العولمة الثقافية هي الصيغة الأكثر ألفة وحميمية.. وخطرا

الكل يلقي شماعته عليها

دمشق: سعيد زكريا
مثلما شهدت السنوات السابقة رواجاً لمصطلح العولمة، شهدت كذلك ابتذالاً له، حتى أصبح شعاراً صالحاً لجميع الأغراض في زحمة النقاشات العامة والبحثية الأكاديمية، فأرجع رسميو الحكومات ويلات بلادهم الاقتصادية من افلاسات وانهيارات ومجاعات إلى عدوان العولمة، وصار رجال الأعمال يسوغون تقليص أحجام شركاتهم أو اندماج عدة شركات على انه من ضرورات الاستعداد للدخول إلى نادي العولمة، واصبح أنصار البيئة يتذمرون من التأثير المدمر للعولمة المنفلتة من عقالها، وغدا مؤيدو الشعوب الأصلية يُحمِّلون العولمة مسؤولية مخاطر زوال الثقافات الصغيرة!! يرمي هذا الكتاب/ الدليل إلى تسليط الضوء على مدى تعقيد ظاهرة العولمة وأهميتها، وإشكالياتها المثيرة للجدل، ويهدف إلى وصف وشرح مسيرتها وطبيعة النتائج المترتبة عليها، ومناقشة جوانبها المتعددة. العولمة ليست ظاهرة اقتصادية، أو مسخاً من صنع الإمبريالية الغربية، بل هي ظاهرة ذات أبعاد سياسية وثقافية. والأكثر دلالة على تعقيدها تنوع تفسيراتها للتحولات الجارية في العالم، والأبحاث على كثرتها تسوق وجهات نظر متباينة حول جملة أبعاد العولمة ومنابعها ونتائجها، ويبقى تفسيرها عملاً قيد الإنجاز، وهي اليوم تتراوح بين نظرية الليبرالية الجديدة (المؤسساتية الليبرالية الجديدة)، ونظرية الدولة العالمية (الكيان السياسي العالمي)، ونظرية الثقافة العالمية. وربما كانت نظرية النظام العالمي المستلهمة من الماركسية هي الأكثر حضوراً، والتي تنظر إلى العولمة على انها امتداد للنظام الرأسمالي الشامل للعالم. في عام 1848 كتب ماركس وانجلز «عبر التحسين السريع لجميع أدوات الإنتاج، عبر وسائل الاتصالات المسهلة بصورة هائلة، تقوم البرجوازية بجر الجميع، بمن في ذلك حتى الأمم الأكثر بربرية، إلى حلبة الحضارة... تقوم، باختصار، بخلق عالم على صورتها هي». يقدم أرك هوبزباوم الأدلة التاريخية على توحيد الكرة الأرضية أواسط القرن التاسع عشر، فشبكات الاتصالات والمبادلات الاقتصادية كانت دائبة على التكثف، مع اقتصاد عالمي موجه بفلسفة ليبرالية غربية ذات تطلعات كوكبية. ويضع ايمانويل فالرشتاين جملة هذه البينات التاريخية في سياقها المناسب، فيرى فيها واحدة من مراحل عملية ذات عمر يحسب بالقرون. لقد نشأ النظام الرأسمالي العالمي في القرن السادس عشر حين أقدم التجار الأوروبيون على إقامة روابط وثيقة مع كل من آسيا وأفريقيا والأمريكتين. ومن البداية كان هذا النظام قائماً على اقتصاد واحد وعلى سوق، وبشكل محدد على تقسيم العمل الإقليمي. ويؤكد سكلير دور الشركات العابرة للحدود القومية بوصفها القوى المحركة الرئيسية.

تشهد القراءات المختلفة للعولمة على عدم وجود إجماع حول محاسنها ومساوئها، أو فوائدها ومضارها، تشير إلى ظاهرة خلافية عالمية بامتياز. فإذا كان المتفائلون يبشرون بسيناريو وردي تتعاون في صياغته بلدان العالم سلمياً في سوق عالمية واحدة، تسعى إلى تحقيق مصالحها مع تقاسم جملة الالتزامات بالقيم الإنسانية الأساسية، من خلال ما سوف تنطوي عليه لبرلة العالم من ازدهار وإشاعة للديمقراطية من شأنها تبادل التبعية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي وخلق مصالح مشتركة تساعد على الحيلولة دون وقوع صراعات مدمرة، تساهم في رعاية القيم المشتركة وترسيخها، وتحقق التضامن الذي سيجلب الثروة من جراء نشر السياسات القائمة على السوق ودعم الكيانات السياسية الديمقراطية والحقوق الفردية، مما يعد برفع مستوى ملايين البشر.

يواجه هذا السيناريو الوردي، سيناريو أسود، يرى في العولمة طاغوتاً يتجسد في رأسمالية سائبة بلا قيود ولا حدود، تدفع العالم إلى الخضوع لحكم شركات عالمية لا هم لها سوى الربح، يلعب فيها تبادل التبعية الاقتصادية دوراً يجعل البلدان أكثر هشاشة أمام التأثير المدمر لتقلبات السوق، وتعريض النسيج الاجتماعي بين البشر في سائر أنحاء الكرة الأرضية للتوتر بتضييق واختزال قدرة الدول المنفردة على تقرير مصائرها، عدا عن اختلال صيرورة العولمة بفرضها معايير ومبادئ سياسية وثقافية غربية على سائر المناطق الأخرى، وتطمس الفروق الثقافية بدلاً من إنعاش التمايزات الثقافية التقليدية.

وإذا كان هناك من يؤكد على جملة المنافع الاقتصادية والمعنوية المتدفقة من التبعية الاقتصادية المتبادلة في السوق العالمية الحرة، فإن الرد مشحون بالرعب لأن من شأن التوسع الطليق للسوق أن ينطوي على خطر تمزيق النسيج الاجتماعي ونسف القيم الإنسانية لدى المجتمعات، وهذا الشكل لا بد من مقاومته. ويشكك بنيامين باربر أحد أساتذة العلوم الاجتماعية الأمريكيين بفوائد العولمة الاقتصادية من خلال نموذج «عالم ماكدونالد» المتزايد التماثل والتجانس، وهو عالم تطغى عليه الثقافة الشعبية المستلهمة من أمريكا، ويستثير مقاومة التقاليد القومية والدينية المحلية الأصلية، بما يفضي إلى سلسلة من الحركات والتحركات المضادة، لن تكون سوى تعبير عن حقيقة أن العالم، حسب هنتنغتون، بات اليوم مقسوماً بين عدد من الحضارات القائمة على وجهات نظر عالمية غير قابلة للتوافق فيما بينها، فهذه الحضارات لن تقبل الذوبان في مجتمع عالمي واحد، وقد تخوض حروباً ضارية ستفضي إلى تقليص لنفوذ الغرب. بينما يبادر نصير البيئة الأمريكي جوشوا كارلاينر واللاهوتي الألماني هانس كونغ إلى التبشير بحل كوني أكثر توحيداً لجملة المشكلات التي أوجدتها العولمة، ويحلمان بمجتمع عالمي يكون في خدمة المصالح الإنسانية المشتركة، سواء بالقول اان جماعات المحرومين تستطيع أن تلجم الشركات المدمرة، كذلك باقتراح نظام أخلاقي عالمي يقوم على مبادئ قابلة لأن يتقاسمها جميع البشر بوصفه قيداً يكبح الدول والأسواق ويصبح أساساً لمجتمع مدني عالمي، يؤدي إلى خلق عالم موجه لكنه عادل.

تبقى العولمة حقيقة بالنسبة إلى الجميع، سواء الذين يعونها، أو الذين لا تشكل في نظرهم سوى مسألة هامشية، لكنها ذات شأن بمقدار ما تقوم بإعادة صياغة الحيوات اليومية لملايين البشر، ولا تتأتى مفاعيل العولمة إلا بمعايشتها واختبارها. وترينا التجربة وحدها ولدى شعوب مختلفة مقدار ذلك التكيف الخلاق مع سيرورة كوكبية، وخلائط جديدة من الأطر الثقافية، والأمل بانبثاق وعي كوكبي بديل. وقد اكتشف بيكو آير في أسفاره إلى آسيا أن الغرب لا يكتفي بالدخول إلى الشرق كثقافة غازية فقط، فجزيرة بالي تكيفت مع صناعة سياحية كوكبية مع الحفاظ في الوقت نفسه على تقاليدها «الغريبة ـ المثيرة»، محققة نوعاً من التعايش بين السياحة والفردوس، والكليشيه والثقافة المميزة. وفي مانيلا نجد أن الثقافة الأمريكية قد عُدلت وأصبحت محلية، عبر سلسلة من عمليات إعادة إنتاج الأغاني الشعبية. أما مارتن آلبرو فيدرس حيوات جماعات مختلفة في لندن، مبيناً أن المكان لم يعد مرتبطاً بأي إحساس بالانتماء عبر الثقافة المحلية بالنسبة إلى كثيرين، بل إن جماعات كثيرة، ولا سيما جماعات المهاجرين وأولادهم، تمد علاقاتها وولاءاتها إلى ما وراء الحدود القومية، وصولاً إلى جذورها وأصولها، وهكذا فإن المدينة الكوكبية تؤوي أطرافاً كوكبية عديدة، كما ان إحدى طرق ممارسة العولمة للتأثير على نحو ملموس، عبر إحداث التغييرات في نمط الطعام والذوق، فسكان هونغ كونغ يجدون متعة كبيرة في تناول منتجات المطبخ الكانتوني، ويقبل أولادهم بحماسة على استهلاك سندويشات البيغ ماك والبيتزا والكوكا كولا، مثلما منذ زمن غير بعيد كان ركاب قطارات البولمان من الدرجة الأولى البريطانية يستطيعون الاستمتاع بتناول أطباق من الهند والشرق الأوسط والصين واليونان... كذلك المطبخ التايلاندي يتنافس بنجاح في عدد من المراكز الحضرية في جنوب أمريكا، كما يتضح في إقبال الأوروبيين على استهلاك مادتي البطاطا والسكر المجلوبتين من العالم الجديد.

هل ثمة وجه مخيف للعولمة الاقتصادية؟ المتشككون يوجهون الأنظار على ما آلت إليه المعجزة الآسيوية في عام 1997، وما تمخض عنها، حصل الكساد الياباني، وباتت آفاق نمو بعض البلدان مظلمة مثل تايلاند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا... تعثر المصارف والشركات في تسديد ديونها، فرار المال الأجنبي، عدم قدرة معدلات الفوائد العالية على منع انزلاق العملات المحلية إلى الهاوية، تفاقم مشكلات القروض، تعرض أسواق المال الغربية إلى ضغوط قاسية مع تضاؤل أحلام الربح. كما ساهمت العدوى الآسيوية في فقدان الثقة بجهود الإصلاح الاقتصادي الروسية المتعثرة، وانهار الروبل، وتوقفت روسيا عن سداد ديونها وانتشر البؤس في طول البلاد وعرضها، ولم تكن أمريكا اللاتينية، هي الأخرى، محصنة، فأكبر اقتصاداتها، البرازيل، أصبحت بؤرة جهود دولية مكثفة للحيلولة دون وصول العدوى. ومع تدهور الطلب الآسيوي، تهاوت أسعار السلع في أسواق العالم، مما ضاعف صعوبات البلدان المصدرة للمواد الخام. بينما يعترض المدافعون عن العولمة، ويحيلون الجذور الحقيقية للمصاعب الاقتصادية في آسيا وروسيا والبرازيل، إلى سلسلة القرارات الداخلية الخاطئة، واستغلال هذه الأخطاء وتضخيمها في الأسواق الدولية. وعلى الرغم من أن التحليلات الاقتصادية تنكر المخاوف التقليدية كتدهور الأجور والبطالة، بدعوى أن العولمة لا تشكل خطراً على العمال في البلدان الغربية، بدليل النسخة الأمريكية للعولمة التي نجد فيها أن فرص الاستخدام اتسعت ومعدلات البطالة تقلصت مع ازدياد اندماج البلاد كوكبياً. على ان خبير منظمة العفو الدولية، يؤكد بأن العمال في أماكن عديدة يتعرضون لمنافسة لا تعرف معنى الرحمة ولأشكال من المعاملة السيئة، تحديداً في وقت تكون فيه حكوماتهم أقل استعداداً لتحسين أحوالهم عبر اعتماد برامج اجتماعية، ومن ثم فإن النشطاء المهتمين بحماية مصالح العمال يجدون أنفسهم مكلفين بمهمة متمثلة بإيجاد نوع من التضامن العابر للحدود القومية.

هل نحن بصدد عولمة سياسية، تبدو فيها الدولة القومية وكأنها إلى زوال؟ ينبه المراقبون إلى حصول قدر كبير من التسرع في إعلان موت الدولة قبل الأوان، وإذا كانت المشكلات قد أصبحت أكثر كوكبية وأوسع نطاقاً، فإن الدول هي الأخرى، صارت أكبر وأقدر من أي وقت مضى، تضع يدها على حصة أكبر من الناتج القومي الإجمالي بشكل رسوم وضرائب، ولديها أجهزة بيروقراطية أكبر وأفضل تدريباً، كما انها أصبحت شديدة الفعالية والنجاح على صعيد تشغيل أنظمة رعاية صحية قومية، وصناديق تقاعد، وخدمات بريدية وشبكات نقل بري وجوي. كذلك بات مبدأ سيادة الدولة سمة مركزية من سمات المجتمع الكوكبي، واكتسب أنموذج الدولة السيادية مكانة بوصفه النموذج الأكثر تمتعاً بالقبول والقدرة على الحياة، بل واتصافاً بالمشروعية في هيكلة الحياة السياسية. كما وتضطلع الدولة بالمسؤولية عن طيف واسع من الفعاليات، بما فيها التعليم والرعاية الصحية وإدارة الاقتصاد والمالية وبرامج الرخاء والمعاشات التقاعدية وحماية البيئة والتخفيف من وطأة الفقر، جنباً إلى جنب مع اهتمامات الدولة المركزية التقليدية المتمثلة بقضايا السياسة الخارجية والدفاع العسكري.

وثمة بعد آخر للعولمة، وهو ظهور سلسلة من المنظمات الحكومية البينية، تشكل روابط دول تم إيجادها لمعالجة قضايا وإدارة شؤون تؤثر في بلدان عديدة دفعة واحدة، وتنطوي على مستويات عالية من التبعية بين البلدان، يصل تعدادها إلى 300 منظمة، مع أكثر من ألف منظمة إقليمية وفرعية، ينصب اهتمام الأكثرية على الأمور الاقتصادية والتقنية والسياسية، ولعل الأبرز والأشهر هي الأمم المتحدة وما يتبعها من وكالات، تؤسس لمنبر سياسي عالمي ومركزي تتابع الدول من خلاله علاقاتها الدولية. وبعض هذه المنظمات البينية الدولية غير الحكومية، هي روابط طوعية لأفراد وجمعيات تتضافر جهودها في سبيل أغراض محددة على صعيد عالمي، كمنظمات حقوق الإنسان والهيئات البيئية ومنظمات الإغاثة... تعد أمثلة على منظمات حركية اجتماعية كوكبية ناشطة لتحسين الأحوال في العالم، مجندة أعضاءها من جميع القارات، للنضال في سبيل حق المرأة في المساواة والديمقراطية والانتخابات الحرة وحقوق الأقوام الأصلية (السكان الأصليين) وفي سبيل ممارسة عمالة أفضل.

على أن العولمة الثقافية هي الصيغة الأكثر ألفة وحميمية وخطراً، فما من أحد إلا ويعرف أيقونات الثقافة الشعبية من أمثال الكوكا كولا وسراويل الجينز الأزرق وموسيقى الروك وأقواس ماكدونالد الذهبية. ويمكن إدراك التماثل الظاهر الذي يحدثه انتشار مثل هذه الأغراض والأصناف الشعبية. أضف إلى القائمة، أفلام هوليوود والتفلسف الفرنسي وفنون اليابان التنظيمية التي جرى تبنيها على نطاق واسع من قبل شركات أمريكية وأوروبية، فيسهل الاعتقاد بأن العولمة الثقافية تضطلع بدور بوتقة كونية لن تلبث أن تذيب جميع التباينات الثقافية لتصبها في قالب بليد لا لون له. وقد ندعو هذه العملية بالأمركة أو الغربنة، ونلصق بها وصمة الإمبريالية الثقافية. غير أن المهم حالياً هو أن القوى المحركة الكامنة وراء عملية إضفاء صفة التجانس هذه، تبقى متمثلة بوسائل الإعلام الجماهيرية عبر خضوعها لتحكم شركات أمريكية وأوروبية في المقام الأول، تقوم بفرض صورها القوية وأصواتها النافذة وإعلاناتها المؤثرة على شعوب غير محصنة تستجيب بإذعان لرسائلها المصمَّمة لزيادة أرباحها. كما ينبغي الإشارة إلى دور العولمة الثقافية في بناء الهويات، كذلك دور العولمة في تغير المجتمع العالمي وعولمة المشكلات الاجتماعية.

لا شك في أن الكتاب/ الدليل «العولمة الطوفان أو الإنقاذ؟» يشكل مرجعاً ممتازاً يُمكِّن القارئ من الإحاطة بجملة القضايا التي تنطوي عليها عملية العولمة، من خلال جهد متميز شارك فيه نخبة من العقول المبدعة والخلاقة من الباحثين والدارسين الأكاديميين في ميدان العلوم الاجتماعية، يسعون لاستكشاف معالم حقبة جديدة، هي هاجس عام بات يهم جمهوراً عريضاً من جميع بلدان العالم