لقاء مع سماحة آية الله الدكتور الشيخ فاضل المالكي

إعداد حيدر السلامي ـ احمد علي زاده

 

العلامة الدكتور الشيخ فاضل المالكي حفظه الله في سطور

هو الشيخ فاضل بن الحاج جواد بن الحاج علي بن الحاج جاسم بن مهنا بن قاطع بن جاسم بن الشيخ محمد شقيق الشيخ خضر جد الأسرة العلمية في النجف الأشرف آل الخضري وآل كاشف الغطاء وآل الشيخ راضي... وينتهي نسبه إلى مالك الأشتر النخعي.

ولد في الليلة الرابعة من شهر شعبان سنة 1373 هـ.ق. ليلة ميلاد أبي الفضل العباس سلام الله عليه في قضاء الهندية العراق.

التحق بالدراسة الحوزوية في النجف الأشرف عام 1969 م. ثم التحق بكلية الفقه في النجف الأشرف وكذلك كلية القانون والسياسة التابعتين لجامعة بغداد، وتخرج من الكليتين معا عام 1976 م. حائزا على شهادة البكالوريوس باللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الفقه، والليسانس في علم القانون (الحقوق). ونال شهادة D.E.A في الفلسفة عام 1982م. من جامعة السوربون بفرنسا.

وحضر البحوث الخارج عند الآيات العظام السيد الخوئي والسيد الشهيد الصدر والشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم والشيخ الوحيد الخراساني والشيخ ميرزا جواد التبريزي.

وله مؤلفات:

1ـ مصارع الحق.

2ـ مسند علي بن سويد السائي.

3ـ بحوث إسلامية.

4ـ مبادئ السلام في القانون الدولي الإسلامي.

5ـ ملازم محاضراته في علوم القرآن.

6ـ ملازم محاضراته في الأخلاق.

7ـ ملازم محاضراته في التاريخ الإسلامي.

8ـ قرار البراءة من المشركين.

9ـ فقه الأحوال الشخصية.

10ـ موسوعة الأبحاث المقارنة بين الشريعة والقانون.

11ـ موسوعة الإمام الحسن (عليه السلام).

12ـ النظام السياسي في الإسلام والقضية العراقية.

وله مؤلفات أخرى ومقالات عديدة نشرت في الصحف والمجلات، ولازال يواصل نشاطه العلمي والتبليغي.

ولا يخفى إن سماحة الشيخ المالكي من الخطباء المبرّزين حيث وفق بين الطريقة الحوزوية والطريقة الجامعية في المنبر.

كان للمنبر الحسيني المبارك ولا يزال، الدور الأكبر في نشر الثقافة الإسلامية وتأصيلها وفق مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) العقائدية والأخلاقية التي تشكل حجر الأساس في الصرح الحضاري برمته.

وكان لرادة الأعواد مزيد الفضل في إذكاء جذوة النهضة الإسلامية التي يشهدها عالم اليوم، إذ لم يقف المنبر الحسيني عند حدود العرض الساذج لمأساة الطف - وإن كان ذلك من مسبباته - وإنما تحرك على أيديهم ليباشر مهمة الدراسة التحليلية والتظهيرية لنفائس مكنونات وذخائر الثورة الحسينية الخالدة بكل معطياتها الفكرية والإنسانية إسهاماً في تدعيم هذا المشروع العملاق الذي وضع قواعده أهل بيت العصمة (عليهم صلوات الله وسلامه) منذ الإمام زين العابدين وعمته العقيلة زينب الكبرى وأخته أم كلثوم، وقد خرّج هذا المنبر المقدس قامات شامخة وأعلاماً شهدت لهم المحافل العلمية حتى أضحوا رموزا يفتخر بهم ويقتدى بمنهجهم، وقد تحول جزء كبير من تراثهم إلى ركيزة تعتمد في الدراسات الجارية حول الثورة الحسينية المتجددة.

من بين أولئك الشامخين سماحة آية الله العلامة الدكتور الشيخ فاضل المالكي وقد حظينا بشرف إجراء حوار شامل مع سماحته عبر موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، أعددناها لزائرينا الكرام بكامله كما يأتي:

س: متى وكيف وأين كانت البداية مع المنبر الحسيني؟

ج: كانت البداية في عام 1382هـ في ذكرى استشهاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها بطلب عدد من المؤمنين في قضاء الهندية (طويريج) وكان لي من العمر قرابة عشر سنوات.

س: للمنبر رسالة .. ما هي أبرز خطوطها العريضة؟

ج: إن من أبرز خطوط رسالة المنبر العريضة هي، هداية الأمة وإصلاح المجتمع وتوجيه المسيرة الإسلامية على ضوء القرآن الكريم وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).

س: المنبر، بعدّه وسيلة إعلام، كيف له أن ينجح في بلوغ أهدافه التربوية والتثقيفية؟

ج: نجاح المنبر، بعد تسديد الله تعالى، منوط بمتانة موضوعاته وتوفره على الأساليب الإعلامية الناجحة فنياً وموضوعياً بحيث تشد الجمهور وتصوغه الصياغة الإسلامية المطلوبة ولابد لذلك من أن تكون الأبحاث عملية تمس الواقع الفكري والتطبيقي للأمة ومواكبة تطورات الأحداث وتحديد الموقف الشرعي منها.

س: يقال بأن زمن الخطابة قد ولّى ونحن في زمن الانترنيت... ما هو تعليقكم؟

ج: إن استحداث فن جديد في التوجيه والإعلام لا يستلزم الاستغناء عن غيره طالما كانت الحاجة ماسة إليه فكما لا يغني الانترنيت عن سائر وسائل الثقافة والإعلام فكذا الخطابة فإن لها من التأثير الفعال في النفوس ما ليس لغيرها وهل الانترنيت إلا قناة لعرض مواد الخطابة والكتابة والتدريس وأمثالها في وسائل التثقيف والإرشاد.

س: يتهم الخطيب الحسيني بتضخيم الأمور وتهويلها تعظيماً للفاجعة وإثارة للانفعال... هل هذا صحيح؟ لو صح فمن أي باب يخرّج؟

ج: إن إثارة حماس الجمهور نحو مبدأ معين أو حادثة معينة لغرض علمي أو عملي أو تربوي عن طريق النقل الصحيح والتصوير الحقيقي والتحليل الواقعي أو التعبير البلاغي والمجازي والأدبي أمر لا بأس به بل حسن في نفسه. وأما إثارة انفعال الجمهور عن طريق المبالغات غير الموجهة فلا وجه له.

س: أشكل على أحد الخطباء ذكره رواية لا مجال لقبولها فأجاب: (إنني كذبت للمعصوم لا عليه). ما قولكم في ذلك؟

ج: هذا شبيه بقول بعضهم (وقد افتعل حديثاً في فضل القرآن فلما أشكل عليه قال: كذبت له لا عليه) وهذا تزيين شيطاني للعمل الباطل فإن الكذب حرام سواء أكان للمكذوب عليه أم عليه وسواء كان المكذوب عليه معصوماً أو غيره وسواء كان الدافع حسناً أم سيئاً. نعم استثنى الفقهاء من حرمة الكذب موارد خارجة عما نحن فيه.

س: يقف البعض عند كلمة (يا ليتنا كنا معكم) التي اعتاد الخطباء الاستهلال بها فيقول إنها كلمة المنافقين الذين ندموا على ترك الجهاد لما رأوا الغنائم .. ثم إنها تمنٍ للمستحيل وهو ضرب من الجنون هلاّ حررتم هذه المسألة باختصار؟

ج: إن تمني الاشتراك مع المجاهدين حسن في نفسه، وهو داخل في قول النبي (صلى الله عليه وآله): (من أحب عمل قوم أشرك في عملهم) ولكن المنافقين استخدموا هذا التمني رئاء الناس فاستنكر القرآن الكريم عدم صدقهم في ذلك ولم يستنكر اصل التمني لما ذكرنا من حسنه في نفسه، ولذا ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) الندب إلى مقولة (يا ليتنا كنا معكم) عند ذكر سيد الشهداء (عليه السلام).

س: ينعى على بعض المراجع انزواءهم عن الحياة العامة وعدم التحرك في المحيط الاجتماعي ... لأي سبب تعزو ذلك إن صدق؟!

ج: ربما كان السبب في ذلك التفرغ للشؤون العلمية والتدريسية والتحقيقية لسد الفراغ في هذه المجالات في حين يتصدى آخرون لغيرها من باب تقسيم العمل، وربما كان السبب في ذلك الشعور بالكفاءة في مجال ما أكثر من غيره وربما كان السبب أيضاً عدم حصول القناعة الكافية في بعض مفردات النشاط الاجتماعي لعدم وضوح الصورة فيها أو في الموقف الشرعي منها أو عدم توفر مستلزمات الدخول الناجح في بعض المجالات. والله العالم بالسرائر.

س: الملاحظ في الساحة الإسلامية أن كل من يتصدى لمنصب من المناصب مهما كان نوعه، يصبح عريضة للنقد والتجريح والطعن ... ما سبب هذه الظاهرة؟

ج: إذا كان المتصدي لعمل ما واثقاً من صحته شرعاً وسلامة نيته وحسن سيرته (فلا يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته)، كما قال الإمام الحسين (عليه السلام): (وأما الطعانون ففيهم الجاهل وفيهم المغرر به وفيهم الحاسد والحاقد والمنافق). وأما النقد الشرعي بأسلوبه المشروع فحق أن يقال وأن يسمع. وفي حديث الصادق (عليه السلام): (لا يستغني المؤمن عن ثلاث وازعاً من نفسه وتوفيق من ربه وقبول ممن ينصحه) وعلى كل حال يجب على المتصدي للعمل الإسلامي الصبر والثبات والاستقامة على جادة الحق والتقوى في الرضا والغضب ومع العدو والصديق وكفى بالتقوى كيداً في مواجهة الكائدين. وفوق كل ذلك عناية الله تعالى وتسديده بعد حسن التوكل عليه وإخلاص العمل لوجه الكريم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

س: هل إنكار حادثة تاريخية؟ مهما كانت؟ يعدّ خروجاً؟ على المذهب؟

ج: إذا كان الحدث التاريخي ضرورة عقائدية كبعثة النبي (صلى الله عليه وآله) ونزول القرآن الكريم أو مسلماً من المسلمات الدينية كوقعة بدر وفتح مكة فلا شك أن إنكار مثل ذلك خروج عن جادة الحق كما لا ريب أن حادثة الزهراء (عليها السلام) من مسلمات المذهب كحادثة عاشوراء حتى وردت عن الرضا (عليه السلام) البراءة ممن أنكر مقتل الحسين (عليه السلام) كما في علل الصدوق (رحمه الله) رغم انه حدث تاريخي ولكن له دلالاته العقائدية والسياسية المسلمة وكذا حادثة الزهراء.

س: إذا شكك أحد المسلمين بقضية عقائدية ... فهل يجب مناقشته وتصويب رأيه فيها أم محاربته واتهامه أم تركه واعتزاله؟

ج: تجب مناقشته أولاً فإن أصر على عدم الإقرار بالمسلمات العقائدية لزم تحذير المسلمين من بدعته وتنبيههم على انحرافه فإن كشف أهل البدع من أظهر مصاديق النهي عن المنكر كما صنع الأئمة (عليهم السلام) في موقفهم من الفرق المنحرفة عن جادة المذهب الحق حتى لو كانت تحمل اسم التشيع كالأفطحية والواقفية.

س: هل الجهاد الابتدائي ونظام الحدود والتعزيرات في الإسلام بمثابة الإرهاب ... كما يصرح بعضهم؟

ج: أما الجهاد الابتدائي فإنه في جوهره عمل دفاعي ضد الذين يقفون بوجه الدعوة الإسلامية ولا يعني قهر الإنسان على اعتناق العقيدة بالسيف كما فصلناه في بحثنا المقارن عن نظام التعايش السلمي الدولي في الإسلام.

وأما نظام الحدود والتعزيرات فهو مجموعة قوانين إلهية لحماية المجتمع والقيم من الجريمة. وأما الإرهاب فهو عمل عدواني على الأبرياء يحرمه القرآن الكريم ويعاقب عليه في (آية الحرابة)، قال الله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[سورة المائدة: الآية 33]. وهو يتمثل اليوم بما تقوم به قوى الاستكبار العالمي ضد الشعوب المستضعفة.

س: ما فلسفة الشعائر الحسينية بأنواعها المعروفة؟

ج: إن من مسلَّمات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) استحباب الشعائر الحسينية المقدسة، ذاتاًَ وبالجملة، استحباباً مؤكداً بل وجوبها، عرضاً وفي الجملة، أحيانا لاسيما في مثل زماننا حيث يتوقف عليها إحياء الشريعة الحقة والفرقة المحقة وإرشاد الناس إليها وتثبيتهم عليها، فإنها من أعظم مصادر الإعلام ووسائل الدعوة إلى الإسلام، فلا عجب في وجوبها، الثانوي ولو كان كفائياً، وقد وجب اليوم، ولو جزئياً، ما هو دونها من وسائل الإعلام الحديثة حيث تتوقف عليها مقاومة الغزو الفكري الخطير والقادم عبر مثل هذه الوسائل التي أصبحت سلاحاً فتّاكاً من أسلحة الدمار الشامل للأمة والدين، (ولا يردّ السلاح إلا بمثله) فهو داخل في إعداد القوة المطلوب في قوله تعالى (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة)، وهل الحرب الإعلامية إلا ضرب من ضروب الحرب التي لا تقل خطراً عن بقية أشكال الحرب إن لم تزد عليها وتكن أساساً لها ومقدمة إليها.

ولا ريب أن الشعائر الحسينية الواعية الهادفة، اليوم خير وسيلة في تعبئة الأمة عقائدياً وفقهياً وروحياً وتربوياً وسياسياً لخوض صراعها المقدس ضد أعداء الإسلام وفي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (خير الناس من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا).

ثم إن الشعائر الحسينية من أبرز مصاديق شعائر الله تعالى وهي كل مشروع يُشعر بالله تعالى وما أعظم ذكر الله تعالى في الشعائر الحسينية الحاوية على معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وخصوصاً سنّة رسوله الأكرم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وهدي الثقلين كتاب الله تعالى وعترة رسوله آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، لاسيما سيرة ومواقف سبطه الشهيد وريحانته وحبيبه الإمام الحسين (عليه السلام) الذي قال فيه: (حسين مني وأنا من حسين)، كما رواه البخاري وغيره؟ وعليه فإن تعظيم شعائره (عليه السلام) تعظيم لشعائر الله تعالى التي قال فيها (ذلك ومن يعظِّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ويتحقق تعظيمها:

أولاً‌: في إقامتها بشروطها.

وثانيا: في صيانتها عما يشوبها وتنـزيهها عما لا يليق بها.

وثالثاً: بترتيب الأثر على معطياتها حتى تكون فعلاً من تقوى القلوب كما أراد الله تعالى لها.

هذا فضلاً عما في إقامة الشعائر الحسينية من تجديد العهد مع سادة أولياء الله تعالى وولاة أمورنا من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين والتعبير عن نصرتهم وتجسيد مودتهم، قال تعالى:

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[سورة المائدة: الآية 55 ـ 56].

وقال (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) وقال ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً)[سورة الشورى: الآية 23]، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

وقال (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله).

وقال (صلى الله عليه وآله) (أحب الله من أحب حسيناً).

ومن أحب قوماً وآلى وليهم وعادى عدوهم وفرح لفرحهم وحزن لحزنهم وحشر معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، كما في الحديث الشريف.

وأما سائر المعطيات العلمية والعملية والروحية والمعنوية والاجتماعية والخيرية بل والسياسية وغيرها من عظيم الثمرات، فحدِّث عنها ولا حرج.

ويتأكد استحباب المجالس الحسينية بالعنوان الأولي، بل يجب بالعنوان الثانوي، لما في إقامتها ومحاضراتها من إعلاء كلمة الله تعالى ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين كما قدَّمنا في الجواب الإجمالي، لاسيما وأنها من أبرز مصاديق مجالس ذكر الله تعالى، كما تقدم، والتي دعينا إلى حضورها. ففي الحديث الشريف المأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (إذا رأيتم روضة من رياض الجنة فارتعوا فيها قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله قال: مجالس الذكر، كما تواترت الأحاديث الشريفة في خصوص المجالس الحسينية المشرفة منها:

قول الإمام الصادق (عليه السلام): إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا فرحم الله من أحيى أمرنا.

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): من جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت فيه القلوب.

وأما إعداد المباني الخاصة بها والمسماة باسمها فليست بدعة كما زعم الجاهلون، فإن الأشياء على أصل الإباحة شرعاً فما ظنك بما هو مستحب في نفسه واجب أحياناً كما تقدم ألا ترى المسلمين في مختلف بلدانهم تعارفوا على مؤسسات ومنتديات أو نواد ومراكز دينية أو خيرية أو اجتماعية أو تبليغية دون أن يعدّوا شيئاً من ذلك بدعة بل عدّوها مشاريع مشروعة.

س: الشعائر الحسينية اليوم تقف بين دعوتين إحداهما لتهذيبها وتطوير آلياتها بما يلائم روح العصر. والأخرى لإبقائها كما لو أنها توقيفية يحرم المساس بها، ما الموقف السليم من هاتين الدعوتين؟

ج: في الشعائر الحسينية ثابت ومتغير أما الثابت فمثل تأبين سيد الشهداء (عليه السلام) ورثائه والبكاء عليه والحديث عن مبادئ وأهداف نهضته المقدسة وربط ذلك بقيم الإسلام العظيم من خلال المحاضرات الجامعة بين عناصر العلم والروح والعاطفة. ومن الثوابت أيضاً زيارته (عليه السلام) وأمثال ذلك مما نصت عليه أحاديث أهل البيت (عليهم السلام). وأما المتغير فهو عبارة عن وسائل التعبير عن عظمة الحادثة الحسينية المقدسة والتفاعل معها والسير وفق مبادئها السامية وهذه الوسائل قابلة للتطور والتغير بحسب متطلبات الزمان والمكان وفق ما تمليه المصلحة الإسلامية والضوابط الشرعية.

س: تحدث البعض عن الشعائر الحسينية وكأنها نوع من لذة تعذيب الذات (المازوشية) وتنشأ نتيجة الإحساس بالذنب أو الندم ومحاسبة النفس بعد تجريحها ... كيف تردون على ذلك؟

ج: لا شك أن هذا توهم فاسد وخيال باطل تماماً. كيف ونحن نرى بالوجدان أن القائمين بهذه الشعائر إنما يعبرون من خلالها عن مدى حبهم لآل محمد (صلوات الله عليهم) واستعدادهم للتفاني والفداء من أجلهم كما يعلنون عن سيرهم على نهجهم وبرائتهم من أعدائهم. وأي ربط لهؤلاء الموالين بأولئك الذين أجرموا ضد أهل البيت (عليهم السلام) حتى يكون تأبينهم هذا نوعاً من لذة تعذيب الذات ندماً على الذنب وهل هذا إلا كلام مهووس أو ممسوس!!! والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

س: قد يقال بأن الشعائر الحسينية تقوي دعوى اتهام الإسلام والمسلمين بالإرهاب ... فبما يجاب عن ذلك؟

ج: ليت شعري أين الإرهاب في الشعائر الحسينية التي يمارسها الإنسان الموالي بكل عشق وتفاني؟! ما لم يكن فيها ضرر، نعم إنها ترهب أعداء الحسين (عليه السلام).

س: كيف يمكننا مواجهة الغزو الثقافي الغريب لحضارتنا وأمتنا؟

ج: لا ينجح الغزو، أياً كان شكله، إلا على قوم ضعفت مقاومتهم فلابد لنا من تسليح جيلنا الجديد بالعلم والعقيدة أولاً ووحدة الكلمة ثانياً والمحور الشرعي ثالثاً مضافاً للتوسل بوسائل العصر المناسبة لمواجهة الغزو الثقافي.

س: هل ينبغي لنا أن نعولم الإسلام أم نؤسلم العولمة؟

ج: إن علينا أن ننفتح على الواقع العالمي والدولي بآفاقه المختلفة ولكن من خلال دعوتنا لديننا الحنيف وحسن تطبيقه في مختلف المجالات الأمر الذي هو أقرب إلى أسلمة العولمة منه إلى عولمة الإسلام.

س: ما هي أهم الدعائم التي يرتكز عليها الفكر الشيعي؟

ج: إن دعائم الفكر الشيعي كثيرة ولكن منها بعد الأسس الثلاثة المتفق عليها بين المسلمين:

(التوحيد، النبوة، المعاد) ما يلي:

1- العدل الإلهي وبمطالبه المختلفة.

2- الإمامة بفصولها المختلفة (مفهومها، إمامة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) بما فيها قضية الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، علم الإمام، الخ.

3- العصمة بآفاقها المختلفة.

4- فتح باب الاجتهاد.

5- محورية المرجعية الدينية في عصر الغيبة.

6- مسلمات المذهب المختلفة.

وأمثال ذلك مما تكفلت موسوعات الكتب العقائدية ببحثه.

س: لم يتبلور للإسلام نظام اقتصادي واضح المعالم في قبال النظام الرأسمالي أو الاشتراكي وظلت الحركة الاقتصادية محصورة في فتاوى الفقهاء فحسب .. ترى لماذا؟

ج: إن هذه المسألة فنية كثر منها موضوعية، حيث دأب الفكر الحديث على منهجة وصيانة مفرداته الثقافية والعلمية ضمن آلية النظم المختلفة حسب ضرورات التقسيم العملية المعاصرة وهذا يختلف عن كيفية منهجة وصياغة المواد العلمية لمفردات الثقافة الإسلامية في القرون الماضية الأمر الذي يوهم أحياناً عدم تبلور نظام اقتصادي مثلاً للإسلام ولكن جمع مواد الاقتصاد الإسلامي في الأبواب المختلفة وتطبيق أصول الاستنباط وقواعد الفقه الإسلامي في الموارد المختلفة القديمة منها والمستحدثة يؤلف لنا ما يمكن تسميته؟ في لغة العصر؟ بـ(النظام الاقتصادي الإسلامي) كما صنع ذلك بعض العلماء المعاصرين كأستاذنا الشهيد السعيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قدس سره).

س: الأحكام الشرعية كقوانين .. هل يمكنها استيعاب كافة المتغيرات العصرية؟

ج: نعم، إن في أحكام الإسلام من القابلية والمرونة والانسجام مع المصلحة التشريعية الحقيقة ما يكفل استيعاب كافة المتغيرات ولكن شريطة معرفة الحكم الشرعي بشكل صحيح وحسن تطبيقه على الواقع الموضوعي بعد تشخيصه بشكل دقيق.

س: الخطاب الشيعي المعاصر .. كيف تجدونه؟ وما الآلية التي تقترحونها لتطويره؟

ج: لابد لتطوير الخطاب الإسلامي عامة والشيعي خاصة من أمور، منها:

1- مركزية مصدر الخطاب الإسلامي ولا أقل من التنسيق بين مصادره.

2- توفير الكفاءة اللازمة التي تحسن الخطاب الإسلامي واعتماد الكفاءة والاستقامة معياراً موضوعياً للمتصدين للخطاب دون الاعتبارات الثانوية والشخصية والفئوية وغيرها.

3- أخذ قاعدة الميزان بنظر الاعتبار في مقام الخطاب وهي قول الإمام أمير المؤمنين:

(اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك) الأمر الذي يجعل الخطاب أكبر مرونة ورحمة، أكثر إنسانية واقعية.

4- انسجام الخطاب مع مقتضى الحال وتلبيته لمتطلبات الواقع المعاش والنظر إليها في متن الخطاب أو لحنه.

5- مراعاة الأولويات الموضوعية عند تزاحم الملاكات المختلفة في مقام الخطاب.

6- اعتماد أسلوبي البرهان العقلي والإقناع القلبي أو الحكمة والموعظة الحسنة في مقام الخطاب.

7- استخدام طريقتي الدفاع أو الهجوم حسب الاقتضاء فلربما كان الهجوم خير وسيلة للدفاع مع تجنب استعداء الغير بلا مبرر.

8- صياغة الخطاب بلغة العصر لكن بالنحو الذي لا يورث خلط المفاهيم الإسلامية بغيرها أو إرباكها.

9- استهداف هداية الغير أو إصلاحه قدر الإمكان لا إلغاؤه.

10- رعاية مستوى فهم المستمعين ومدى استيعابهم في مجال الخطاب.

س: لماذا لا يكون للشيعة فضائية تنفتح من خلالها على العالم الخارجي؟

ج: توجد بعض الفضائيات المحدودة في هذا المجال ولكن لابد من فضائية أوسع نطاقاً وأكبر، موالية وأكثر موضوعية وأوفر إمكانية وأعلى كفاءة وأقوى مصداقية في طرح الصراط المستقيم لمدرسة آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين بحكمة وشجاعة مع الحفاظ على وحدة الكلمة دون أن يفضي ذلك إلى إلغاء الهوية أو خلط الأوراق. ولكن مما يحول دون ذلك أمور منها، عدم وعي الكثير من ذوي الإمكانات لأهمية هذا المنبر الإعلامي العالمي فلا يبادرون إلى تبنيه أو دعمه. ومنها عدم انسجام خط هذه الفضائية مع أطروحات بعض الخطوط الفكرية أو سياسات بعض الدول مما يؤدي إلى تعويقها أو الحيلولة دون تحقيقها. ومنها فقدان التنسيق بين الفصائل المختلفة. والله المستعان على كل حال.

س: الحركة التبليغية للشيعة في العالم .. كيف تقيمونا وماذا ينقصها في الوقت الراهن؟

ج: لا زالت الحركة التبليغية دون المستوى المطلوب وذلك لقلة الكفاءات العالية في هذا المجال وعدم التنسيق بين المراكز المعنية بهذا الشأن وفقدان التخطيط والنظم في كثير من الأحوال مضافاً إلى ظاهرة التشرذم الفكري هنا وهناك وغياب المعيار الموضوعي والرسالي في التقييم والتقديم وغلبة المعايير الثانوية (الفئوية والحرفية وشبهها) وقلة الاستفادة من آليات التبليغ الحديثة بالنحو الأفضل. وهذه عوامل ضعف سيالة يتكرر ذكرها في كثير من المجالات لا في مجال التبليغ فحسب.

ولا شك أن جميع الشرائح مسؤولة عن الرقي بالحركة التبليغية إلى المستوى المطلوب لكن الحوزة العلمية المشرفة تتحمل العبء الأكبر من ذلك، نظراً للعلاقة العضوية والوظيفية القائمة بين الصعيدين الدراسي والتبليغي قال تعالى (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[سورة التوبة: الآية122]، وهل تؤخذ معالم الدين إلا من العلماء وهل تضمن سلامة الثقافة الإسلامية إلا على أيديهم فإنهم أمناء الرسل وورثة الأنبياء الذين كان التبليغ أبرز مهامهم (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). وفي الأثر الشريف (إن الله تعالى بعث محمداً، هادياً ولم يبعثه جابياً) ولذا كانت نظرية (العالم الرباني المبلغ) هي الحل الأمثل في هذا المجال حتى توصد الأبواب بوجه عديم الأهلية لهذا المقام المقدس الخطير.

س: ما السبيل لقيام الوحدة الإسلامية؟

ج: لا سبيل لذلك إلا بكسر الحواجز النفسية بين الطوائف المختلفة وتقريب وجهات النظر من خلال البحث العلمي الهادئ المقنع ثم الاجتماع على الجوامع الفكرية المشتركة. فالعمل الموحد في الشؤون التي تهم الجميع ولا ريب أن كثرة اللقاءات والحوارات البناءة بين الفرقاء تساعد على تحقيق الوحدة المنشودة على أساس احتواء الآخر لا إلغائه.

س: فلسطين .. ماذا تمثل في الفكر الإسلامي الشيعي؟

ج: تمثل القضية الفلسطينية اليوم رمزاً مقدساً لجهاد الأمة الإسلامية ضد قوى الكفر الدولي والنفاق السياسي. وبالتالي فإن انتصارها يعني انتصار الإسلام والمسلمين جميعاً لا شعب فلسطين فحسب كما يعني انتصارها انكساراً لكل الدول الاستكبارية من جهة وعملائها في العالم من جهة أخرى.

س: حاول المستشرقون إيجاد صلة بين الحقوق الرومانية والفقه الإسلامي ... كيف نفند هذه المحاولة؟

ج: لما كان الفقه الإسلامي وحي الله تعالى فلا وجه لتوهم صلته بالحقوق الرومانية ثم أن مجرد وجود بعض المشتركات بين تشريع وآخر لا يعني بالضرورة أن أحدهما عيال على الآخر وإلا فما أكثر المشتركات بين جميع تشريعات العالم أرضية وسماوية لا سيما الأحكام العقلية والعقلائية وبعض (مبادئ العدل والإنصاف والحقوق الإنسانية). ومع ذلك لم ولن يلتزم أحد بحتمية انتماء بعضها للآخر على أن احتمال استقاء بعض الحقوق الرومانية من شريعة سماوية معاصرة لها أو سابقة عليها وارد في نفسه بل هو قوي جداً كوروده في شريعة حمورابي. إذ (ما من أمة إلا خلا فيها نذير) ولا ريب أن هناك مشتركات كثيرة بين الأديان السماوية بمعنى توافقها على حكم ما لا أخذه منها مجرداً. حتى أن في شريعتنا من أحكام الحنيفية الإبراهيمية الشريفة أحكاماً كثيرة لكن لا بمعنى أخذها منها بل بمعنى إقرار الوحي الإلهي لها أو تشريعه لأمثالها في شرعنا بل تقرر في علم الأصول أن شرع من قبلنا حجة علينا إذا ثبت من طريق شريعتنا ولم يثبت اختصاصه بمن قبلنا ولا خلافه في شرعنا على تفصيل موكول إلى محله.

س: حاول المستشرقون إيجاد صلة بين الحقوق الرومانية والفقه الإسلامي ... كيف نفند هذه المحاولة؟

ج: لما كان الفقه الإسلامي وحي الله تعالى فلا وجه لتوهم صلته بالحقوق الرومانية ثم أن مجرد وجود بعض المشتركات بين تشريع وآخر لا يعني بالضرورة أن أحدهما عيال على الآخر وإلا فما أكثر المشتركات بين جميع تشريعات العالم أرضية وسماوية لا سيما الأحكام العقلية والعقلائية وبعض (مبادئ العدل والإنصاف والحقوق الإنسانية). ومع ذلك لم ولن يلتزم أحد بحتمية انتماء بعضها للآخر على أن احتمال استقاء بعض الحقوق الرومانية من شريعة سماوية معاصرة لها أو سابقة عليها وارد في نفسه بل هو قوي جداً كوروده في شريعة حمورابي. إذ (ما من أمة إلا خلا فيها نذير) ولا ريب أن هناك مشتركات كثيرة بين الأديان السماوية بمعنى توافقها على حكم ما لا أخذه منها مجرداً. حتى أن في شريعتنا من أحكام الحنيفية الإبراهيمية الشريفة أحكاماً كثيرة لكن لا بمعنى أخذها منها بل بمعنى إقرار الوحي الإلهي لها أو تشريعه لأمثالها في شرعنا بل تقرر في علم الأصول أن شرع من قبلنا حجة علينا إذا ثبت من طريق شريعتنا ولم يثبت اختصاصه بمن قبلنا ولا خلافه في شرعنا على تفصيل موكول إلى محله.

س: يعبر عن حضارتنا الإسلامية بأنها حضارة (فقه) وهناك دعوات إلى إعادة تشكيل العقل الإسلامي على مستوييه المعرفي والقيمي ... ماذا عن التغيير وما حقيقة هذه الدعوات؟

ج: إن عبارة (إعادة تشكيل العقل الإسلامي) من العبارات الغائمة الموغلة في التيه فما معنى وصف معارف الوحي الإلهي بـ (العقل الإسلامي) مما يوهم أن الشريعة المقدسة نتاج عقلي وإن احتمل أن مستقرها العقل أو أنها منسجمة مع العقل لكن الإيهام المذكور على حاله إن لم يكن ظاهراً لا وهماً فإن أريد تشبيه الشرع الإلهي بالعقل فذلك تشبيه في غير محله لمشكلاته الفلسفية ولذا لا يوصف الحق تعالى بأنه (عاقل) بل يوصف بـ (الحكيم) جل شأنه.

ثم إذا كان العقل الإسلامي يعني مجموعة المناهج والمعارف الإسلامية فبأي وجه يعاد تشكيلها وهي الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يقبل التعديل والتبديل، بل (حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة) فإن أريد بإعادة التشكيل المذكورة تغيير كيفية الصياغة ومنهج العرض لا المضمون فهو أمر لا باس به لكنه غير ظاهر من العبارة. هذا ما يتعلق بتقييم العبارة.

وأما أصل الدعوى فتكذبها أدنى مراجعة لمصادر الحضارة والثقافة الإسلامية كالكتاب الكريم والسنة الشريفة ومحتوياتهما من المعارف العالية والقيم المقدسة التي لم تدع شأناً من شؤون الإنسان ولا بعداً من أبعاد الحياة إلا ولها فيه مفهوم عقيدي أو نظام فقهي (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)[سورة يونس: من الآية39]. والحاصل فان الشريعة الإسلامية حضارة معرفية قيمية كما إنها حضارة فقهية.

س: ما حقيقة قتل الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟ عند ظهوره لسبعين ألف من العلماء الوارد في بعض الروايات؟

ج: لم نجد ذلك في سند معتبر. نعم لا شك أن ظهوره (عجل الله فرجه) سيكشف كل زيف ويكافح كل دجل في الدين والدنيا بل ورد أنه سيرجع عنه بعض من كان يرجو ظهوره حين يرى مر الحق على يديه فينقلب على عقبيه فيذوق نقمته وعقابه.

ثبتنا الله تعالى وإياكم على ولايته وجعلنا من الصادقين في انتظاره والمخلصين من أنصاره والشهداء تحت لوائه صلوات الله عليه.

س: عقيدة الاستشهاد التي قد تعد من ثمار كربلاء الحسين (عليه السلام) ... كيف لنا أن نفعّلها داخل المجتمع الإسلامي لمواجهة الأعداء؟

ج: لابد لتفعيل الروح الاستشهادية من رفع مستوى الوعي الجهادي من خلال بث المفاهيم الحركية في النفوس وشحنها بروائع المواقف الاستشهادية في التأريخ الإسلامي لا سيما قصة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وإثارة حماس الأمة وغضبها على الظالمين من خلال الإعلام المكثف في تصوير المخاطر الفادحة وعرض الكوارث العظمى التي حلت بالإسلام والمسلمين وتوعية الأمة برجحان الحل الاستشهادي لمشكلاتنا لمن ضاقت عليه السبل وتوقف الدفاع عن مقدساته وكرامته على العمل الاستشهادي. وإيجاد مشاريع جهادية معززة بالإمكانات اللازمة لمواجهة تحديات قوى الكفر الدولي وعملائه في المنطقة لا سيما إسرائيل اللقيطة والعصابة العفلقية المجرمة. وللحديث عن الاستشهاد في الكتاب والسنة وسيرة الأولياء مجال واسع أفضنا في بحثه مفصلاً في كثير من محاضراتنا.

س: هناك حواجز نفسية كبيرة بين أبناء الأمة الإسلامية تقف حائلاً دون وحدتهم ... ما السبيل لكسرها وإبطال مفعولها؟

ج: لابد لتحقيق ذلك مما يلي:

1- الاندماج بالمجتمع الآخر على أسس الأخوة والإنسانية والصدق والأمانة كما أوصانا بذلك أئمتنا (عليهم السلام) في حسن المعاملة مع الآخرين ومشاركتهم في مناسباتهم حتى يروا (عليهم السلام) بالوجدان من أخلاقنا الإسلامية خلاف ما نسب إلينا من سوء.

2- الانفتاح عليهم بالحوار البناء واللقاءات المثمرة وكثرة عقد الندوات والمؤتمرات الكفيلة بتقليل الفجوات وتقريب وجهات النظر.

3- توعية جميع الأطراف بالقضايا المشتركة والعدو المشترك.

4- إيجاد مجالات عمل مشترك بين جميع الفرقاء.

5- توضيح دور العدو المشترك في اصطناع الحواجز النفسية وفضح حيله وأحابيله في هذا المضمار.

6- تثقيف الأطراف بالموازين الشرعية في مواجهة الاختلاف والسبل المشروعة لحل الخلاف، وتحذيرهم من خطر العصبية على الدين والدنيا، وتذكيرهم بتقوى الله واليوم الآخر.

س: أيهما أكثر واقعية في الطرح مشروع الوحدة الإسلامية أم التقريب بين المذاهب؟

ج: من الواضح أن حقيقة كل مذهب تتقوم بمجموع ثوابته الأساسية، فإذا انتفى بعضها فقد انتفى، وبالتالي فلا يعني التقريب بين المذاهب - بالضرورة - رفع اليد عن تلك المقومات وتغيير تلك الثوابت.

نعم إنما يتصور التقريب بين المذاهب في مستويات منها:

1- كسر الحواجز النفسية بين أتباع المذاهب المختلفة وزرع الثقة المتبادلة فيما بينهم ومد جسور المحبة والتعاون معهم وتوطيد العلاقة والتعامل معهم على أسس الصدق والأمانة والأخوة (الإيمانية والإنسانية).

2- الحكم بإسلامية جميع المذاهب المتفقة على أصول الإسلام الأساسية وضروراته العامة كالتوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والزكاة والصيام والحج ومودة ذوي القربى (عليهم السلام).

3- إيجاد القناعة المشتركة باستناد كل من المذاهب المتفقة على الأصول الأساسية المختلفة فيما دونها إلى دليل شرعي ولو بدعوى المستدل فلا وجه لإخراج المخالف ـ على تقدير خطئه؟ عن ربقة الإسلام بل الوجه مناقشته في ذلك.

4- محاولة الاتفاق في المبني أو الفتوى في المسائل الخلافية من خلال البحث العلمي لتقليل المسائل الخلافية أو تقليل مسافة الخلاف في المسألة الواحدة.

5- اتخاذ القرارات والمواقف المشتركة من القضايا المصيرية التي تهم الأمة الإسلامية جمعاء.

6- إيجاد مشاريع عمل موحد في المساحات المشتركة بين الطوائف، فإن في العمل المشترك من التعارف والتعاون والتلاحم ما يقرب القلوب ويجعل أهلها كالبنيان المرصوص.

وأما الوحدة الإسلامية فإن أريد منها ما تقدم في التقريب بين المذاهب فقد ترادفا وإن أريد منها ما هو أقرب وأعمق وذلك من خلال انصهار الجميع في بوتقة واحدة وإلغاء الثوابت المذهبية المختلف عليها بين المذاهب فلكي نكون واقعيين فلا شك أن فكرة التقريب أكثر واقعية من فكرة الوحدة، بهذا المعنى، ولكن الأظهر أن المراد بالوحدة الإسلامية اجتماع الجميع على الجوامع المشتركة في عمل موحد وعدم تحويل الخلاف المذهبي إلى صراع وتجنب المعارك الجانبية وعدم التنافس على إلغاء الآخر بل الاحتفاظ به ظهيراً ونصيراً، وتوظيف جميع الطاقات في مشاريع متسقة يشد بعضها بعضاً. والله المسدد وبه الاعتصام .