث يزداد في كل جزء من العالم الطلب بسرعة للوصول إلى التعليم العالي. في أواخر الستينات من القرن الماضي لم تكن توجد في أوروبا الغربية دولة تتجاوز فيها مجموعة فئة سن التعليم العالي (18 إلى 22 سنة) نسبة 8 بالمئة من الناس ضمن هذه الفئة. اما اليوم فلا توجد في أوروبا الغربية دولة تقل فيها تلك النسبة في التعليم العالي عن 35 بالمئة. يزداد معدل التسجيل في معاهد التعليم العالي عبر العالم بنسبة تتراوح بين 10 و15 بالمئة سنوياً، ويشمل هذا بلاداً يسود فيها معدل دخل فردي سنوي متوسط أو أدنى المتوسط في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية.

النتيجة: لم تبق إلا أجزاءً قليلة جداً من العالم حيث يُشكّل مجال التعليم العالي التعليم "للنخبة"، أي حيث يبلغ أقل من 15 بالمئة من مجموعه فئة السن المذكورة. فقد أصبح التعليم العالي "تعليماً جماهيريا" بلغ عدد الطلاب المسجلين في جامعة ناسيونال اوتونوما دو مكسيكو حوالي 269 ألف طالب وبلغ عدد الطلاب المسجلين في جامعة نيودلهي في الهند 309 آلاف طالب. ولدى جامعة الأناضول (تركيا) ما يزيد عن مليون طالب مسجل، وبلغ عدد الطلاب المسجلين في ربما أكبر جامعة خاصة في العالم، جامعة أزاد الإسلامية في إيران، حوالي 850 ألف طالب موزعين على 145 حرماً جامعياً. يجب أن تتغير الصورة التقليدية التي قد نحملها بما يخص مؤسسات التعليم العالي باعتبارها ملتجآت معزولة عن العالم تُعلّم قلة مختارة من الناس. فالواقع أن التعليم العالي في زمننا الحاضر كثيراً ما يكون لا شخصياً، أي يتمثل في صفوف انتظار طويلة للدخول إلى قاعات محاضرات بالية، ومكتبات فاقدة للكثير من الكتب، وجدران متشققة، وطلاء متساقط، وصنابير تتسرب منها المياه.

اما المطمح الثاني لكل بلد فهو تحسين نوعية التعليم العالي. على امتداد العقد الماضي وقعت ثورة في المعايير التي تساعد في تحديد نوعية أو جودة التعليم العالي. فاليوم تتطلب نوعية التعليم العالي العالية التحديث الإلكتروني في حصص الدراسة، مباني المنامات الطلابية، المكتبات، مختبرات العلوم، وقاعات الدرس. ويكون الطلاب في أحيان كثيرة أكبر سناً، يؤدون عملاً بدوام جزئي، ويعيشون بعيداً عن حرم الجامعة. لم تعد النوعية العالية من المناهج الدراسية تستند إلى الكتاب المدرسي بل على أحدث المعلومات المستمدة من المصادر المطبوعة والإلكترونية. يتم البحث في الإنترنت عن المعلومات المهمة للطلاب وتتوافر لهم على خط الإنترنت مباشرة. وبذلك يتمكن الطلاب من الوصول إلى معلومات حول منهاج الدراسة أينما يعيشون أو يسافرون.

والأكثر من ذلك، هو التغيّر في أسلوب التعليم في غرفة التدريس. لم يعد وقت الحصة الدراسية مُكرساً لتوفير المعلومات للطلاب. بدلاً من ذلك، أصبح مكرساً لتحليل المعلومات التي يتم استيعابها قبل الدخول إلى غرفة التدريس. غيّرت الإنترنت وأشكال أخرى من وسائل المعلومات الإلكترونية طبيعة المكتبة الأكاديمية: وتعززت نوعيتها. قلّت الضرورة لزيارة هيئة التدريس أو الطلاب إلى الموقع المادي للمكتبة. كان من المعتاد تعريف مكتبة جامعة من نوعية عالية استناداً إلى عدد الكتب التي تحتويها. اما اليوم فتعرف المكتبة بالكمية التي تتيحها لإبلاغ المعلومات. والفرق هائل. تملك كل مكتبة جامعية عالية النوعية يتوفر لها ما يكفي من المال للانتساب إلى "شبكات معلومات" حصرية تتشاطر من خلالها الموارد مع غيرها.

شبكات المكتبات الأكاديمية تتخطى الحدود القومية حيث تغطي المكتبات الجامعية كل من أوروبا، وآسيا، وأميركا الشمالية. إمكانية الوصول إلى المعلومات هي ما تميز المكتبات الممتازة عن المتوسطة منها. تتوفر كافة الخدمات الأكاديمية، التعليمية والبيبليوغرافية منها عبر مرافق من الترددات العريضة ضمن قناة اتصالات. يشمل تصنيف مراتب الجامعات في الواقع اليوم عرض نطاق الترددات في قناة الاتصالات التي تستعملها الجامعة (أنظر الجدول المرفق). لا تستطيع الجامعات التي لديها نطاق متدنٍ من الترددات ان تنافس في الجودة جامعات تملك نطاق ترددات واسعة العرض في قناة اتصالاتها.

المطمح الثالث المشترك لدى الجامعات في العالم هو رفع مستوى المساواة أي تقديم منح وزمالات دراسية إلى الطلاب المؤهلين من عائلات فقيرة أو من مناطق محرومة. تملك الكثير من جامعات الدرجة الأولى موارد كافية لتقديم منح دراسية إلى حوالي طالب واحد من بين كل ثلاثة طلاب، إضافة إلى ما قد يكون متوفراً من خلال الموارد الحكومية.

الموارد المالية

لكن هذه المطامح الثلاثة، إذا أُخذت سوية، تكون مكلفة ولا يوجد إلاّ عدد قليل من الدول يمكنها تمويل كافة هذه المطامح الثلاثة من الموارد الحكومية بمفردها. فمع الزيادة في أعداد الطلاب والتوقعات المتصاعدة للنوعية والمساواة تصبح الموارد الحكومية غير كافية. من المحتمل أن تظل ندرة الموارد لدى الحكومات دائمة وهذا ما قد يولّد معضلة محتملة. كيف يستطيع التعليم العالي أن يُموّل أهدافه الذاتية والذي يشمل أهدافه التقليدية في خدمة الصالح العام؟

تتعلق هذه المعضلة بكل من المؤسسات العامة والخاصة. فمثلاً، في الولايات المتحدة تحصل الجامعات الرسمية على ما بين 15 إلى 20 بالمئة فقط من ميزانياتها للمصاريف العادية من المجالس التشريعية في الولايات. وتكون الجامعة مسؤولة عن جمع الأموال الباقية اللازمة مما يجعل الجامعات من النوعية العالية، الرسمية والخاصة، تتشابه في إدارة أهدافها واستراتيجياتها. بقدر ما أعرفه، تتوفر لكافة الجامعات أربع فئات من الخيارات التي يمكنها اعتمادها لتأمين التمويل اللازم:

  • تستطيع جمع الإيرادات من مصادر تقليدية (مثل زيادة رسوم التعليم، فرض إيجارات على المرافق، وتخفيض النفقات غير المباشرة).

  • تستطيع التنويع لإيجاد مصادر جديدة للإيرادات (مثل فرض حقوق نشر على الاختراعات، أو الاستثمار في أسواق الأوراق المالية).

  • تستطيع تخصيص الموارد الجارية بكفاءة أكثر (مثلاً، التحول من التمويل الإفرادي إلى التمويل الموحد (الجماعي)، والتمييز بين رواتب أعضاء هيئة التدريس، وهكذا دواليك).

  • تستطيع ان تلغي برامج أو خدمات فات عليها الزمن (مثلاً، العلوم المنزلية).

كافة هذه الخيارات مثيرة للجدل. فالجامعات العالية النوعية لا تنجح في جمع الموارد فحسب بل أيضاً في ترشيد إعادة توزيع الموارد التي جمعتها للمساعدة في الاحتفاظ بخدمتها للصالح العام. وبالطبع، المؤسسات المختلفة في مدى نجاحها في تمويل أهدافها. البعض منها بطيء لأنها لم تدرك بعد أن على كافة الجامعات اليوم، لكي تصبح ذات نوعية عالية، أن تتولى شؤونها المالية وإدارتها بنفسها.

قد يرى البعض في هذا ميلاً نحو نفخ "الروح التجارية" في التعليم العالي. قد يراه البعض الآخر على انه عولمة طِبقاً "للنموذج الأميركي" من التعليم العالي. اما أنا فأرى في هذا ضرورة لاستخدام الموارد للاستفادة منها للدرجة القصوى. ولا أصفه كأمر تجاري بل أقول أنه اعتماد الروح الاحترافية في التعليم العالي من خلال السعي المشروع لتحقيق الامتياز في التعليم، وليس لكونه أنموذجا أميركيا بل لكونه أنموذجاً ناجحاً يجب أن تنخرط فيه كافة مؤسسات التعليم العالي للتعامل مع ما أصبح اليوم معضلة عالمية تتمثل في ندرة الموارد العامة.

استقبل القنصل العام الأميركي بيتر وبليد بودي (إلى اليسار) ووزير العلوم والفنون في ولاية هيسّ، اودو كورتس (إلى اليمين) في مطار فرانكفورت بألمانيا، طلابا من جامعة ولاية لويزيانا لدى وصولهم في تشرين الأول/أكتوبر، 2005، للاستفادة من عرض لمواصلة دراستهم بعد ان منعهم الإعصار كاترينا من ذلك
استقبل القنصل العام الأميركي بيتر وبليد بودي (إلى اليسار) ووزير العلوم والفنون في ولاية هيسّ، اودو كورتس (إلى اليمين) في مطار فرانكفورت بألمانيا، طلابا من جامعة ولاية لويزيانا لدى وصولهم في تشرين الأول/أكتوبر، 2005، للاستفادة من عرض لمواصلة دراستهم بعد ان منعهم الإعصار كاترينا من ذلك
(بيرند كاميرير/ آسوشييتد بريس)

التماسك الاجتماعي

هناك تأثير عالمي آخر على التعليم العالي يستحق الذكر يتمثل في الطريقة التي يساهم (أو يعيق) التعليم العالي المتماسك الاجتماعي لأي دولة. على كل من التعليم العالي الخاص والعام القيام بأدوار في المساعدة على تأمين عيش المواطنين بسلام مع بعضهم البعض ومع جيرانهم، وأن يكون الخريجون منها قادرين على حسن الأداء في سوق العمل طِبقاً للتوقعات.

تحاول كافة الجامعات، أكان غرضها الأولي التدريس، أو الأبحاث، أو الإعداد المهني، ان تؤثر على التماسك الاجتماعي في المجتمع من خلال آليتين: إحدى الآليتين تعمل من خلال منهجياتها واحترافيتها في تدريس التاريخ، الثقافة العامة، البيولوجيا، الفيزياء، الهندسة، والايكولوجيا. يتم تعيين الجامعات ذات النوعية العالية استناداً إلى مدن انفتاحها على الأدب العالمي والأدلة الذي تؤكد تزويدها كافة الطلاب بحرية اختيار أكبر عدد ممكن من المواضيع الدراسية. فلا تقيد أي جامعة عظيمة حرية الوصول إلى المعلومات.

والآلية الثانية تعمل من خلال توفير الجامعة للمثال عن حسن السلوك وتُبرز المعايير المهنية بوضوح. يشمل ذلك الدرجة التي تمنح فيها الجامعة بمكافئة الأداء الأكاديمي بصورة صادقة ومنصفة؛ الدرجة التي تعلن فيها هيئة التدريس والجهاز الإداري قواعد السلوك وتلتزم بها؛ والدرجة التي تُثمّن فيها النقاش المفتوح وتحترم الآراء المعارضة. كلما توسعت الجامعة في إبراز هذه الخصائص كلما ازداد طلابها في إبرازهم كرأسمال بشري من خلال معارفهم ومهاراتهم، وكلما ازدادت مساهمتهم في الرأسمال الاجتماعي، نوع الرأسمال الذي يولد رغبة التضحية من أجل الصالح العام، كما من أجل التسامح تجاه وجهات نظر وآراء الآخرين وفهمها.

تكون الجامعات التي تظهر درجة عالية جداً من الرأسمال الإنساني والاجتماعي من نوعية عالية، وهذه هي الجامعات التي سوف تملك التأثير الأكثر إيجابية لتحقيق التماسك الاجتماعي للبلاد.

تعمل هاتان الطالبتان القطريتان في صف تدريس الطباعة في كلية الفنون التابعة لجامعة كومونويلث فيرجينيا في الدوحة، قطر.
تعمل هاتان الطالبتان القطريتان في صف تدريس الطباعة في كلية الفنون التابعة لجامعة كومونويلث فيرجينيا في الدوحة، قطر.
(آسوشييتد بريس)

إن ما يعنيه ذلك ضمنياً هو أن الجامعات التي يحصل فيها الفساد، حيث يمكن تغيير الدرجات الدراسية، وتبديل قرارات القبول في الجامعة واعتمادية شهاداتها من خلال الرشاوى، سوف تهدد التماسك الاجتماعي للبلاد. فبدلاً من أن تُشكّل المثال لحسن السلوك فإن الجامعة الفاسدة تقدم (تبرز) عكس ذلك، أي سلوك يؤدي إلى خلل وظيفي بالنسبة "لمستقبل البلاد".

تُمثّل مكافحة الفساد في مؤسسات التعليم العالي مشكلة عالمية اليوم، وتجعل الرهانات على نجاحها عالية. تُشكّل عملية بولونيا، التي تعمل من خلالها دول الاتحاد الأوروبي للتوفيق بين أنظمة التعليم العالي المختلفة لديها وذلك لإتاحة إمكانية التحرك أكثر لكل من الطلاب والأساتذة، كما أن الإرشادات الجديدة لمنظمة الأونيسكو بشأن اعتمادية الشهادات، تؤمّن الفرصة لمقارنة أوضاع الجامعات في مختلف أجزاء العالم استناداً إلى نوعية برامجها. إن رغبة الجامعة من النوعية العالية في أن تتم مقارنتها بجامعات أخرى كثيراً ما أصبحت تبدو على أنها تعتمد على ما إذا كانت الجامعة قادرة على إظهار عدم فسادها.

يقع عبء تقديم هذا الإثبات على عاتق الجامعة التي تخضع للتدقيق. فإذا لم تتمكن من إثبات نزاهتها، سوف يجد طلابها أنفسهم في وضع غير ملائم لهم على الدوام في سوق العمل، وقد يتساءل الناس حينئذٍ عن مدى جدارة إنفاق المال العام.

والخلاصة أن هناك "نموذجا" ناجحا بصورة متزايدة لنظام التعليم العالي ينطبق على كافة مناطق العالم. وهو النموذج الذي تتمكن من خلاله مؤسسات التعليم العالي بذاتها أن تمول تحقيق أهدافها. ومن الواضح أكثر فأكثر أن للتعليم العالي دوراً فريداً ليلعبه في عملية التماسك الاجتماعي للدول، ولكنه قد يتمكن من لعب إما الدور السلبي من خلال تمثيله للسلوك غير المهني، أو الإيجابي من طريق التزامه معايير السلوك الدولية.

Today's Nuclear Equation

الآراء المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية