كلمة السيد عمرو موسي أمام المؤتمر الاقليمى حول "الهجرة العربية فى ظل العولمة" (31 أغسطس - 2 سبتمبر 2
الكلمة السيد عمرو موسي أمام المؤتمر الاقليمى حول "الهجرة العربية فى ظل العولمة" (31 أغسطس - 2 سبتمبر 2003)
سيد أحمد العماوي- وزير القوة العاملة والهجرة
السيد برنسون ماكنلي- المدير العام لمنظمة الهجرة الدولية
أصحاب المعالى و السعادة
السيدات والسادة
يسعدني أن أرحب بكم فى مستهل اعمال هذا المؤتمر الذى يتناول تحديا سكانيا وتنمويا مهما، وهو المتعلق بهجرة العمل العربية فى إطار تداعيات العولمة. وكم يسعدني أن أشهد مشاركة ثرية من جانب كبار المسئولين عن قطاع الهجرة عربيا ودوليا، إلى جانب نخبة متميزة ومتخصصة من الخبراء العرب والدوليين وفي هذا الإطار أود أن أشكر الوزير على كلمته الهامة وكذلك السيد ماكنلي.
كما تعلمون فقد ارتبطت بالعولمة انجازات وثورات، فى المعرفة والمعلومات والاتصالات والهندسة الوراثية أثرت فى دور الدولة، بقدر ما تؤدي إلى التلاشي التدريجي للحدود الجغرافية للمجتمعات، وفى حجم التفاعل فيما بينها، كما أثرت فى الكثير من جوانب الاقتصاد، خاصة حجم المشروعات واهدافها وتوزيعها، وبالتالي في حجم قوة العمل وخصائصها، وفى متطلبات سوق العمل السريع التغير بفضل التطورات المتعاقبة فى تكنولوجيا العمل والانتاج.
رغم هذا وغير هذا صاحبت العولمة مخاطر وتحديات، كانت مغارم دول الجنوب منها كبيرة. فنتيجة لخلل توزيع الفرص المعرفية والمعلوماتية و الاتصالية، وفرص التجارة وغيرها بين الشمال والجنوب، اضحى العالم اكثر استقطابا بين مجتمعاته. وتجاوز عدد الفقراء الذين يملكون اقل من دولارين فى اليوم البليون و ربع بليون نسمة من سكان العالم وانخفض نصيبهم من الناتج الاجمالى العالمى من 2.3% الى 1.4% فقط في غضون سنوات محدودة. مما يلفت الانتباه ان غير قليل من الباحثين والمحللين ، مع أن التبعات الأخرى والآثار الاقتصادية للعولمة اكثر من غيرها من الابعاد. مع ان الأبعاد الاخرى السكانية والاجتماعية والثقافية لا تقل أهمية فى تداعياتها ونتائجها عن التداعيات الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالهوية الحضارية أو تفاعلات الحياة اليومية، واشباع الحاجات الروحية و المادية للبشر وإنحسار قدرة الشعوب والحكومات على التعبير الحر عن آمالها وتطلعاتها، وتزايد النزاعات والحروب فضلا عما تواجهه الشعوب والحكومات من احباطات واخفاقات فى تحقيق تلك التطلعات، سواء كان هذا لإحباط أو الفشل لأسباب ذاتية أو نتيجة الغبن الذى يقع عليها بفعل التطور اللامتكافئ والفرص غير العادلة بينها وبين المجتمعات الأكثر جنيا لثمارالعولمة. ومن هنا أصبح هناك عدد من المجتمع
ومهما كانت الثمرات او المخاطر و التحديات ، أكدت العولمة كعملية تاريخية ولها توظيفات ونتائج أن البشر هم الرصيد المتجدد الصانع للانجازات الانسانية. ولهذا كانت النقلة الكيفية التى أتت بها مفاهيم التنمية البشرية، باعتبار البشر غايتها و ليس فقط آلياتها. فالبشر هم المبدعون والمنتجون، ومن ثم يجب ان تتاح لهم فرص الاعداد والتمكين من بناء حياتهم في إطار تنمية مجتمعاتهم بكفاءة وكفاية.
وارتباطا بذلك تأتي على الجانب الآخر موضوع هجرة العمل الدولية، ويمكن للمتابع لها ملاحظة انها ظاهرة تاريخية لم تنقطع ولم تنحسر الى حد العدم فى اى مرحلة من مراحل التاريخ الانسانى الحديث والمعاصر، الا انها فى سياق العولمة اتخذت مناحى و اتجاهات يمكن ان نعتبر بعضها كاشفة ومجسدة لعدد من نواقص العولمة. ففي الوقت الذى يتم فيه إزالة الحواجز القانونية والمادية امام تدفق رؤوس الاموال والسلع والخدمات ، تواجه الهجرة الدولية معوقات، وهواجس امنية و حضارية وسياسية. ففى الوقت الذى توسعت فيه التكتلات الدولية وازيلت الحدود بين دولها وتيسرت عملية تنقل العمالة فيما بينها كما هو الحال بين مجموعة دول السوق الاوروبية (الاتحاد الأوروبي)، تكثفت بالمقابل الاجراءات الداعمة للحدود المانعة للهجرة من خارج هذه التكتلات، وهو ما أثر بشكل مباشر على المنطقة العربية وخاصة دول شمال أفريقيا.
ولا شك ان للهجرة ايجابيات وفوائد تنموية مهمة- ايا كان تقييمنا لها، مهمة لصالح دول الارسال والاستقبال. حيث تخفف فى دول الارسال من حدة البطالة وتمكن تحويلات المهاجرين من تمويل المشروعات وتدعيم الميزان التجارى وتوفر النقد الاجنبى. وهى بالنسبة لدول الاستقبال ملبية حاجة ملحة فى اسواق العمل ويمكن ان تقوم بدور تعويضى هام للاحلال السكانى الضرورى لتحقيق التوازن فى التركيب العمرى للسكان وبين السكان المعالين والسكان فى قوة العمل، خاصة بعد ان شهدت الدول الصناعية تغيرات ملموسة فى مستوى العمر المتوقع، زادت معه فئة المعمرين بكل ما تتطلبه هذه الفئة من جهود في سياسات التنموية العامة وفى الرعاية الصحية والثقافية وفى التشغيل وفي شبكات الامان الاجتماعي .
الهجرة الدولية لا تخلو طبعا من تداعيات سلبية، فهى تهدر بعض الفرص التنموية فى بلدان الارسال وخاصة مع تنامى هجرة الكفاءات ونزيف العقول. فالتغيرات فى تكنولوجيا العمل والمعلومات و الانتاج بصفة عامة عمقت من الطلب على ايدى عاملة ماهرة ومدربة، ولهذا تتجه هجرة العمل المصاحبة للعولمة إلى الإنتقائية و التركيزعلى الكفاءات المتخصصة ذات المهارة العالية، تلك الكفاءات التى تعد هجرتها أحد أهم المخاطر وصور الهدر التى تواجه إطراد التنمية بدول الارسال النامية واستدامتها. فقد انفق على هذه الكفاءات استثمارات كبيرة ووقت تنموي ووجودها داخل مجتمعاتها -يمكن حال توفر الشروط المواتية- ان يكون مصدرا اصيلا للقيم المضافة فى الانتاج و الابداع فى كل المجالات. هذا في الوقت الذى تعانى فيه بلدان الارسال من البطالة الهيكلية فى صفوف العمالة الاقل مهارة ومعرفة، ومن ثم فهى بحاجة الى التخفيف من حجم هذا النوع من العمالة من خلال عملية ضبط الهجرة الدولية.
السيدات والسادة
ضاعفت العولمة من اشكالية الهجرة سواء فى دول الارسال او الاستقبال. فالاولى تتطلع الى هجرة عمالة لاتريدها دول الاستقبال و الثانية تتطلع الى هجرة عمل هى ضرورية لتنمية دول الارسال. ويضاعف من الاشكالية وجود الهجرة غير النظامية بكل آلياتها وتنظيماتها السرية و التى لا تمثل فقط اهدارا لكرامة الانسان وحقة فى التنقل وانما تواجه حياته نفسها وتصادرها من خلال ما يسمى " بقوارب الموت".
وادراكا من الجامعة العربية لاهمية تداعيات وآثار ظاهرة الهجرة العربية، سواء داخل المنطقة العربية او خارجها فقد بذلنا جهودا علمية وتخطيطية لفهم هذه الظاهرة وتطوير السياسات الخاصة بها وتفعيل الآليات التي تتعامل معها. ومن بين هذه الجهود مؤتمر ديترويت الذى سوف يعقد فى أواخر الشهر الجارى ويشارك فيه عدد كبير من الشخصيات والمؤسسات العربية والامريكية بما فيها جمهور واسع من الكفاءات العربية والعربية الامريكية، وسوف يناقش موضوعات مختلفة فى مجالات التعاون العربى-الامريكى ويهدف الى بلورة سياسات بديلة لتيسير التعاون الاقتصادى والحوار الثقافى الإبداعي.
ومن بين جهود الجامعة العربية ايضا فى هذا المجال اهتمام إدارة السياسات السكانية بالجامعة بإنشاء المرصد العربى للهجرة الدولية ، والذى يرمى الى المساهمة اقليميا فى سد الثغرة البيانية حول هجرة العمل العربية وايجاد الآليات اللازمة لتعظيم الفائدة من هجرة العمل لتدعيم جهود التنمية والتكامل الاقليمى ولتفعيل دور الكفاءات المهاجرة فى تلك التنمية. وقد أنشأ المرصد قاعدة بيانات حول سياسات الهجرة وحول الخبرات العربية المتخصصة وفى المؤسسات العربية والدولية ذات العلاقة. كما تقوم ادارة السياسات السكانية بالجامعة باعداد اول تقرير اقليمى شامل حول هجرة العمل العربية تبين من خلاله ابرز التحولات فى هذه الظاهرة، واهم المؤشرات والتحديات التي تواجهها، ويقدم توجهات لسياسات بديلة لمزيد من تفعيل دور الهجرة فى التنمية والتكامل الاقليمى العربى . كما أنشأت الجامعة ادارة للمغتربين ترمى الى متابعة احوال المغتربين العرب وتوطيد علاقاتهم مع بلدانهم وتدعيم دورهم ومساعدتهم.
السيدات و السادة
أنتهز مناسبة هذا الاجتماع لأتوجه بنداء لتأكيد اهمية وضرورة ان يكون الحوار هو الآليه الرئيسية لمعالجة ما تعانيه الهجرة من مشكلات في مسارها وآثارها. وان يكون التعاون و التبادل العادل المتوازن للمصالح معيارا اساسيا فى مواجهة الكثير من مخاطرها. الحوار الذي نطلع إليه هو حوار مشترك لتعميق وعى جماعى انسانى، يفعل التكامل داخل وبين الاقاليم ويثريه.
ونظرا لما يزخر به مؤتمركم الموقر من كفاءات فكرية و علمية متخصصة فى قضايا هجرة العمل العربية والدولية أغتنم الفرصة لأطرح عليكم مجموعة من التساؤلات التى أرجو ان تحظى باهتمامكم و تنال ما تستحقه من حوارات ونقاشات وصولا الى اجراءات عملية ملموسة بشأن بدائل لسياسات الهجرة الدولية، تجعل تلك الهجرة آلية للتفاعل الايجابى والتعاون المستمر داخل إقليمنا العربى و بينه و بين أقاليم العالم وبخاصة أقاليم الجوار.. أوروبا.
ومن هذه التساؤلات:
أولا: كيف يمكن ان نحدث تغييرات منظمة ومدروسة فى المفاهيم و التصورات السائدة حول هجرة العمل سواء فى دول الارسال او الاستقبال، وداخل المنطقة العربية وخارجها ، اذكر هنا و على سبيل المثال: لماذا يسيطر الهاجس الامنى والسياسى على الكثير من سياسات دول استقبال الايدى العاملة فى العديد من الدول الغربية حتى قبل أحداث 11 سبتمبر؟ ثم لماذا تنحصر اسس تقييم جدوى الهجرة في الأبعاد المحدودة والمحددة بالمنافع الاقتصادية والهواجس السياسية و الأمنية ولا تتجاوزها الى ابعاد ومؤشرات تنموية اكثر شمولا وتفاعلا لإستدامة الدور التنموى لرأس المال البشرى وتعميق التنوع والحوار والتبادل الثقافى الانسانى ؟
ثانيا: ما أهم العقبات التى حالت دون تفعيل الاتفاقات الثنائية والاقليمية الفرعية عربيا -مشرقا ومغربا وخليجا- لتنظيم الاستفادة من الرصيد البشرى العربى في التكامل الاقليمي؟
ولعل اخطر الاسئلة التى تفرضها الظروف الراهنة المشتعلة فى المنطقة، ثالثا: ما هي التداعيات والآثار الراهنة والمستقبلية للعنف الاسرائيلى المتواصل على التهجير والقضايا السكانية فى فلسطين؟ وما هي تداعيات "الحروب و النزاعات المسلحة، خاصة على الاطفال والنساء وكبار السن؟ وما الذى يجب ان تفعله دول الجوار والمجتمع الدولى لمحاصرة المخاطر التى يتعرض لها السكان؟ وهذه المخاطر تلمس بجدية موضوع الهجرة وهو أساس البحث في هذا المؤتمر.
رابعا: اذا كانت بعض الخلافات و التقلبات بين بعض النظم السياسية قد أثرت فى امن واستقرار المهاجرين، فما هى الضمانات التى يمكن اقتراحها وتفعيلها لحماية حقوق وصيانة كرامة هؤلاء المهاجرين ؟
خامسا: اذا كانت التكتلات و الكيانات الاقليمة الكبيرة هى الفرصة التى جعلت الاقليمية تتفاعل على نحو ايجابى مع مخاطر العولمة وتحدياتها، فما هى الشروط لكى نفعل دور الهجرة العربية-العربية فى التكامل العربى الاقليمى ؟
سادسا: اذا كانت البيانات والمعلومات المتاحة حول الهجرة الى الخليج العربى تشير الى تزايد العمالة الاجنبية مقابل تناقص العربية . ما هى إذن العوامل الموضوعية التى تحول دون تنافسية الايدى العاملة العربية فى الخليج؟ وفى غيرها من اسواق العمل داخل وخارج المنطقة العربية، لتحقيق تنافسية مرغوبة مع العمالة الدولية من جنسيات اخرى وفى اماكن اخرى من أقاليم العالم؟
سابعا: ما هي الاولويات العملية التى تضع فى حسبانها مصالح دول الارسال والاستقبال العربية لتوفير شروط تكامل انتقال قوة العمل العربية ؟
ثامنا: كيف يمكن تطوير هجرة العمل سواء العربية-العربية او الى خارج الاقليم العربى لكى تساهم على نحو اكثر فاعلية فى تواصل التنمية؟ : يتضمن هذا على سبيل المثال:
- ما هي الآليات الملائمة لعقلنة الهجرة الى خارج الاقليم العربى ، خاصة هجرة الكفاءات ؟
- وكيف يمكن تطوير فرص مشاركة الكفاءات العربية داخل الاقليم العربى والتى هاجرت الى خارجه فى دعم التنمية العربية و تواصلها؟ وما هو المطلوب منا في الجامعة العربية لتحقيق ذلك؟
- كيف نفعل دور المهاجرين فى دعم الحوار والتبادل الثقافى والحضارى واثرائه ونفعل ايضا دور الهجرة كجسر للحوار بين الحضارات؟
وتقديرا منا لخبراتكم المتميزة فى مجال هجرة العمل أتوقع ان ينال العمل العربى المشترك فى هذا المجال حيزا مهما من مداولاتكم ومن مقترحاتكم وبما يسهم فى تطوير هذا العمل واثرائه.
أخيرا أود ان اختتم كلمتى بالتحية والشكر للسيد برنسون ماكينلى ومنظمة الهجرة الدولية التى يرأسها على تعاونها ومساهمتها الفعالة فى الإعداد لهذا المؤتمر وإثراء مناقشاتها وتنشيطها، كما اود ان اشكر كل الاطراف التى ساهمت فى انجاح هذه التظاهرة واخص بالذكر المكتب العربي لبرنامج الامم المتحدة الانمائى وصندوق الأمم المتحدة للسكان و كافة الخبراء والباحثين الذين ساهموا فى إثراء اعمال هذا المؤتمر هذا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××