لايفستايل
التاريخ: الجمعة, 02 سبتمبر, 2005

مقاربة نقدية لمشاريع غربية متصلة بالعالم العربي في كتابه "في مواجهة الأمركة"

نرمين ابو خليل

اصدر الدكتور محمد أحمد النابلسي كتابه "في مواجهة الأمركة" الصادر لدى منشورات "دار الفكر"، دمشق، 2004. معه هذا الحوار.

 

عنوان الكتاب يتضمن موقف المواجهة فهل تعتبر أن الممانعة لم تعد كافية لتجاوز أضرار الأمركة الكلية واستبدالها بأمركة انتقائية؟

- المواجهة انطلقت من مؤتمر العولمة في أوتاوا في كندا العام 1994، وهو خرج بجملة مقررات لمواجهة تحول العولمة الى امركة. وهو التيار الذي تبنّته فرنسا الراعية الأساسية لذلك المؤتمر. وعليه، فإنّ الاصرار الأميركي على فرض نمط السوق الأميركية من دون مراعاة لخصوصيات اقتصاديات وأنماط حياة الدول الأخرى، هو الذي أطلق المواجهة. لقد تحولت أميركا بوش وبمناسبة 11 ايلول أو من دونها من التهديد بالقوة الى الاستعمال الفعلي للقوة. وكأنها تخشى أن تفقد قوتها امكانات التوظيف فهي وتحت شعار النظام العالمي الجديد ترجمت تفردها كقطب اوحد باصطناع حرب العراق الأولى أو الخليج الثانية، بما يذكرنا باصطناعها قائمة من الحروب السابقة. وبعده طرح الاميركيون مصطلح العولمة بدلالته الاقتصادية (عولمة اقتصاد السوق الأميركية) بدعم نموذج "النمور الآسيوية" كمثال على الأرباح التي تجنيها الدول النامية إن هي انخرطت في نظام السوق. وهكذا هرولت دول كثيرة نحو العولمة لتكتشف لاحقاً عبثيتها والخسارة الناجمة عنها، ولكن بعد فوات الأوان. ثم جاءت حجة الدفاع عن القيم الغربية المتجلية في حرب كوسوفو حيث لم تكن اعتراضات ميلوسوفيتش على شروط السلام الأميركية سوى اعتراضات شكلية. لكن الوسيط الأميركي ترجمها رفضاً، بما يعكس نية اميركية مبيتة لاصطناع حرب جديدة.

ما المكاسب الأميركية من تعديل ميثاق الأطلسي وما فوائد هذا التعديل في دعم سيرورة الأمركة؟

- تعديل حلف الأطلسي من حلف دفاعي الى حلف يمتلك حق التدخل في المناطق التي توجد فيها مصالح لدول الحلف، أي أن نفوذه امتد الى خارج دولة. هذا التعديل انتزع من الامم المتحدة دور تقرير السماح اوعدمه بالتدخلات العسكرية في مناطق محددة في العالم (حددها اتفاق التعديل وضمّ الشرق الأوسط وشمال افريقيا والقوفاز)، بحيث باتت الولايات المتحدة طليقة اليد في تلك المناطق بمجرد اعلانها عن وجود مصالح لها فيها. وابتلع الأوروبيون الطعم بفضل دبلوماسية كلينتون ومرونته، اذ منحهم ضمناً حق التدخل في شمال افريقيا وهي منطقة شديدة الحساسية بالنسبة اليها.

في رأيك كيف تتم مواجهة هذه القسوة الأميركية؟

- يقدم الكتاب جملة اقتراحات فكرية ـــ نظرية لمواجهة الأمركة مستنداً الى مراجعة نقدية ـــ فكرية لمشاريع الأمركة. فهذه المواجهة تقتضي وجوب التعرف الدقيق الى تفاصيل هذه المشاريع وخلفياتها وطموحاتها وأدواتها. فمن الضروري أن نضع بين يدي القارئ العربي نصوص هذه المشاريع مترجمة الى العربية. اذ لا يجوز أن يسمع هذا القارئ بمشاريع مثل: تغيير الخريطة العربية وبمشروع الشراكة الأميركية مع الشرق الأوسط (مبادرة باول) ومشروع الحرب الاستباقية التي أرساها بول وولفويتز وتبناها بوش لتصبح "مبدأ بوش" وكذلك فرضية "الحرب الافتراضية" غير المعروفة على نطاق واسع لكنها كانت فاعلة في حرب العراق. بل ان تلك الحرب كانت اول تطبيقات هذه الفرضية التي ينتمي منظروها الى مؤسسة راند حيث يزاملون فيها وولفويتز وكيسينجر وغيرهما. كذلك لا يجوز أن توضع هذه النصوص بين يدي القارئ العربي من دون قراءة نقدية لها. ومثلها كتب تلعب دوراً مهماً في القرار الأميركي وفي تحرك المخابرات الأميركية في بلادنا. ومن تلك الكتب "نهاية التاريخ" و"نهاية الانسان" لفوكوياما وكتاب ساوندرز "المخابرات في سوق الثقافة من يدفع للمزمرين" الذي يشرح كيف تصنع المخابرات قادة المجتمع في الدول النامية وفي بلادنا تحديداً.

هل تعتقد بقدرة المواجهة المحدودة الامكانات على مواجهة قوة بمثل هذه الضراوة؟

- ان مواجهة الأمركة بطبعتها البوشية لا تقتصر على إشعال بعض النيران في وجهها (مقاومة شعبية) بل عليها التبصر باحتمال قيام قطب مواجه لأميركا وتبين ملامح هذا القطب المستقبلي. أرى ان الصين هو المرشح الوحيد لهذا الدور، مما اقتضى التعريف بسيكولوجية السياسة الصينية وبسلوكها تجاه أزمات السفارة في بلغراد والطائرة الصينية... ويتوقف ازاء احتمالات بروز الصين وعلاقته بالأزمات الاميركية المعلنة والمتسربة. علماً ان خطورة هذه الأزمات تبلغ حدود الحديث عن قدوم الأمم المتحدة الى الحلف الأطلسي مروراً بالرأي العام العالمي والتكتلات وصولا الى أصدقاء أميركا السابقين.

هل يعني ذلك ان تطرف صقور بوش هو الذي حول الأمركة من قوة كلينتون اللينة الى المباشرة في استخدام القوة وتالياً الى تحويل مواجهة الأمركة الى معركة؟

- أظهرت أميركا بوش جملة انفجارات هوسية، فوزعت عدوانيتها في جميع الاتجاهات مطلقة شعار الأمركة، بدلالة الأفضلية العالمية لخدمة المصالح الأميركية على أي اعتبار آخر. وقد مورست العدوانية الأميركية على الاصدقاء مثل فرنسا والمانيا واسبانيا والبرتغال وبريطانيا الحليفة وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي. اضافة للأصدقاء العرب المزمنين مثل السعودية والى روسيا وغيرها. حتى أمكن القول ان بوش أفقد أميركا أصدقاءها عبر مغامرة لإنقاذ مصالحها.

هل هذا تصريح بضرورة مواجهة القوة بالقوة؟

- الأمركة بالمعنى المعتمد لدى إدارة بوش هي فعل اعتداء ناجز ومخالفة صريحة للشرعية الدولية وللأحلاف. وهي بالتالي جريمة. فمن هو المستفيد من هذه الجريمة؟ المواطن الأميركي اكتشف فجأة أنه غير آمن (بعد 11 أيلول ). وهو يعيش أزمة اقتصادية تهدد مدخراته ورخاءه وتعويضات تقاعده وتهديدات عجز في موازنة بلاده بلغ حدود الـ 455 مليار دولار. وبالتالي فإن هذا المواطن غير مستفيد! فمن هو المستفيد إذاً؟ انها الشركات الأميركية الكبرى المفلسة منذ نهاية التسعينات، والتي منذ ذلك التاريخ تحتال على مستثمريها لتغطية إفلاسها عقب زلزال البورصات المصاحب لحوادث 11 أيلول. اذ لم يعد من الممكن التكتم على هذه الإفلاسات فتم اعلانها بصورة تدريجية مدروسة. وأصبح انقاذها وإنقاذ السوق الأميركية يقتضيان جولات من السطو على ثروات الآخرين. وكان النفط العراقي، والعربي بعده، أسهل عمليات السطو واسرعها فكانت الحرب العراقية، وهي غير كافية لإنقاذ السوق بما يستدعي اتباعها بجملة عمليات سطو لاحقة في المنطقة (قد لا تكون عسكرية بالضرورة). ومن هنا توزيع التهديدات الأميركية على دول المنطقة بلا استثناء. ومن هنا رؤيتنا لشرعية المقاومة العراقية. وكذلك خشيتنا من الفوضى الأميركية المصطنعة في لبنان.

لكن مشروع بوش وادارته تحولا مشروعاً انقاذياً لمناسبة حوادث 11 أيلول وذيولها من حروب على الإرهاب. وبذلك أصبحت انتقاداتك للمشروع وتحفظاتك عنه قابلة للتجاهل في ظل شعبية المشروع لدى الرأي العام الأميركي وتفويضه لبوش مع انتخابه لولاية ثانية؟

- أخيراً شهدنا عودة التحفظات الخارجية والأميركية الداخلية على هذا المشروع بعد فشله في اثبات فعاليته وبعد انفجار المشاكل المترتبة على ثغراته وتسرعه في الحرب العراقية، وعجزه عن الخروج من المستنقع العراقي. أضف الى ذلك ما يعرضه الكتاب لمصادمات الأمركة مع الخصوصيات الثقافية. اذ تسجل هذه الاخيرة انتصارات مؤجلة. فهي تحتوي الامركة، والنفوذ الأميركي عامة، في فرنسا وروسيا والمانيا والصين وكوريا وسورية وافغانستان والعراق وايران وفلسطين. وهذا الإحتواء لا يعجل المواجهة لإدراكه فارق تفوق القوة الأميركي الحالي. لذلك فإن هذا الاحتواء يأمل بابتلاع الوحش الأميركي مع الوقت. اذ لا مكان للمتعجلين قبل انفجار كوارث الاقتصاد الأميركي التي باتت برأيي أقرب من التصور.