اسلامية المعرفة مجلة فكرية محكمة يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 037 - 038 > بحوث و دراسات
العولمة والتغيرات الاجتماعية – الثقافية في العالم الإسلامي عمر جاه
http://www.eiiit.org/article_read.asp?articleID=717 ---------------------------------------------------
المقـدمــة: تعد العولمة، في الشكل الذي تقترحها فيه الأمم الغربية المتقدمة اقتصادياً، انعكاساً للتيارات الراهنة في تكنولوجيا المعلومات. لقد بحثت العولمة على نطاق واسع خلال العقدين الأخيرين، كموضوع ذي طابع اقتصادي في المقام الأول، على الرغم من أنه يستهدف بشكل واضح خلق مجتمع عالمي واحد يتسم بثقافة واحدة. وفي هذا المجتمع الجديد المقترح، يتوجب أن تطرح جانباً القيم التقليدية، بما في ذلك الدين والعادات الاجتماعية، من أجل إفساح المجال أمام تطور الثقافة الجديدة دون معارضة، وهو تطور يقوم على مبادئ العلمانية المادية الحديثة. ويستهدف هذا البحث تفحص آثار التوجهات العالمية الراهنة على الخصائص الاجتماعية-الثقافية للمجتمعات الإسلامية. ويتوقع أن تحدث العولمة تغييرات كاسحة داخل المقومات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات غير الغربية، ليس فحسب عن طريق المرتكزات الجوهرية التي تحكم العلاقات الإنسانية، ولكن أيضاً، عن طريق إدخال مجموعة جديدة من الآراء والممارسات الأجنبية. إن العملية المتكاملة للعولمة سوف تنال، كما هو متوقع، من نمط الحياة الأصلي عن طريق فرض علاقات إنسانية جديدة، ذات أصول غربية في المقام الأول. إن عجز البلدان النامية، بما في ذلك البلدان الإسلامية، عن حماية تراثها الاجتماعي–الثقافي، يمكن أن يؤدي إلى إخضاع تلك البلدان إلى فقدان هويتها وخلق فجوة بين أجيالها وتمزق اجتماعي في نسيجها. تتسارع قوى العولمة الجديدة عن طريق استخدام تكنولوجيا المعلومات والوسائط الإلكترونية التي تفتقر إليها معظم البلدان الإسلامية. يضاف إلى ذلك، أن تلك التوجهات تتعارض مع المكونات الأساسية للنظرة الإسلامية للعالم، التي تضم من بين ما تضم، مبادئ روحية مثل توحيد الله، ونبوة محمد رسول الله، والشريعة كالمصدر الرئيسي للتشريع. وكدين عالمي، فإن الإسلام لا يستطيع أن يقترض من الآخرين لتعديل أو تغيير مبادئه. الهدف من هذا البحث إذن، هو إلقاء بعض الضوء على ما يمكن أن يكون للعولمة من آثار، على النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمعات المسلمة. وسوف يسعى هذا البحث للتأمل حول بعض المبادئ الأساسية للإسلام، من أجل تأكيد ضرورة حماية تلك المبادئ الجوهرية من قوى العولمة. يعتبر الإسلام الأسرة أساس الكيان الاجتماعي في المجتمع والذي يصفه القرآن الكريم بأنه كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (آل عمران: 110). وتتألف العائلة من الزوجة والزوج في رباط الزوجية القانونية التي تحكمها تعاليم الشريعة. والشريعة إذا ما طبقت، سوف توفر السلم والتفاهم المتبادل والتعاون، ويسود بعدئذ الوئام. الأطفال الذين ينشئون في مثل هذه البيئة يملكون فرصة أفضل بأن يصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع. وعلى النقيض من المجتمعات الغربية حيث تتعرض العائلة إلى التمزق، وحيث أضحت الحياة غير الزوجية النظام الأكثر قبولاً، فإن الأطفال يربون في إطار أحد الزوجين لا كليهما، أو في بيوت محطمة. ونتيجة لذلك، فإن الأطفال الذين ينشئون في مثل تلك العائلة ينتهي بهم الأمر إلى السجون، كما ينتهي الأمر بالبنات إلى أن يصبحن أمهات صغيرات السن بدون رابط الزوجية. إن مثل هذه التوجيهات السلبية للحياة العائلية في الغرب، يمكن أن تنتقل بسهولة إلى المجتمعات الإسلامية، عن طريق أساليب شتى تنطوي عليها العولمة. والثقافة في الإسلام، هي عنصر من عناصر الدين الذي أساسه التوحيد، أي الإيمان بالله الواحد الأحد الحي القيوم العزيز الجبار. هذا النظام الإيماني هو في نقيض حاد مع الآراء التي تجسدها المادية العلمانية المعاصرة. وبإبراز النواحي الكارثية المحتملة التي تنطوي عليها العناصر الثقافية للعولمة، أمام أوسع جمهور يمكن الوصول إليه، وبالأخص إبراز النواحي السلبية التي سوف تؤثر على الأمة الإسلامية، فإننا نأمل بالمساهمة في ابتكار الطرائق التي يستطيع المسلمون من خلالها، تخفيف الأخطار المتأتية عن هذه الثقافة الجديدة التي تأتي بها العولمة. معنى العولمة: يمكن تعريف العولمة، التي تعتبر المجتمع الإنساني قرية عالمية، بعبارات مختلفة، بحيث تعني أشياء متباينة لأناس مختلفين على امتداد العالم. بيد أن الظاهرة التي تجمع بينها، أنها تزيل أهمية الحدود الجغرافية والقومية والدولية، التي تفصل عملياً المجتمعات الإنسانية بعضها عن بعض. لقد استعمل هذا التعريف للتعبير عن التطور السريع في وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وتعرف العولمة في الإطار الاقتصادي، بأنها عملية من شأنها دمج الأسواق الوطنية المختلفة تدريجياً بحيث تصبح سوقاً عالمية واحدة، حيث الإنتاج والتسويق ونقل البضائع ورأس المال والخدمات تصبح مركزية وبالتالي تتحكم فيها فئة قليلة. ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن العولمة الاقتصادية "هي عملية يصبح من خلالها التسويق والإنتاج في البلدان المختلفة في اعتماد متزايد على بعضها البعض، بسبب ديناميكية التجارة في البضائع والخدمات وحركة رأس المال والتكنولوجيا." وهكذا، وبينما توجد هنالك إيجابيات ديناميكية للعولمة، فإنها تنطوي كذلك، على سلبيات كثيرة، وعوامل تهميش وتخريب للفقراء. وتعني العولمة في الإطار السياسي، ببساطة الاستعمار بشكل أو بآخر؛ ذلك أنها ترتبط بالتطور التاريخي لأوروبا الرأسمالية، أي محاولة أوروبا غزو العالم كله ووضعه تحت نظام سياسي واحد، قائم على أسس أيديولوجية واحدة: رأسمالية أو قومية فاشية. بداية العولمة السياسية يمكن اقتفاء أثرها في التوسع الاستعماري الأوروبي في القرن الخامس عشر، في شتى بقاع العالم، بدءاً بـ: أ) الاستعمار الإسباني/ البرتغالي والجهود التي بذلها "لنصرنة" ما أسموه بالشعوب الهمجية. ب) الحملات البريطانية والهولندية والفرنسية "لتمدين" من أسموهم بالشعوب البدائية والمتأخرة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. ج) الجهود المركزة التي بذلتها الشعوب الرأسمالية الغربية، التي أرادت، من خلال التحديث والعلمنة، تطوير شعوب الشعوب اللاغربية في الشرق الأقصى والأوسط، وبالأخص تلك الشعوب التي سبق لها اعتناق الإسلام قبل قرون من انبعاث العالم الغربي الرأسمالي "المتحضر". وكما عَبَّرَ عن ذلك والتر. د. ماجنولو: "يبدو أن العولمة في مراحلها الثلاث كانت تجهل وجود نظم اجتماعية متقدمة في العالم آنئذ، وعلى سبيل المثال في الصين والعالم الإسلامي والمكسيك (وأجزاء من أفريقيا)، قبل أن تبدأ جماعات صاعدة من المجتمعات البربرية بادعاء نفسها المركز الجديد للعالم. وجنباً إلى جنب مع التوسع الاستعماري في مختلف أرجاء العالم، انتشرت الثقافة الأوروبية بسرعة في المناطق المحتلة، وبالأخص اللغات الأوروبية. أما في الإطار الثقافي فإن العولمة تعني عملية إنشاء مجتمع عالمي ذي ثقافة موحدة. وفي إطار مجتمع العولمة الجديد، سوف يتم تهميش الثقافات التقليدية، والاستعاضة عنها بقيم علمانية غربية مثل المجتمع الاستهلاكي والمادية والفردية. الخطر في هذه الثقافة الجديدة هو في حقيقة أن هذه النظرة العالمية تجسد المادية العلمانية التي تقلل من دور الدين، وتستبعد الحقائق الميتافيزيقية في تكوين الثقافات، وتُخضع الإنسان إلى مخلوق بلا خالق، همه الوحيد في الحياة هو الإنتاج والاستهلاك. هذه جميعها تتعارض بوضوح مع النظرة العالمية للإسلام. النظرة الكونية للإسلام النظرة الكونية للإسلام هي عقيدة الإسلام نفسها. إنها تصور الحقيقة الواحدة والصدق. إنها تشتمل على الدنيا والآخرة والتي بموجبها وكما يعبر عنها العطاس: "منظور الدنيا يجب أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً لا يمكن فصم عراه عن منظور الآخرة، وفي هذا المنظور تتبوأ الآخرة القيمة العظمى والنهائية. وتعدّ الحياة الدنيا توطئة وتمهيداً لحياة الآخرة. كل شيء في الإسلام مركّز في نهاية الأمر على الحياة الآخرة، ولكن دون أن يعني ذلك أي إهمال أو عدم اكتراث بالحياة الدنيا." تشتمل نظرة الإسلام الكونية على ما يلي: (1) الإيمان بوحدة الإله الواحد الجبار الحي القيوم المحيط بكل مكان وزمان. (2) الإيمان بأن الله هو خالق الأكوان. (3) الإيمان بأن الله هو الحافظ لهذه الأكوان. (4) الإيمان بالحقائق الغيبية وبالبعث بعد الممات في حياة قادمة. (5) الإيمان بأن النبي محمد صلّى الله عليه وسلم هو رسول الله. (6) الإيمان بملائكة الله ورسله وأن القرآن هو كتاب الله المنزل الذي يبين الصراط المستقيم والحق من الباطل فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (يونس: 32) وعلى النقيض من ذلك، توصف النظرة الغربية للعالم بأنها مجموعة من النظريات المتطابقة التي تسمح للإنسان برسم رؤية للعالم الذي يعيش فيه. وبعبارات أخرى، وخلافاً للنظرة الكونية الإسلامية، والقائمة على عقيدة التوحيد، فإن نظرة الغرب الكونية تقوم على الأسس المادية العلمانية. يضاف إلى ذلك، فإن نظرة الإسلام الكونية تحدد الطريقة التي يتواصل فيها الناس مع خالقهم الله سبحانه وتعالى، في عملية امتثالهم لأوامره وعباداتهم وعبوديتهم لخالقهم. كما أن هذه النظرة تحدد الطريقة التي يتعامل بها الناس بعضهم ببعض، وتعاملهم مع الطبيعة المحيطة بهم والتي تشكل بادرة اعتراف بالمشيئة الإلهية؛ أي النظام الإلهي الذي يسمى عادة بالقانون الطبيعي. إنّ الإسلام -في نظر المسلمين- طريقة في الحياة تهدي إليها المعرفة الصحيحة والمبادئ الأخلاقية التي أوردها القرآن الكريم والتي جسدتها سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم. وقد أوضح العطاس ذلك بقوله: "المسلم يملك في يديه القرآن، وهو الكتاب الذي لم يتغير ولا يتغير وغير قابل للتغيير. إنه كلمات الله المنزلة، كما أوحى بها بشكل كامل ونهائي." ونعني عند الإشارة إلى نظرة الإسلام الكونية: "تصور الصدق والحقيقة التي تبدو أمام ناظري عقولنا، والتي تكشف النقاب عن معنى الوجود، ذلك أن عالم الوجود في مجمله هو التصور الإسلامي للعالم." وتضرب التوجهات العالمية الجديدة التي تدفع بها العولمة جذورها عميقاً في مكونات المجتمعات الغربية، كما انعكست في التوسع الاستعماري والهيمنة الأجنبية. إن الطبيعة الرأسمالية للمجتمع الغربي -التي تشكل، خلافاً للنظرية الكونية الإسلامية، الثقافة الجديدة للعولمة- هي نتيجة مباشرة للتوسع الأوروبي على امتداد الكرة الأرضية، عن طريق الاستعمار والهيمنة الثقافية إنها تعكس وتجسد النظرة العامة للغرب، نظرة عالمية قائمة، كما ذكر سابقاً، على المادية العلمانية. إنها لا تعترف بوجود الله كخالق وحافظ للكون، مثلما أنها لا تؤمن بالحقائق الكلية أو الحقائق غير المرئية، وبالتالية فإنها لا تعترف بالحقائق الميتافيزيقية والحساب في الحياة الآخرة. بل إنها تنظر إلى هذا العالم الطبيعي المحسوس بوصفه نظاماً دائماً، مستقلاً وقائماً بذاته، ويتطور وفق القوانين الخاصة به. والإنسان في مثل هذا النظام، سيد نفسه، وليس في حاجة إلى من يرشده؛ لذا فإنه حر في أن يفعل ما يشاء. وهكذا، فإن قضية الإنسان هي في هذه الحياة. ولذلك فإنه في هذا العالم الحديث "تنتصب أمام المسلمين رسالة حقيقية، يتوجب عليها إعادة القيم الروحية إلى عالم يتحول سريعاً نحو الشرك بالله وإلى مادية كاملة، لها من صفات الغرور ما يجعلها تفكر بأنها تعرف الإجابة على كل شيء؛ إنّه عالم سوف يطور أقصى وسائل التدمير، ويضعها في أيدي رجال فاقدي المسؤولية ويتملّكهم الجنون؛ عالم يقف على حافة دمار من صنع يديه. هؤلاء الناس يظنون بأنهم يعرفون من الكفاية بحيث يقومون بدور الله نفسه. لقد سبق أن أعربوا عن اعتقادهم بأنهم يستطيعون أن يخلقوا أي شيء خلقه الله. ويريدون خلق عالم ينسجم مع أهوائهم. وقد أصبحوا على درجة من الغرور لا تطاق، رافضين القبول بأي شيء يعتبر أعظم منهم." يجب أن يعرف كل مسلم بأن انتشار المادية العلمانية الغربية لا تتفق مع المبادئ الأساسية للإسلام، فالإسلام: "يستطيع أن يقدم قيماً روحية للذين يؤمنون والذين لا يؤمنون." وليس هنالك من شك بأن القيم الغربية المادية العلمانية، سوف يكون لها تأثير على صلواتنا وثقافتنا ونظرتنا الكونية ونظامنا الاقتصادي والتعليمي، وعلى قيمنا الإسلامية وهويتنا، بحيث تبعد عقولنا عن الله. إن المادية العلمانية في الغرب تؤدي إلى ارتكاب جرائم خطيرة، وإلى العنف وتعاطي المخدرات والإدمان على الخمر والبغاء وصور الخلاعة والشذوذ الجنسي، واستغلال الناس والموارد، وتختصر الحياة بجهود عبثية ليست ذات معنى. المادية العلمانية الغربية تخلق في عقول أطفالنا الكفر بالله وعدم احترام التقاليد والآباء والمسنين والمعرفة، وتقودهم إلى محبة نمط حيواني هابط في الحياة، يكون تركيزه الوحيد على الملذات الجنسية. نظرية الثقافة في الإسلام كما ذكر آنفاً في هذه الدراسة، فإن علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا يعرفون الثقافة بأنها مجموعة الأفعال والسلوكيات والخبرات الإنسانية، بما في ذلك الدين والتقاليد والأخلاقيات والعادات الاجتماعية واللغة والقيم الأخلاقية والموسيقى والفنون… إلخ. فإذا نُظر إلى الثقافة بأنها شيء يربط بين الناس، كما يربط بينهم وبين المجتمع، عندها يمكن وصف الثقافة الإسلامية كمعلومات عملية مكتسبة، ترشدها مبادئ ثابتة منبثقة من العقيدة وموضحة في الشريعة. هذه المعلومات تجسد نفسها في سلوك الإنسان الشعوري في الحياة، عندما يتعامل -منفرداً أو جماعة- مع الوجود أي (مع الله الخالق وخلائقه). وفي هذا المضمار، يمكن تقسيم الثقافة إلى طيفين: أ- الثقافة المادية، ب- الثقافة غير المادية. الطيف الأول يتعامل مع النواحي المادية للحياة، كما تراها الأحاسيس الخارجية للإنسان، بينما يتعامل الثاني مع ما يراه الإنسان فقط في أحاسيسه الداخلية، أي عقله ومشاعره النفسية ودماغه وروحه، وهي النواحي الروحية للحياة الإنسانية. فالإنسان ليس لحماً وعظماً ودماً فحسب، وإنما هو كيان روحي كذلك. يُظهر تحليل دقيق لمعنى الثقافة بأن الثقافة ما هي إلا بيئة جديدة يخلقها الإنسان، في محاولته العيش براحة داخل البيئة الطبيعية بالنسبة لأولئك الذين يرجعون كل شيء إلى الطبيعة، أو داخل هذه الطبيعة التي خلقها الله، بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بالله. ومن خلال خلق هذه البيئة الجديدة، فإن الإنسان يحاول تكييف حياته وفق حاجاته ووفق قدرته على التكيف. هذه العملية تشتمل على خلق محيطه الذي يعيش فيه، وتطوير وسائل انتقاله، وخلق لغات لاتصالاته، وابتداع الآلات اللازمة لإنتاج غذائه، وأسلحته التي يدافع بها عن نفسه في وجه أعدائه، والفنون التي تظهر مواهبه على فهم وتقدير جمال الطبيعة. وكلما ارتفعت ثقافته كلما أصبحت بيئته مصقولة وأكثر تطوراً. ولهذا السبب، فإن الثقافة تختلف ما بين مجموعة بشرية وأخرى، ولكنها تظل مع ذلك هوية الإنسان نفسه. وللسبب ذاته، فإن باستطاعة المرء أن يرى بأنه، وعلى الرغم من أن النظرة الكونية الإسلامية واحدة، فإن هنالك تنوعاً وتعددية في ثقافة المسلمين على امتداد العالم. وإذا أمعنا النظر في الحضارة الغربية، فإننا نرى بسهولة ووضوح التأثر العميق للمادية العلمانية الحديثة على جوهرها وتطورها. لقد مرت الحضارة الغربية بتغييرات متعاقبة من الكلاسيكية إلى الحداثة وإلى ما بعد الحداثة. الرحلة الراهنة في هذا التغيير هو العولمة. في الإسلام، الثقافة تنضج في كنف وهدي الدين، بيد أن الدين نفسه، كمصدر للثقافة جاء مكتملاً ولا يمكن تغييره على الإطلاق. لذا، فإن الناحية الوحيدة في المجتمع الإسلامي القابلة للتغيير والتطوير هي ما نطلق عليها "الثقافة" وهي ما يخلقه الإنسان حوله من بيئة مادية وغير مادية. وبعبارة أخرى، فإن ما يتم رسمه وبلورته وتطويره من قبل الإنسان نفسه، ولكن بتوافق مع مبادئ التوحيد، بما في ذلك بعض المعتقدات والممارسات الدينية، هي الثقافة. هذه تشتمل، من بين ما تشتمل، على اللغة والملبس والفنون والعادات والقيم والأغاني والموسيقى والفن المعماري والعادات الاجتماعية. جميع هذه الأطياف عرضة لبعض التغيير، ولكن مثل هذه التغييرات لا يجوز أن تكون متعارضة مع التوحيد. وفي ضوء ما تقدم، فإن الدين هو القاعدة التي بنيت عليها الثقافة وليست مجرد عنصر من عناصر تكوينها، كما يحلو لعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أن يقنعونا. ويعني الإسلام بصفته ديناً عالمياً (طريقة الحياة في النواحي الحسية والعقلية والروحية) أنه يعترف بتعددية الأجناس واللغات والعادات الاجتماعية والتقاليد. هذا كاف لإظهار طبيعته العالمية. ففي الإسلام، يشجع الناس الذين ينتمون إلى أجناس مختلفة ولغات مختلفة وثقافات مختلفة على العيش معاً جنباً إلى جنب، وأن يعترف كل واحد بالآخر وأن يعترف بثقافات الآخرين في إطار التوحيد، الذي لا يكتفي بالاعتراف بالتعددية الثقافية، وإنما يعتبر تلك التعددية آية من آيات الله جل جلاله (الحجرات: 13). وفي الحقيقة، فإن طبيعة الإسلام الكونية تنعكس بوضوح أكبر في العبادات والطقوس مثل الصلاة والصيام والحج. ففي كل واحدة من تلك الطقوس، يؤدي المسلمون من مختلف الأجناس والعادات واللغات والتقاليد نفس الطقوس الدينية وفي ذات الوقت على امتداد العالم. وفي الإسلام، فإن الوعي الثقافي يعني معرفة الحقائق الميتافيزيقية وما وراء الطبيعة، بصفتها حقيقة ديناميكية واحدة لا تتجزأ، ولا يوجد بعدها إلا الله تعالى. وعلى مستوى الوعي الإنساني، فإن الحقيقة ليست نسبية كما هو الحال في فلسفة الغرب النسبية المادية. الهدف من خلق الإنسان هو معرفة خالقه الله تعالى، والخضوع له وطاعة أوامره. هذا هو معنى الدين؛ أي إدراك الإنسان لمدى دينونته لخالقه الله تعالى وشكره وعرفانه وطاعته. وهكذا، فإن المعرفة تحتل مركزاً رئيسياً في الثقافة وفي النظرة الكونية الإسلامية. أهمية المعرفة تعني المعرفة في الإسلام "اليقين" على نقيض "الشك"، أو "الظن". هنالك ثلاثة مستويات لليقين: أ) علم اليقين، وهذا يتصل بالمعرفة التي تدرك عن طريق العقل الراجح. ب) عين اليقين (أي اليقين التام) والذي يشير إلى المعرفة التي يتم تحصيلها عن طريق المشاهدة. ج) حق اليقين (المعرفة الصحيحة أو اليقين الصحيح)، وهذا ينبثق عن الخبرة المباشرة أي المعرفة التي تتحقق عن طريق الوحي، سواء كان ذلك بالطريقة التجريبية (أي الاختراعات العلمية)، أو الوحي الروحي، المنزل من الله جل جلاله، وهو يمثل الحقيقية الكلية. ينبثق المغزى المعرفي لليقين من حقيقة أنه يتسامى ويعلو على خبر الشك والظن. وكما أوضح العطاس، فإن العقل والتجربة اللذين يصفهما العلماء المعاصرون بأنهما المصدر الوحيد للمعرفة، لا يمكن أن يوصل إلى الحق اليقين أو الحقيقية الكلية، التي لا تترك حيزاً للشك أو الظن. وقد أكد القرآن الكريم ذلك بقوله في سورة يونس: وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (آية 36). هذا لا يعني أن العلم وعلم المنطق، لا قيمة لهما، بل إن استخدامها الصحيح يمكن أن يشكل أساساً صالحاً للمعرفة الصحيحة. ومن خلال التوصيف أعلاه للمعرفة، تبين مدى الصعوبة في استخدام الفلسفة المادية النسبية، في محاولة التوصل إلى المعرفة الحقيقية (اليقين)، لتمكين الإنسان من معرفة كيفية ممارسة حرية الاختيار. هذا هو ما يميز الرؤية الكونية للإسلام عن الرؤية العلمانية المعاصرة التي يعتنقها الغرب. وبينما تعترف الأولى، أي الإسلامية بأن هنالك ثلاثة مصادر للمعرفة؛ أي العقل المجرد، والتجارب الصحيحة، ووحي القرآن وسيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم، فإن النظرة الأخيرة أي الغربية تعترف بمصدرين فقط للمعرفة ألا وهما: العقل المجرد والخبرة. ومن هذا المنطلق، فإن النظرة الإسلامية الكونية تجد نفسها أمام التحدي الذي تمثله العولمة، بسبب طبيعتها التي تفتقر إلى اليقينية وعدم التثبت. وفي مثل هذه الظروف، فإن اتخاذ القرارات الخاصة بالشؤون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تخص المجتمعات الإسلامية تصبح عملية صعبة، إن لم تكن مستحيلة. لا يمكن وفق تلك الفلسفة المادية، أن توجد حقيقة مطلقة أو يقين، وبالتالي لا يمكن التوصل إلى الحقيقة بدون العقل المجرد أو الخبرة. وبعبارة أخرى، يتوجب أن تكون الحقيقة قائمة على أساس العقل المجرد والخبرة. فإذا كانت المعرفة، كما يقول العطاس، توصل الروح إلى معنى الأشياء، وتعرف المواقع الصحيحة للأشياء في ظلال النظام الكوني، فإنها لا بد أن توصل إلى الاعتراف بمكانة الله في نظام الوجود. إن وضع ذلك موضع التطبيق يجب أن يعني وضع الأمور في نصابها في نظام الكون، وهذا يسمى أدب المعرفة ويمثل أسس العدالة، كما أنه النتيجة الطبيعية لحرية الاختيار. إن افتقاد حرية الاختيار، أي فقدان القدرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح في نظام الكون يسمى (الجهل) و(الظلم). فإذا كانت عولمة الثقافة تسمح للإنسان بتغيير النظام الكوني، عن طريق فشله في وضع الأمور في نصابها الصحيح، فإن الثقافة الإسلامية سوف ترفض، بل يجب أن ترفض تلك العولمة. إن هذا المفهوم الخاطئ لحرية الإنسان، ليس إلا انحرافاً خطيراً عن تعاليم الإسلام، كما أوحي بها في القرآن الكريم. ووفق التعاليم الإسلامية يجب أن يرشد الإنسان إلى ممارسة حقه في حرية الاختيار، ومن خلال حرية الاختيار يستطيع الإنسان –مع الهدي الإلهي- أن يختار ما هو نافع له. وإن اختيار ما ليس نافعاً للإنسان يعني غياب حرية الاختيار. ووفق العقيدة الإسلامية، فإن المعرفة تأتي من الله، خالق الإنسان نفسه. ولكن، ومن وجهة النظر الإسلامية، فإن أهم مصدر للمعرفة هو القرآن وشخص الرسول صلّى الله عليه وسلم. فمن خلال هذه التعاليم، عَلَّمَ الله الإنسان معرفة الخالق، ومعرفة نفسه، ومعرفة محيطه وبيئته، ومعرفة الكون. وعن طريق تطبيق هذه المعرفة "اليقينية"، سوف يتزود الإنسان (بالأدب) و(الحكمة)، وهما أسس العدالة. القرآن الكريم يسمي عدم التأكد (بالظن) ويقول إن الظن لا يمكن أن يوصل إلى الحقيقة. أخطار العولمة يستطيع المرء في ضوء ما تقدم من بحث حول الرؤية الكونية الإسلامية، أن يرى بأن العولمة الثقافية القائمة على أساس المادية العلمانية، هي خطر وضرر على الناس في البلدان النامية بوجه عام والمجتمعات الإسلامية بوجه خاص. ويستطيع المرء أن يلحظ بسهولة بان الخطر الذي تشكله العولمة على المجتمع الإسلامي ليست بطبيعتها من صميم عملية العولمة نفسها. إن الخطر يتأتى من المحاولات المستترة للنيل من فعالية الإسلام، في محاولته إقامة مجتمع عادل ومستقيم، مستمد من إرادة الله وتعاليم الشريعة. وبالنظر إلى وصفها بالمجتمع الواحد ذي الثقافة الواحدة، فإن العولمة تعني فرض ثقافة واحدة على جميع المجتمعات، على امتداد العالم. وبالنظر إلى حقيقة أن هذه الثقافة العالمية الجديدة مرتبطة بالمادية الغربية، والفردية، والاستهلاك والعلمانية والحداثة، فإن الناس الذين تهمهم معتقداتهم الدينية وطقوسها، سوف يرفضونها كأمر طبيعي، وسوف يكافحون ضدها إذا اقتضى الأمر. تتجسد النتائج السلبية للعولمة على المجتمعات الإسلامية وعناصرها الثقافية بوضوح في فلسفتها المادية العلمانية وفرديتها النشاز؛ بينما لا تعترف المادية العلمانية بأي وجود أبعد من هذا العالم المادي والفردية ترفض بشكل قاطع أية سلطة إلهية عليا مهما كانت وبأي شكل من الأشكال، الأمر الذي يحدُّ من حرية الإنسان لعمل ما يريد عمله. هذه الفلسفة تتعارض تعارضاً كاملاً مع مبدأ التوحيد. ومع أن العولمة، كتطور إنساني في مجالي السياسة والاقتصاد، قد تكون لها بعض المزايا وبالأخص، في حقول النقل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فإنها تشكل خطراً محدقاً وشيكاً على الحياة الاجتماعية – الاقتصادية لغالبية سكان المعمورة. وكما ذكر سابقاً، فإن القوى الكبرى ممثلة بالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قد استخدمت العولمة لفرض وجهات نظرها على الأمم الصغيرة؛ وتصدر القرارات عادة عن الأمم المتحدة والهيئات الدولية المتفرعة عنها، لإرغام الشعوب الصغيرة على تغيير تشريعاتها المحلية التي تنظم حياتها الاجتماعية والدينية والثقافية. وتحت شعار حقوق الإنسان، ترغم الشعوب الصغيرة على تغيير تشريعاتها المنبثقة عن تقاليدها وأعرافها في شؤون مثل الزواج، وتعدد الزوجات، والميراث، والأخلاقيات، والقيم وغيرها. إن هذا الخطر ضد الثقافة الإسلامية وتقاليدها من الخطورة بحيث لا يجب السماح له بالانتصار. خطر العولمة ينبع من توجهاتها المادية تجاه الثقافات الأخرى. وكما أوضح تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية: لا تملك البلدان الفقيرة والشعوب الفقيرة سوى نفوذ قليل في منتديات اتخاذ القرارات على المستوى العالمي في يومنا هذا. إن الأكثر أهمية ونفوذا هي الدول المسماة بـ(G7) الصناعية والتي يسيطر أعضاؤها على المؤسسات المنبثقة عن اتفاقيات بريتس وودز (البنك الدولي وصندوق النقد) بواسطة حقوق التصويت، ومجلس الأمن الذي تهيمن تلك المجموعة على ثلاثة مقاعد للعضوية الدائمة فيه . ومن الناحية الأخرى توضح منظمة الثقافة والعلوم اليونسكو أن: الخطر المحتمل الناشئ عن انتشار مثل هذه الثقافة الجماهيرية (العولمة) هي في حجم واتساع ما تسيطر عليه وسائل الإعلام في نشر ذلك، بينما تضيع أذواق ومصالح الأقليات. أسهمت الثقافة المادية الجديدة، بالتعاون مع وسائل الإعلام الجماهيرية، ومجتمع المدن والتصنيع، معاً في تفسخ القرى، وفي إضعاف البنيان العائلي، بحيث دمرت نظام العائلة الممتدة، وهَمّشَتْ ملايين البشر على امتداد العالم. إنها تنزع إلى إقصاء الفقراء عن التنمية الاقتصادية. وكما أوضح عامر الرباعي: إن السرعة الرهيبة التي تنتقل بها تكنولوجيا المعلومات تنال من قدرات الدولة/الأمة على ممارسة أية رقابة على عمل مجتمعاتها. تخترق تكنولوجيا المعلومات جميع الحواجز، وتنال من الحدود القومية، وتتوغل في الخصوصيات، وتخترق عقول الناس، وتؤثر في أذواقهم وتشوش على ترتيب أولوياتهم. إنها أسوأ أنماط الاستعمار العقلي في تاريخ البشرية. إنها تخلق ثقافات جديدة، كما تطور أنماطاً جديدة من السلوك الاجتماعي والقيم، وبالأخص في عقول الناشئة والطبقات غير المتعلمة، وهي الفئات الأكثر قبولاً للدعاية. إن فجوة الأجيال ربما تكون واحدة من أخطر تأثيرات هذه الحضارة الجديدة، ذلك أنها تفصل ما بين الآباء المتعلقين تعلقاً قوياً بالرؤية الكونية للإسلام، وبين أطفالهم الذين لا يعرفون سوى القليل عن الإسلام، ولا يكنون احتراماً للتقاليد. وحيث إنّ العولمة هي عملية ديناميكية ذات طبيعة عادية، فإن من شأنها أن تذيب المبادئ الأساسية للثقافات التقليدية. إن هدفها الرئيسي هو إضعاف العقائد الدينية وطقوسها، وتدمير التقاليد الثقافية والعادات الاجتماعية، والنيل من القيم المعنوية، وبالتالي إفقاد المجتمعات الإسلامية القوية قوتها. إن الخطر الكائن في توجهات العولمة الجديدة هو أن عناصرها الغريبة الجديدة، سوف تفرض على الناس، من خلال وسائل بالغة القوة والذكاء والتطور في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتراوح ما بين الصناعة الترفيهية، والكومبيوتر، والإنترنت والأفلام وكاسيتات الفيديو وشبكات التلفزيون، والموسيقى، والموسيقى الصاخبة، وأفلام الكرتون، والإنتاج الواسع لبضائع الاستهلاك، والدعايات الإعلانية القوية وتقنيتها. لقد عددت هذه العناصر في البحث الذي وضعه الرباعي وأشرنا إليه من قبل. ويجب أن يوضح هنا، بأن العناصر المكونة لهذه الثقافة الجديدة، تمثل الرؤية الكونية للغرب، والتي تؤثر على نظرة الفرد للحياة، كما تتجسد في الملبس والمأكل والنظرة إلى الجنس، ونظرية الزواج والطلاق والمخدرات، والكحول والرغبات الجامحة لكل أشكال الملذات البدنية، مما يؤدي إلى السلوك اللاأخلاقي. وحيث إنّها مبنية على فلسفة المادية العلمانية، فإن الثقافة الجديدة لا تستطيع أن تتعايش مع، أو أن تتقبل، أية ثقافة أخرى يكون محورها الكوني الدين والإيمان بالله، خالق الأكوان، وبوجود حقائق ميتافيزيقية أبعد من هذا العالم المرئي. في الثقافة الجديدة، الإنسان وليس الله هو سيد الكون. لذا، فإن الإنسان لا يحتاج إلى ترشيد غير تفكيره العقلي المنطقي، كما أنه حُرّ بأن يفعل ما يشاء. هذا هو ما يسمونه بالحرية وحقوق الإنسان؛ أي أن يفعل ما يريد، وليس بالضرورة ما هو صحيح ونافع للمجتمعات البشرية بمجموعها. يستطيع المرء هنا أن يرى بسهولة سوء فهم الحرية نفسها –حرية الاختيار- وهي المصدر الحقيقي للسعادة، عندما تختلط مفاهيمها بحرية العمل دون أي إرشاد مناسب. فعندما تمارس الحرية بالشكل الصحيح، لابد وأن يؤدي الاختيار إلى الخير والسعادة، وليس إلى الشر والشقاوة. لا تتوصل الحرية عادة، في الثقافة الجديدة، إلى سعادة البشرية بمجموعها، بل إلى سعادة مؤقتة للقلة، وشقاء دائم للأغلبية. يتبين من ذلك بأن مثل هذه الحرية ليست حرية على الإطلاق، بل انعدام حرية الاختيار. وفي الحقيقة، فإن حرية شرب الكحول والتي تؤدي إلى الإدمان عليها، وحرية الشذوذ أو البغاء والذي قد يؤدي إلى أمراض جنسية، أو حرية ممارسة القمار الذي يؤدي عادة إلى خسارة رأس المال، أو حرية ممارسة الربا الذي يوصل عادة إلى الإفلاس، هذه جميعها ليست حرية على الإطلاق. ذلك أنه ليس هناك من أحد يود أن يكون سكّيراً ولا مصاباً بمرض الإيدز، ولا أن يسلب ماله، ولا أن تمسح من الوجود مدخرات حياته. لقد فشلت المجتمعات الغربية في التمييز بين الحرية والفسق والاستهتار. الحرية هي حق الاختيار بين الأشياء التي حللها الله، بينما الفجور هو ممارسة صلاحية ممارسة عمل أي شيء، سواء كان صحيحاً أو خاطئاً، جيداً أو سيئاً، عادلاً أو ظالماً. تؤثر هذه الأمور التي تُعزى إلى الحريات على أولئك الذين يقدمون على خيارات خاطئة نتيجة الجهل، أو غياب حرية الاختيار. وخلافاً لنظرية الإله في فلسفة أرسطو، فإن الإله في الإسلام هو خالق الأكوان وحافظها. إنه محيط بكل ناحية من نواحي هذا الخلق، وهو صاحب الإرادة الفاعلة في حياة وموت وإعادة إحياء جميع الأشياء بما في ذلك الحياة البشرية. وفي الحقيقة، فإن الله يحيي ويميت، ويعيد بعث العالم المادي في جميع الأحوال. إن هذا الإيمان الديني وممارسته هي التي تميز الثقافة الإسلامية، والتي تحاول ثقافة العولمة تدميرها بواسطة تكنولوجيا الاتصالات، وغيرها من أدوات التكنولوجيا المعقدة التي تستند إلى الفكر المادي في الحياة. لقد أشرنا فيما سبق من بحث إلى حقيقة أن منتجات الثقافة الغربية، تؤثر تأثيراً كبيراً على أسلوب حياة الناس ونظرتهم لثقافتهم. وفي الحقيقة، فإن انتشار طرق الوصول إلى المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، قد مكّنت الأمم الغربية من تصدير فلسفتها العلمانية وطرائق حياتها للبلدان الأخرى، وبالأخص للبلدان المسلمة. أفكار مثل الحداثة، والاستهلاك، والفردية، وحقوق الإنسان والليبرالية، قد وجدت طريقها إلى عقول الناس، بغض النظر عن خطأ تلك الأفكار والآثار السلبية التي تتركها على المجتمعات، التي تؤمن بالرؤية الكونية الإسلامية.
تأثير العولمة على العالم الإسلامي يكمن الخطر النابع من ثقافة العولمة في حقيقة أن مكوناتها الأساسية تستند إلى حق اختيار عمل ما هو مُضر بالحياة البشرية، إما بالعمل المتعمد أو بنتيجة الصدفة الناتجة عن المعرفة المناسبة والإرشاد الصادرين عن سلطة أعلى أي الله والقرآن الكريم والرسول صلّى الله عليه وسلم. فبدون الدين أو، الإرشاد الإلهي، يظل الإنسان عاجزاً عن ممارسة حرية إرادته الحقيقية. باختيار ما هو حق وجيد، ووفق النظرة الكونية الإسلامية، فإن المعرفة الحقيقية والمناسبة والهدى هي من عند الله. وكما جاء في القرآن الكريم: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. إن الثقافة الجديدة التي جاءت بها العولمة، ترفض دور الدين في تكوين الثقافات. إن هدفها هو خلق ثقافة علمانية، لا يكون للدين فيها ولخالق الأكوان والإنسان وإرشاده إلى ما هو خير له، أي دور. القرآن يقول بأن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ . وأنه لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، والْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً. لهذا السبب، فإن الثقافة الإسلامية، القائمة على تعاليم الدين لا يمكن أن تستبد بها ثقافة مشتقة من المادية العلمانية. ولما كان مصدر الثقافة الإسلامية هو دين عالمي، فإنها يجب أن تكون عالمية أيضاً. إنها تحترم وتعايش وتثري الثقافات الأخرى في إطار التوحيد. إن انتشار الإسلام في أفريقيا وآسيا وأوروبا، جعل من الممكن للناس التابعين لثقافات مختلفة، المشاركة في المعرفة والاستمتاع بالتعددية الثقافية والعيش كإخوة متحابين في إنسانيتهم المشتركة. وقد يكون صحيحاً بأن التعددية الثقافية ضرورية لضمان مستقبل الجنس البشري. إن حرية الاختيار في الإسلام هي التي تجسد منبع الثقافة؛ أي بمعنى لا إكراه لثقافة على ثقافات أخرى، كما هي الحال في الثقافة الجديدة للعولمة. وكما أوضح الرباعي: يجب على المسلمين حماية مؤسساتهم الثقافية (تقاليدهم)، وذلك ببذل الجهود للتقليل من آثار التوجهات العلمانية القريبة التي تتضمنها التكنولوجيا الحديثة. إن كمية كبيرة من المنشورات التي توضع على صفحات الإنترنت، هي مخالفة التعاليم الإسلامية. لقد ثبت بأن العولمة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية هي نتيجة للتقدم الذي أحرز في تكنولوجيا المعلومات، والتي تتقدم بسرعة متغلغلة بالمجتمعات إلى حد تعجز معه الدول النامية عن وسائل السيطرة عليها، أو على الأقل، تفادي انتقال آرائها الخطرة إلى مجتمعاتها. تتجاوز عادة مثل هذه المعلومات السلطات وتصل إلى الشعوب عبر وسائل شتى كالتلفاز والمذياع والفضائيات وأدوات إلكترونية أخرى في متناول لدى الشباب اليافع والكبار من غير المتعلمين. فباختراق الحواجز، والتوغل عميقاً في عقول الناس، يمكن لتكنولوجيا المعلومات تحسين الاتصال الإنساني، وكشف النقاب عن مآسي المضطهدين، وأولئك المحرومين من حقوق الإنسان الأساسية. ولكنها لن تساعد في تحسين الأوضاع الاجتماعية – الاقتصادية للفقراء. وعلى النقيض من ذلك، فقد أصبحت تكنولوجيا الاقتصاد الجديدة وسيلة لزيادة ثراء الأغنياء، وبشكل رئيسي الدول الصناعية. تجر هذه الفوارق المتزايدة في توزيع الثورة، أجندة العولمة الجديدة وتؤيدها الأمم الصناعية. ووفق برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 1999، فإن 20٪ من سكان العالم يسيطرون على 86٪ من الإنتاج العالمي الكلي، بينما ما زال بقية سكان العالم يعيشون في الفقر. تشكل الشعوب الإسلامية 22.5٪ من مجموع سكان العالم ولكنها لا تجني سوى 4.2٪ من الدخل العالمي. فإذا استمرت العولمة دون وضع قيود عليها، فإن مستقبل البلدان النامية، وبالأخص الإسلامية، سوف يشهد مزيداً من التردي. إن الخطر المتأتي عن العولمة الثقافية هو أن العولمة نفسها هي شكل آخر من أشكال الاستعمار، والذي يتخطى النواحي المادية للحياة إلى صميم الحياة نفسها؛ أي إلى العقل البشري والنفسية الإنسانية. إنها تخاطب الغرائز والرغبات الفيزيائية والمتع المادية الجارفة. إنها توجه خطابها لكل فرد في المجتمع سواء كان ذكراً أم أنثى، طفلاً أو يافعاً، متعلماً أو جاهلاً، بريئاً أو مجرماً، غنياً أو فقيراً. إن وسائل اتصالاتها القوية وأساليب عملها المتقدمة في نقل الأخبار وإشاعة الأفكار، عبر الحدود القومية والحواجز المادية، توفر وصولاً سهلاً ومباشراً إلى العقل البشري، على امتداد الآفاق الاجتماعية. ومما يجعلها محببة إلى الإنسان المعاصر هو توجهها الليبرالي للحياة، حيث لا توجد قيود على ما يستطيع المرء أن يفعل (الليبرالية)، ولا قيود على ما يستطيع أن يقول (حرية التعبير)، ولا قيود على ما يستطيع أن يستهلك (الاستهلاك)، ولا قيود على ما يستطيع أن يملك (الربا والقمار). وكسيد لمصيره، وككيان علماني، يتوجب أن يكون الإنسان حراً لوضع القوانين، وتغيير القيم، وتدمير العادات الاجتماعية، وخلق الثقافة، وتوظيف الطبيعة، وإعادة ترتيب النظام الطبيعي للكون، فقط من أجل إشباع رغباته وتلبية حاجات نفسه الحيوانية الأمّارة (النفس الأمارة بالسوء). ويجب أن يوضح هنا بأن رغبات الإنسان تختلف ما بين إنسان وآخر، ومن جيل إلى جيل، وقد لا يكون بالضرورة منسجماً مع رغبات الآخرين. وهنا يستطيع الإنسان أن يرى أهمية الدين كالمصدر والمفسر للثقافة. يزود الدين الإنسان بوسائل أفضل لاكتساب المعرفة الحقيقية (اليقين)، وأحسن السبل المؤدية إلى تطبيق المعرفة بالشكل المناسب. لقد سبق وبينّا في هذه الدراسة، بأن تطبيق الحكمة يؤدي دائماً إلى استتباب العدالة وهي الركن الحصين للمجتمع المنظم، حيث يسود السلام بحيث يسمح للتقدم والتطوير بأن يقعا لفائدة الجميع، بغض النظر عن الجنس أو الثروة أو الوضع الاجتماعي. وتتعارض الثقافة الجديدة تعارضاً جذرياً مع ذلك. العولمة الثقافية هي عملية تطوير، تستلهم المادية العلمانية (إنّ ما يهم هو هنا والآن.) إنها لا تعترف بحقيقة مطلقة ولا بحقيقة ميتافيزيقية. الدين والثقافة هما من صنع الإنسان. ومن هنا تأتي حرية الإنسان في تغييرها وفق إرادته، ويكون هذا التغيير دائماً إلى الأسوأ. وينظر إلى حرية الإنسان على أنها حقه في استخدام جسده وماله دون قيود أخلاقية أو حدود معنوية، وفق ما يفرضه دين الإسلام. وحيث إنه نتاج المادية العلمانية، فإن الثقافة الجديدة تدعو إلى العلمنة وتحديث الحياة. هذا ينطوي على تغيير مستمر وإعادة رسم القيم الاجتماعية والسلوك الإنساني. لذا، فإن الصفات الأساسية لهذه الثقافة الجديدة هي العلمنة والتحديث والمادية والفردية والاستهلاك. هذه العناصر قد تساعد في دعم التطور في البلدان الصناعية والاستهلاك. ولكن ليس في البلدان الفقيرة حيث تتجه العلمنة إلى تحرير العقل البشري من الإيمان بالله، ولكنها تفشل في أن تقدم له مصدراً بديلاً لإرواء تعطشه الروحي. مبادئ العولمة تلك لا تتفق مع العقيدة الإسلامية الجوهرية التي تؤمن بوحدة الإله، ورسالة نبيه محمد صلّى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم مصدراً للإرشاد الإلهي، والعدالة الاجتماعية والأخلاق والقيم المعنوية والسعادة النهائية. تدعو الثقافة الجديدة إلى الفردية والليبرالية دون ضمان حرية الإنسان باختيار ما هو صحيح وجيد له. أما بالنسبة للثقافة الاستهلاكية، فإنها تسيل لعاب الإنسان إلى المزيد من الاستهلاك دون أن توفر بضائع استهلاكية كافية في المجتمعات الفقيرة، حيث لا يتمكن الناس من تأمين احتياجاتهم الأساسية في الحياة إلا بصعوبة بالغة. وفي تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي تحت عنوان "المعلومات من أجل التنمية"، بيّن بشكل أكيد بأن التنمية الاجتماعية – الاقتصادية يجب أن تُبنى على أساس التعليم واكتساب المهارات، من أجل دفع عجلة النمو وزيادة إنتاجية الاقتصاد. اكتساب المعرفة (المعرفة الصحيحة في الإسلام) يجب أن يسبق بناء المصانع ونقل التكنولوجيا والتصنيع والإنتاج وتجميع البضائع ذات الديمومة وما إلى ذلك، والتي تعتبر عناصر البناء في العولمة؛ وفي الإسلام، يعني التعليم أكثر من تعليم الإنسان كيفية التغلب على الطبيعة وإنتاج وتكديس الثراء المادي، تعطى الأولوية في التعليم الإسلامي، لتطوير الوعي الإنساني من خلال التدريب الصارم للحواس الداخلية، لمساعدة الإنسان على اكتساب المعرفة الصحيحة لله ولفهم أفضل للفعل الإلهي كما يوضحه القرآن الكريم. العولمة والعالمية يجب أن يكون هنالك تمييز واضح بين العولمة والعالمية. فبينما يشير المفهوم الأخير إلى العالمية التي تميز الإسلام، يمثل المفهوم الأول الفلسفة المادية التي تجسدها المادية العلمانية الغربية. وكما هو موضح بحق في مقالة لعلي مزروعي التي سبق الإشارة إليها، فإن عالمية الإسلام قد تجسدت في عدد من فروض الدين مثل صوم رمضان، والصلاة باتجاه الكعبة، وفي الحج حيث يلتقي الجميع في مكان واحد، وفي تبليغ الدعوة دون إكراه. وفي الحقيقة، فإن النبي محمد صلّى الله عليه وسلم، بصفته أرسل رحمة للعالمين هو أعظم تجسيد لطبيعة الإسلام العالمية. لذا، لا يجوز الخلط بين العالمية والعولمة التي تمثل جهداً ينطوي على عملية صارمة هدفها التغيير الاجتماعي والتحول الثقافي، من أجل إعادة بناء المجتمع الإنساني على أسس خالية من العوامل الأخلاقية والتقليدية والدينية وممارساتها. إن الجهد الذي تتولاه العولمة يتجه إلى تلقين العقول وفرض التغييرات على المكونات الأساسية للأمم الناشئة. ومن هنا ترى الجهود المكثفة التي تبذلها الدول الكبرى لإرغام الشعوب الصغيرة على تغيير تشريعاتها وتحرير وتعديل قوانينها المحلية حتى تصبح منسجمة مع فلسفة العولمة الغربية. يمكن رؤية ذلك في عدد من قرارات الأمم المتحدة، أو في مؤسسات الأمم المتحدة لحقوق المرأة وحقوق الأطفال وما إلى ذلك. لقد فوضت هذه المؤسسات الدولية لتعمل كحارس على سلوك الأمم تجاه شعوبها. إنها تستطيع أن تنسب وأن تطبق عقوبات على أية أمة أو أي بلد يفشل في الاستجابة للمستوى الغربي في هذه المجالات. وكما ذكر سابقاً، فإن أحد العناصر الكافية في العولمة الثقافية هي الحرية والليبرالية في النشاطات الإنسانية: حرية الكلام، حرية التعبير، حرية الاعتقاد، حرية الاجتماع وحرية الحركة وحرية التملك وحرية الصحافة وحرية التصويت أو الانتخاب بحيث يتم تداول الحكم دون قيود. في مثل هذه الفلسفة، فإن التغيير يعني التقدم والتطوير. ومع أن الإسلام، والنظرة الكونية للإسلام، ليسا ضد التغيير من أجل الأفضل، ولكن مثل هذه التغييرات يجب أن تلبي عدداً من الشروط وفي مقدمتها التطابق مع مبدأ التوحيد وحرية الاختيار. إن حرية الاختيار في الإسلام مسألة جوهرية، حيث يقول القرآن لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة: 256). بيد أن حرية الاختيار مشروطة بمبدأين أساسيين اثنين: (أ) القدرة على ممارسة حرية الاختيار. و(ب) اكتساب المعرفة الصحيحة وأولويات الأشياء وتنظيمها في نظام الكون. هذا يعني معرفة كيفية الاختيار، وأن تكون حراً من أي ضغط أو إكراه أو تهديد أو تأثير غير مشروع. وهذا يتطلب إرشادا قوياً في التعليم والتأديب، والذي يعني التعليم الجيد الذي يقود إلى تكوين الشخصية السليمة وهو أساس دين الإسلام. وكما جاء في الحديث الشريف: "الدين هو حسن الخلق". أقول بكل أمانة بأن الإسلام لا يستطيع أن يقبل الفلسفة المادية العلمانية المضللة، والتي فرضت على الشعوب الصغيرة وبالأخص المسلمين، والذين سبق وأن كونوا تقاليد ثقافية راسخة ونظماً اجتماعية تستند على مبدأ التوحيد، وعلى القيم الروحية وأخوة الإنسان للإنسان على امتداد العالم، قبل زمن طويل من قدوم الحضارة الغربية. لا يستطيع المسلمون ولا يجب أن يتجاوبوا مع ثقافة العولمة، ثقافة تساهل مع الإباحة الجنسية مثل الشذوذ وممارسة الجنس قبل الزواج وخارجه، والثقافة المتعصبة والتمييز الاجتماعي والتطهير العنصري والاستغلال الاقتصادي، وجميع هذه الممارسات تشكل خطراً كبيراً على بقاء الجنس البشري. توصيات بإجراءات لمجابهة تحدي العولمة 1. مناقشات عامة، وندوات ومؤتمرات يتوجب عقدها بشكل منتظم لبحث وتوضيح وفضح الآثار السلبية للعولمة على المجتمع المسلم، بغية إزالتها أو التخفيف من أضرارها. 2. لا يمكن وقف نمو سلطة تكنولوجيا المعلومات، لذا يتوجب أن تفعل أحد أمرين اثنين لحماية الإسلام من الأضرار الناتجة عن سوء استخدامها: أن تخلق في عقل المسلم الاجتماعي نظرة كونية تستطيع مقاومة الآثار السيئة المحتملة الناتجة عن تكنولوجيا المعلومات، وأن تتعلم كيفية الاستخدام الفعال لتكنولوجيا المعلومات، من أجل ضمان عدم استخدامها استخداماً سيئاً. 3. يجب بلورة الرؤية الكونية للإسلام بشكل مناسب، وجعلها مادة دراسة إلزامية في مناهج التعليم المدرسية على امتداد العالم الإسلامي. ومن خلال عملية نشر هذه الرؤية الكونية، يجب التأكيد على وجود نشر اللغة العربية لغة القرآن الكريم بشكل أكثر فاعلية. 4. حسن الخلق مستلهماً من سيرة الرسول محمد صلّى الله عليه وسلم يجب أن يدرس في مدارسنا وفي مؤسسات التعليم العالي. 5. يجب أن تبذل الأمة الإسلامية جهوداً مشتركة لتطوير قنوات أفضل للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حتى تقدم للجماهير الإسلامية معلومات صحيحة ومهذبة حول الحياة العصرية وحول أصول السلوك الاجتماعي القويم في المجتمعات المسلمة. 6. يجب شن حملات قوية من قبل الأمة ضد النظرة الكونية الغربية، بغية كشف النقاب عن المساوئ الاجتماعية الكامنة في القيم الغربية من حيث الفردية والمادية وثقافة الاستهلاك. ويمكن شن مثل هذه الحملات في الصحف المحلية والراديو والتلفزيون والإنترنت. الخاتمة: في الختام، أود أن أبين بأن العولمة وآثارها على المجتمعات الإنسانية ما زالت في حاجة إلى التقييم الصحيح. هذه الدراسة هي محاولة متواضعة لإبراز بعض نواحي هذه المرحلة الجديدة من الاستعمار، والذي سيطر، وما زال يسيطر على تاريخ العالم الحديث على امتداد القرنين الماضيين. لقد ذكر في هذه الورقة مراراً بأن العولمة والاستعمار وجهان لعملة واحدة. الجديد في العولمة هو الاستخدام القوي والذكي والفعال لتكنولوجيا المعلومات، من أجل السيطرة على عقول الناس، وتغيير معايير قيمهم، وتدمير ثقافتهم وتحويل حياتهم الاجتماعية – الاقتصادية إلى مادية علمانية، واستخدام أقوى أساليب الدعاية والتأثير التي عرفها العالم. هذا الأسلوب في غسل الأدمغة يتم من خلال وسائل الإعلام، والتلفزيون والسينما والموسيقى الصاخبة وأنماط الحياة. لقد نجحوا نجاحاً كبيراً في البلدان النامية وفي الشعوب الإسلامية في استخدام أدوات النفوذ القوية تلك، لصياغة وتحوير عقول الناشئة بحيث يتشوقون ويمتدحون ويشاركون في تلك الثقافة الغربية الفاسقة.
+ نوشته شده در جمعه دهم آذر ۱۳۸۵ ساعت توسط جهانی شدن - عولمة - Globalization
|
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ××××××××××××××××× اين وبلاگ به ارائه مقالات و كتب و اخبار مرتبط با حوزه جهاني شدن و جهان اسلام مي پردازد. مجموعه مقالات اين وبلاگ از گرايش هاي مختلفي انتخاب شده اند و بيان آنها لزوما به معناي پذيرش محتواي شان نمي باشد. اهداف وبلاگ علمي و معرفي مجموعه اطلاعات مفيد در زمينه جهاني شدن به دانشگاهيان محترم است كه پيش از آن به صورت پراكنده در اينترنت موجود بوده است.