أسئلة الوعي والنهوض والتاريخ في الفكر العربي المعاصر - عبد الرزاق عيد
إن الاشكالية التي يتهيكل حولها هذا البحث، يؤطرها سؤال لماذا هذا التردي المضطرد للوعي التاريخي في الفكر العربي ؟ هذا السؤال يتجدد في صيغة أخرى ، تلك التي طرحتها النخبة العربية الإسلامية منذ القرن التاسع عشر بالصيغة الشهيرة للأمير شكيب أرسلان ، "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم". لا شك أن تجديدنا للسؤال النهضوي ، بصيغة موازية ومناظرة : لماذا تأخر الوعي التاريخي العربي وتقدم عند الآخر؟ ، إنما يوميء بمباطنة دلالية ، تشير إلى أننا بسؤالنا إنما نحدد ونعزو تأخر المسلمين ، إلى عدم امتلاكهم الوعي التاريخي الذي كان مهماز تفوق وتقدم الآخر الغربي. هذا التناظر الدلالي بين سؤالنا الراهن ، والسؤال النهضوي السالف ، سيعود إلى الخلاصة النظرية التي انتهى إليها المشروع الفكري المتميز للمفكر المغربي عبد الله العروي ، وهي أن أزمة الفكر التاريخي العربي إنما تكمن في عدم " استيعاب الفكر العربي مكاسب العقل الحديث من عقلانية وموضوعية وفعالية وإنسية ... إلخ ، وبتعبير آخر وفق – العروي – فإن اشكالية الوعي التاريخي تكمن في إخفاق قاعدته الاجتماعية، حيث كان المعادل النظري لإخفاق الوعي التاريخي ، إخفاقا للدعوة الليبرالية ذاتها ، لكن هذا لا يمنع المؤرخ أن يرى في ذلك سبب تعثر المسيرة العربية بمجموعها. هذه الاطروحة ستشهد حاضنا فكريا في مشهد مجتمعي آخر ، وذي سيرورة اقتصادية اجتماعية سياسية مباينة –نسبيا- عن المجتمع المغربي ، وهو المجتمع في بلاد الشام من خلال المفكرياسين الحافظ ، إذ سيهضم مشروعه النظري أطروحات العروي ليعيد إنتاجها في صياغة اصطلاحية تنتمي لحقل الادب السياسي معبرا عنها – حسب صياغته- في إخفاق القومية الديموقراطية التي هي تعبير عن حزمة من الاشتقاقات العلمية والمعرفية والثقافية ، إذ فضاؤها المعرفي : العقلانية والتنوير والنسبية والبحث والإستكشاف ، وشكلها السياسي : الديموقراطية والتعددية والحرية ووتعّينها الإجتاعي : الإنسية ،الإنسان مركز الكون ،والفرد مركز المجتمع ،حرية المرأة ،وتعبيرها الثقافي: العلمانية بوصفها التعيين الملموس واقعيا للعقلانية. ونحن إذ سنحاور المشروعين (العروي – الحافظ) عبر التناص معهما سيتكشف لنا مدى الركود الذي لحق ويلحق بالفكر العربي ، عندما سنجد أن الأسئلة ذاتها ، والاستنباطات ، والإجابات تتردد منذ قرن ونصف ، وكأن مسيرة العقل خط متصاعد باتجاه الهاوية اليوم ، أي كأن الوعي التاريخي العربي ، أي وعي العرب بالتاريخ ، إنما يدخل المستقبل بدلالة الماضي ، كان الدخول للمستقبل يتم القهقري على حد تعبير بول فاليري .
العرب والتاريخ / تعقيب على تعقيب :
يحيل عبد الله العروي القارئ إلى كتاب قسطنطين زريق " نحن والتاريخ " (1) ليشير إلى أنه في كتابته تحت هذا عنوان ( العرب والتاريخ ) يريد أن " يعقب على ما قاله ، وليس نقدا لما قاله " ليذهب بالنتائج أبعد مما ذهب إليه زريق (2) ، ونحن بدورنا سنقوم بتعقيب على تعقيب ، لانتاج حالة تناص بين نصوص (ثلاثة) تمتد على مدى نصف قرن ، أي منذ صدور كتاب زريق 1957.
يقدم كتاب العروي مفاتيح مفاهيمية مهمة من الوجهة الفنية والتأليفية والوظيفية والمعرفية، إذ أن المؤرخ المعاصر " لا يفسر الوقائع بمنطق المشاركين فيها ، بل حسب منطق لم يعوه هم ويعيه هو اليوم " فلا بد من التمييز بين منطق المؤرخ وارتباط و عدم ارتباط الاحداث والوقائع كما كانت فعلا والتي لم يعلمها أحد بالضبط. تلك هي دواعي الكتابة التاريخية ، لكن ماهي الأسس المعيارية التي وجهت نظرة العربي في ذلك الزمن لتاريخه؟
إن العنصر الحاسم في البنية التأليفية السردية لمؤلفات التاريخ العربي هو "السيرة النبوية".
وهذا ما يفسر لنا تلك الحيادية السلبية عند المؤرخ العربي تجاه الوقائع ، فما دامت منصة الانطلاق في الحساسية تجاه الوقائع هي العهد النبوي ، فإن العبرة والاعتبار والمعيار تتحدد من خلال الاقتراب أو الابتعاد من النموذج ، ولهذا لا غرابة أن نلحظ السلبية تجاه الفتوحات الأموية، بسبب موقف الفقهاء من خلفاء بني أميّة.
وهذه العوامل هي التي تفسر – حسب العروي – حكم غرونباوم في كتابه " إسلام القرون الوسطى " القائل: " بموضوعية الاسطوغرافية العربية التي هي ميزة تستحق الاعجاب والتنويه " ومن ثم اتفاق مارغوليوث على هذا الرأي .(3)
لا بد لنا من التنويه في هذا السياق إلى أن هذا الحكم الشائع حول " معيارية لحظة النبوة " يتبناها حسن حنفي بحماس شديد في مشروعه التجديدي للتراث ، انطلاقا من أن الفاعلية الوحيدة في التاريخ الاسلامي هي فاعلية " الوحي " ...
يغيب عن هذا العرض التأويلي والتقويمي في سياق هذا التعقيب للتأليف العربي للتاريخ من قبل د.العروي ، مسألتان في غاية الأهمية :
أولهما : إنّ ما يسمى التاريخ القديم ، ما قبل الدعوة لم يكن على هذه الدرجة من الإهمال كما يذهب العروي وهو يعقب مختلفا أم متفقا مع زريق ، انطلاقا من أن المؤرخ القديم كان يستعمل الروايات بدون أي حكم تحبيذي أو انتقادي فيترك مسؤولية الصورة للشعوب التي ترسمها هي عن نفسها ، ليرى الناس إلى أي حد وصل جهل وسفه الخلق .
غير أن هذا الاستنباط المتداول تأويليا في الكتابات التاريخية المعاصرة يصطدم بحقيقة أن علوم الأوائل تشكل حجما كبيرا في القرآن وأخبار الأنبياء ، مما جعلها تشكل مرجعا أساسيا لرواية الأحداث الأخبار والأسانيد ، كما جعلها تشكل عنصرا تفسيريا ضخما للنص القرآني والحديث الشريف في موسوعات التفاسير ، وبالتالي فعوضا عن أن يجبّها الوحي ، استند إليها المفسرون وكتاب الرواية والأخبار والتاريخ بوصفها وقائع موقوفة إلهيا ، وذلك من خلال اعتماد بعض الصحابة والتابعين على علوم اليهود والتوراة في التعرف على التاريخ القديم .
ثانيهما : عدم إثارته أي سؤال حول شروط التواتر والرواية ، وما استتبع ذلك من علوم فن الجرح والتعديل ، ومدى الوثوقية التي يمكن أن تمنح للرواية والخبر المنقول ب ( العنعنة ) .
سيعود العروي في كتابه ( الايديولوجيا العربية المعاصرة ) (4) ليشير إلى مدرسة أغناطس غولدزيهر وموقف تلاميذه من موقعة بدر ، إذ بعد تمحيص المصادر، ينتهي بهم الأمر إلى نفي الواقعة عمليا مع الحفاظ على الاسم فقط ، وهم يواصلون الكلام عن المعركة مع أنهم يقررون أنهم يجهلون أين وقعت بالضبط ومن شارك فيها وعدد القتلى والجرحى ، بل حتى من خرج منها منتصراً لكن الباحث يأخذ على غولدزيهر منهجه الفيلولوجي (اللغوي) النازع إلى الشك والنفي وهذا الشك هو النتيجة المنطقية لكل تحليل نقدي لا يبرح حيزه الضيق !
وثالثا : فإن الحيادية التي أعجب غرونباوم ببعدها الموضوعي في التأليف التاريخي العربي ، لا يمكن الاطمئنان إلى تفسيرها المساق من قبل (العروي / زريق) إذ تعلل هذه الموضوعية ب " واجب الشهادة بوصفه واجبا دينيا " وهي حيادية موضوعية تعبر عن اعتراف ب " الحكمة الإلهية " .
لا شك أن هناك جانبا مهما في استقراء هذا التعليل لتلك الحيادية، لكنه يظل غامضا، ونظن أن تأويلنا أكثر استجابة للمغزى الدلالي للظاهرة، وهو التأويل القائل : بأن التأليف التاريخي منذ عصر التدوين ، بدأ يتسلل إليه الكثير من علوم الكلام ، ونظن أن المذهب الجبري الذي أُسس له رسميا في العصر الأموي هو الذي يتيح لنا الذهاب تأويليا إلى القول : بأن الأحداث والوقائع مادامت ثمرة قضاء الله وقدره المقرر باللوح المحفوظ ، ومادامت ليست إلا تجليا للأمر الالهي ، فلابد أن يتولد عن هذا المغزى التأويلي نوع من الحيادية السلبية التي قد تتبدى بمظهر عال من الموضوعية إزاء الأحداث ، مادام الإنسان لا يملك من أمر نفسه تجاه الوقائع دفعا ولا اختيارا أوضرا ولانفعا ، أي أن التأليف التاريخي العربي كان يمتلك منطقا داخليا باطنيا ، تسلل إلى وعي المؤرخ بتأثير علم الكلام والفلسفة ، وهو ما سيعود العروي ليثبته في مرحلة لا حقة في كتابه " الايديولوجيا العربية المعاصرة " كما أسلفنا ، لكن هذا المنطق الداخلي يستنبطه العروي من خلال دلالة تواريخ التأليف " نهاية القرن 3 هـ، أواخر القرن 5 هـ، أوائل القرن 8 هـ، أواخر 9هـ، وهي كما نلاحظ عهود انحسار تاريخي، عقب أو عشية كوارث، وبالفعل، كيف لا نربط بين مشروع الطبري، التأليفي ، التوفيقي، وأزمة القرامطة ومشروع ابن خلدون وضياع الأندلس ومشروع السيوطي وانحلال حكم المماليك؟
هذه التواريخ ، هي التي تعير الأعمال منطقا داخليا حسب كتاب " الأيديولوجيا العربية المعاصرة ". (5)
الموضوعة تتمّتع هذه بأهمية خاصة في إطار البحث عن تجليات الوعي التاريخي في الفكر العربي، لكن سياق البحث لا يتيح وقفة مطولة عند هذه الموضوعة، إلا أننا نسارع إلى القول، بأن الوحدة التأليفية الداخلية الباطنية، إنما نتأولها، بتفاعل المؤرخ مع التيارات الفقهية والكلامية والفلسفية لزمنه، لاسيما أن المؤرخين ككل نخب ذلك العصر ، يتصفون بالموسوعية ، فالطبري لم يكن مؤرخا كبيرا فحسب ، بل كان فقيها ، ومتكلما عظيما ، بلغ درجة من علو المقام العلمي في عصره يتكافأ مع الأئمة الأربعة، حتى غدا صاحب مذهب.
إن الجبرية، التي تلغي فعالية البشر ، وتحكم عليهم بالتردي البشري كلما ابتعدوا عن لحظة البداية، سنجدها حتى عند مفكر استثنائي في عصره وهو ابن خلدون ، الذي أتخذت عنده هذه الحتمية شكلها البشري السوسيولوجي ، حيث سيكتب ابن خلدون مرحلة انهيار الحضارة العربية ، أي النهاية الحتمية لدورة العمران ، فها هو يصف " ما نزل بالعمران شرقا وغربا " في منتصف المائة الثامنة للهجرة " كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول ولإنقباض ، فبادر بالإجابة " .
لقد استجاب العالم للنداء الكوني بالخمول ، وذلك حين جاء الطاعون إلى " الدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها .... فتداعت إلى التلاشي وإضمحلال أحوالها ، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر ، فخربت الأمصار والمصانع ، ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل ، وضعضعت الدول والقبائل .... " يقارن الدكتور محمد عابد الجابري ، نص ابن خلدون الذي يكتب مرحلة انهيار الحضارة العربية بنص لكوندورسيه الذي يكتب مرحلة صور الحضارة الغربية من خلال استلهام روح الثورة الفرنسية التي عاشها من الداخل ، يعلن كوندورسيه أنه " ليس ثمة حدود مرسومة لتقدم الملكات الانسانية لأنه لا حد على الاطلاق لقبول الإنسان للكمال ، وبما أن ليس ثمة قوة أعلى من الكمال ، فإن سيرورة الإنسان نحو الكمال لن تعرف حدا ولا نهاية إلا مع اختفاء الكرة الأرضية التي أسكنتنا الطبيعة عليها ".(6) إذن فإن تعقيبنا على تعقيب عبد الله العروي على نص قسطنطين زريق، يفترض أن المنطق الداخلي للتأليف التاريخي ، ليس انعكاس المآلات التاريخية على المؤلف فحسب ، بل وتسرب الرؤية الجبرية بوصفها العلة الوحيدة لتسلسل الأحداث، أو اضطرابها ، وفق المشيئة الربانية .
الوضع الحالي في البحث التاريخي :
يصنف قسطنطين زريق في كتابه المذكورالأبحاث التاريخية في الوطن العربي إلى أربعة اتجاهات :
1-الإتجاهه التقليدي ، الذي حافظ على نظرة الؤرخين القدامى .يلخص هذا الإتجاه تاريخ الإنسانية كلها في تاريخ الإسلام، ثم يلجأ في تعليل الأحداث إلى القدر الالهي ويتورع عن نقد رواية السلف الصالح. وفي آخر تحليله ينعته د. زريق بأنه (وسطي جديد) تبعا لتسمية اتجاهات مماثلة ظهرت في الغرب .
2-الاتجاه القومي، الذي ينغمس في الماضي القومي ويميل إلى التجريد والتزويق على الطريقة الرومانسية ويخضع التاريخ لفكرة سياسية مسبقة وفي بعض الأحيان لسلطة سياسية قائمة. يغالي في تعظيم الماضي القومي ويبخس حق ماضي الانسانية كجماعة ويستعمل المنهج النقدي لتفنيد أقوال الغير ولا يخضع له فيما يخص أقوال بني جلدته، يمزج دائما التفسير بالغيبيات والقوانين الواقعية. ثم يلخص المؤلف نقده لهذا الاتجاه قائلا إنه قومي ومع ذلك يرفض أساس القومية العصرية أي العلمانية .
3و4- الا تجاه الماركسي والاتجاه الوضعي المتماثلان من حيث الأسلوب وطرائق البحث والخلفيات المعرفية ،لكن الأول ضيق في نظرالمؤلف، متحيز، غير شمولي، يقول بوحدوية العلة ( العامل المادي الاقتصادي)(7)، في حين أن الثاني أكثر شمولية، يقول بتعدد العوامل المسيرة للتاريخ، من مادية وروحية وفردية وجماعية، وسياسية واقتصادية … الخ.
البعد الكوني في الوعي التاريخي :
إنّ التعقيب الذي يسوقه العروي على كتاب " نحن والتاريخ " يتمثل في عنصر مفصلي حاسم، وهو الذي سيتوقف عنده، ياسين الحافظ ، وهو البعد الكوني في امتلاك العرب للوعي التاريخي، وذلك بطرح سؤال أين نحن العرب من الآخر في شبكة علاقاتنا مع الأمم والشعوب الأخرى؟ وكيف يفكر الآخر ، لاسيما أن هذا الآخر هو المجتمع المتغلب بوصفه مجتمعا صناعيا؟
وهنا يحضر ماكيافيلي ( تاريخاني ) العقل السياسي العملي من خلال صيغة " الزمان ... خالق كل حقيقة " أو ( تاريخاني ) العقل الجدلي هيغل عندما يكتب : " إننا لانستوعب التاريخ إلا عندما نستطيع أن نرى الحاضر بصورة عامة ، كنتيجة لتلك الوقائع التي تمثل حلقتها الأساسية أخلاق وأعمال المشاركين فيها "،ويحضر جوته في هذا السياق من خلال هذا البيت:
والتقليد يا جاهل هو أيضا وهم من الأوهام (8)
هذه الخصائص للوعي التاريخي ، يلخص خصائصها : " - أ : إيجابية الحدث التاريخي ، إذ الحاضر يفسر " يعلل " الماضي ، لكن الماضي أيضا لا ينفك عن حكم الحاضر – ب : مسؤولية أصحاب الوقائع ، أي أن الحكم عليهم ممكن ، وهذا هو معنى كلمة هيغل " التاريخ هو محكمة العقل " – جـ : تغير التاريخ المستمر ، أي أن التاريخ ليس وحدة كلية مغلقة ، بل هو عملية متطورة مستمرة .
والأساس الفلسفي الكامن وراء هذا الوعي التاريخاني ، لكي يكون التاريخ محكمة العقل ، حسب هيغل ، فإنه ووفق الجدل الهيغلي ذاته يتمثل باعتبار أن لا حقيقة مطلقة سوى "الصيرورة"، فالحقيقة المطلقة لا تنكشف في إشراقة مباغتة ، وعلى هذا الأساس - وعي الحقيقة بوصفه وعي " الصيرورة " - تتأسس علاقة الترابط بين النزعة (التاريخانية) والديموقراطية والعلم الحديث. أي أن الديموقراطية كنظام مدني تقتضي أن لا أحد في المجتمع يملك الحقيقة السياسية ، وفي العلم لا بد من نفي افتراض عجز العقل الإنساني عن إدراك أسرار الطبيعة ، ومن ثم القطع في الآن ذاته مع فكرة المعرفة الكشفية ، وذلك هو عماد الممارسة التاريخية العصرية .
الوعي التاريخي / الليبرالية / الكونية :
الوعي التاريخي يتجاور مع الوعي الليبرالي الحديث ومع الوعي الكوني لإنتاج الوعي المطابق (concience a dequate ) وفق مصفوفة ياسين الحافظ النظرية(9)، وذلك لأن الوعي المحليّ لأمة مفوّته، فرضها النظام الرأسمالي على العالم، هو وعي مفوّت، وهذا يعني أن الوعي التاريخي يتولد من إدراك جدل الخاص المحلي (التقليد)، مع العام الكوني (الحداثة) الذي يقتضي بدوره إنتاج حالة تطابق بين الزمان والمكان ، إذ نحن نعيش ضروريا في جغرافية كونية موحدة ، وكلما تقدمت التقنية ازداد صغر حجم كرة الكون ، لكنا زمنيا فنحن خارج تسلسل الزمن العالمي، أي وفق المصطلح الألماني، نعيش في برزخ الفوات (anachronisme)، وهذا المصطلح (الفوات) يطلق على الشعوب التي يشكل وجودها في عصر معين ضربا من غلطة تاريخية أو مفارقة تاريخية، باعتبار أنها ماتزال تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى، صاغت العصر وفرضت نفسها عليه. الشعوب المفوته هي الماضي ملقى على هامش الراهن أو الحاضر، هي التي تعيش في غير عصرها.( 10)
وعلى هذا فإن الوعي التاريخي هو وعي بهذا الفوات وبحث في علله، أي أنه استدراك للزمن الضائع، لانتاج وعي قادر على التطابق بين العيش في المكان (العالم المعاصر) والعيش في الزمان (الزمن المعاصر) من هنا فإن الكونية هي المدخل الرئيس، لاستيعاء الوعي التاريخي، ولهذا نجد الوعي التاريخي متلازما تلازما ضروريا مع الكونية والحداثة (الليبرالية) حيثما ورد في نصوص الحافظ، وذلك بسبب الوحدة التناقضية التي فرضها الغرب على العالم بعد أن رسمله ، فأصبحت الشعوب المتأخرة ، والتابعة بحاجة إلى وعي جديد يتجاوز وعيها القومي ( المحلي ) الذي لم يعد ، نظرا لحالة الفوات التي تعيشها ، مطابقا لحاجاته المتمثله في تحديث بنيانه ورفعها الى مستوى العصر ... فالأمم العصرية الحديثة – وحدها – التي يتطابق وعيها القومي مع وعيها الكوني .
لذا فإن الإيديولوجيا التحديثية لدى أمة مفوتة هي الإيديولوجيا التي تصنع وعيها في قلب العصر ، عندها يكتسب الوعي بعده كوعي تاريخي ... ، فالأمة لكي تحدث وعيها التقليدي باتجاه امتلاك الوعي التاريخي ، لابد لها أن تكونِن وعيها ، لأن التناقض ، في ظل حالة التبعية التي تعيشها ، لم يعد محصورا داخل الإطار القومي ، بل بين وعيها وممارسة أمم أخرى عصرية . (11)
الحداثة الليبرالية بين العروي والحافظ :
ولدت الثقافة الوطنية في لحظة التقاطع التاريخية بين الوعي الثقافي المحلي الأهلي الموروثات – الذاكرة التراثية – الثقافة الشفهية والمكتوبة: ( الشعر والحكاية والمقامة)، وبالمحصلة " المخزون الثقافي الشعوري واللاشعوري "المؤسس للمخيال الإجتماعي والثقافي المحلي ) هذا من جهة. ومن جهةأخرى، ثقافة الغرب (الليبرالية) بشتى تجلياتها التي تكونت في القرنين 17 – 18 ، وإذا عرفناها بالضد، فهي المعادل للوعي التاريخي الحديث الذي أحدث قطيعة (ابستمولوجية) معرفية مع الماضي، حيث التأكيد على موضوعية الطبيعة والمادة بمواجهة فكرة الماوراء، التأكيد على عقلانية العلم في مواجهة الميتافيزيقا، هذا على مستوى رؤية العالم ، أما على مستوى منظور المجتمع لذاته اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا ، فهي دعوة إلى حرية المشروع الإقتصادي ومعادله الإجتماعي والسياسي والثقافي، فالمعادل الإجتماعي يتمثل في حرية الفرد وتأكيد أولويته، مما سيقود إلى أولوية محاربة الإستبداد، وإلى العقلانية على الصعيد المعرفي. هذه المنظومة المفاهيمية سرعان ما استقلت تاريخيا عن حاملها لترتدي طابع فتوح دائمة للبشرية ، بعد أن غدا الغرب الصناعي هو الحاضنة التكوينية التاريخية والكونية لكل الثقافات البشرية ، ففتوحات الليبرالية ، انجزتها البورجوازية الغربية ، لكنها مع عولمة الرأسمالية للعالم ،فإنها غدت مكتسبات انسانية ، وكفت عن أن تكون ثقافة وطنية قومية خاصة بالغرب ، رغم أنه ظل ساحتها الأصلية ، بسبب أن ولادتها عند الغرب كانت محايثة لنموذج ( المصنع ) ، بينما تلوناتها وشحوبها ، واخفاقاتها عندنا تفسرها ظاهرة أنها وفدت إلينا مع ( السلعة المصنعة ) عبر "السوق " فكان (اغراء السلعة) ، مدخلنا الى حداثة الوعي التاريخي.(12)
لقد تعرف الفكر العربي على الليبرالية في صيغتين ابرزتا درجة الثقل النوعي لكلتا المنظومتين( المحلية والكونية) ، حيث تمثلت في سبيلين : سبيل " المصالحة " بين الدين والعصر ، الماضي والحاضر (الطهطاوي – الأفغاني – محمد عبده – الكواكبي) ،وسبيل الليبرالية " الأمثولة " العصرية التي ترى في الغرب صانعا لتاريخ العصر ، فهو المثال والنموذج للتقدم ، ( أحمد لطفي السيد – طه حسين – علي عبد الرزاق – حسين هيكل ... إلخ) .
إذا كانت ليبرالية النهضويين الأوائل تستدعيها حاجات مجتمع يتطلع للخروج من الانحطاط فقد كانت ليبرالية واسعة فضفاضة، تتعامل مع مفهوم الحرية، كحاجة، كضرورة كُلِّية، تستدعيها كلِّية واقع اجتماعي ثقافي فقدها منذ زمن طويل، ولذا فقد كانت برنامجا مطلبيا، وليست منهجا نظريا، ومن هنا يلتقط عبد الله العروي خصوصية علاقة المفكرين العرب بالليبرالية ، فهم " من جهة استلهموها كشعار ولم يتجاوزا الشعار إلى التمثل الفلسفي ، ومن جهة ثانية ، تأثروا بها طويلا إلى حد أنهم أوّلوا مذاهب أخرى تأويلا ليبراليا " (13)
والعروي في إشارته هذه إنما يؤكد أن النهضويين الليبراليين العرب الأوائل لم يستوردوا الليبرالية استيرادا ، ولم يقحموها إقحاما ، مخارجا للواقع. فالعروي من المفكرين العرب، الذين لم يرجموا الفكر النهضوي الليبرالي بوصفه فكر الغزو الثقافي ، الغريب عن الذاتية الحضارية للأمة ، بل وجد في عدم انكباب الفكر الليبرالي العربي على مسألة الحرية فلسفيا ونظريا إنما هي استجابة لحس تاريخي سليم وفق تعبير غرامشي أو وعي تاريخي مطابق بلغة الحافظ بعدم حاجات المجتمع ، وليس بسبب قصور الأذهان وعدم النباهة ، بل لأن :
" المجتمع الإسلامي كان في حاجة إلى نشر دعوة الحرية أكثر مماكان في حاجة إلى تحليل مفهومها (14) " فداعية التاريخانية يظل أمينا للوعي التاريخي في فحصه وقراءته ونقده للنصوص الفكرية بوصفها نتاجا لتاريخها ، وفعلا في هذا التاريخ .
فالليبرالية في السياق النهضوي العربي – وفق منظومة العروي – تجسيد موضوعي عقلاني لمستوى التطور التاريخي الذي حققه المجتمع ولمستوى وعيه التاريخي بهذا التطور، أو بمعنى أدق استجابة لما لم يحققه المجتمع بعد، وهذا يعني بلغة ياسين الحافظ، أن الليبرالية في الزمن النهضوي أنتجت وعيا تاريخانيا كونيا مطابقا بحاجات المجتمع العربي وهو يلتمس طريقه باتجاه التقدم والتحديث .
وقد انطوت الليبرالية عبر حضورها في الخطاب العربي على المستويات الثلاثة التي يتحقق بها الوعي المطابق للمجتمع العربي: الوعي الحديث والوعي الكوني والوعي التاريخي. والبعد التاريخي يتبدى في هذا السياق ، ليس من خلال استجابة هذا الوعي لزمنه التاريخي فحسب، بل من خلال مزيتين تميز بهما المؤلفون العرب الليبراليون يحددهما العروي :
الأولى – في الدفاع عن الحرية ضد الخصوم الداخليين من خلال المشترك الثقافي الإسلامي، حيث راحوا يثبتون أن الدعوة إلى الحرية من صميم الإسلام، وإن كل ما يناهض الحرية في الحياة الإسلامية فهو ليس من الإسلام الحقيقي.
الثانية – وهي إرادة تأصيل الحرية في عمق المجتمع والتاريخ الإسلاميين، والليبرالي العربي بذلك ينفصل عن مرجعيته الغربية سيما ( جون ستوارت ميل ) الذي يظهر تأثير كتابه " في الحرية " في كتابات احمد لطفي السيد .
فـ " ميل " يرى أن دعوة الحرية محددة تاريخيا بعهد النهضة في اوروبا ، في حين مضى الليبرالي العربي يتقراها في الزمن الإسلامي القديم (أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح وأبو ذر بطل الديموقراطية والاشتراكية) قد يكون هذا القول بدعة دخيلة على الليبرالية – وفق العروي – لكنّ تقويل أبطال الماضي أقوال الحاضر ليس وقفا على المثقف العربي ، فنحن نجده في أحقاب أخرى في التاريخ العالمي، مع ذلك فإن ليبراليا أصيلا كـ ( أحمد لطفي السيد ) لم يلجأ إلى مثل ذلك الاستحضار الغريب عن الليبرالية . (15)
رئيف خوري والوعي التاريخي لليبرالية العربية النهضوية :
في سنة 1941 تصدّى رئيف خوري من موقع المفكر التاريخاني الوريث الشرعي لفكر الهضة والتنوير للإيديولوجيا القومية من خلال أبرز دعاتها نظريا في تلك الحقبة ، وهو قسطنطين زريق، في كتابه "الوعي القومي ". فوضع رئيف كتابه "معالم الوعي القومي" محللا نظام الخطاب القومي، ليظهر معالمه بوصفه خطاب مشاعر، وأهواء، وحدس صوفي لا يخلو من أصداء الحدس الداخلي البيرغسوني، حيث يسود نص – زريق– صياغات ذات بعد دلالي تحيل إلى الداخل، إلى الجواهر الثابتة ( سيادة الجنس العربي على الاجناس الأخرى، الثقافة العربية وما يكمن وراءها من قوى روحية خاصة، النبوغ الخالص للغة العربية)، هكذا يكشف الخطاب عن نظام أحكام القيمة لا أحكام الواقع، عن الداخل المبطن بالوجدان ، لا عن الخارج بحضوره الكثيف في مواجهة العقل، عن أشواق حرية الداخل للانعتاق، لا عن تطلعات الامة للحرية بوصفها عنوان الانعتاق من الاستعمار، وتحقيق السيادة والاستقلال الوطني، هكذا يفكك رئيف المنهجية المعرفية الكامنة وراء الخطاب الإيديولوجي القومي، من خلال الاستناد على وعي تاريخي للمسألة القومية، بوصفها نتاج فعل الواقع ونتاج انتقال من مجتمع الزراعة، إلى مجتمع الصناعة، ومن مرحلة التشتت والتذرير والتكسر المجتمعي ، إلى مرحلة الاندماج القومي من خلال الوحدة الاقتصادية التي حققها تقدم وسائل الإنتاج عبر الثورة الصناعية، وتوزع العمل في الإنتاج الوطني وربط كل الفروع من فروعه أوثق ربط، وما استدعى ذلك من ضرورة تسهيل طرق النقل والمواصلات .
كل ذلك ساعد على الإسراع في وحدة الثقافة والعادات وخلق الشعور الشامل بـ " الوطن الأمة " (16)
بتلك المنظومة العقلانية التاريخية النقدية كان يفكك رئيف منظومة " الوعي القومي " لتتكشف له عن إعلاء شأن العنصر النفسي الذي يبرز في جامعة الثقافة ، والذي يفضي بدوره إلى أوهام ذاتية عن نبوغ اللغة العربية ، وعبقرية الأمة، كل هذه المفاهيم إنما تتناسل من مرجعية واحدة ، هي مرجعية الذات والنفس والشعور، الداخل والجوانية، وهي لايمكنها أن تحقق تموضعا ملموسا في بنية وعي عقلاني تاريخاني للقومية العربية . (17)
تأسيسا على نقد المفاهيم النظرية للوعي القومي عند أبرز ممثليه ( قسطنطين زريق) يبني رئيف خوري عناصر وعيه القومي بوصفه وعيا تاريخيا، كونيا، عقلانيا، حديثا، ديموقراطيا، تنويريا. فيقدم رؤية ريادية للمسألة القومية ، تتمتع بكل المقومات التي تؤهلها لأن تكون معاصرة، ليكون الهم النهضوي في صلب إشكالية التأخر بمستواها النظري والفكري والإجتماعي والثقافي والسياسي.
لكن رئيف الذي كان يعيش مرحلة صعود الجيل الثلاثيني الثالث، كان منخرطا في زمن تاريخي فتّي صاعد، زمن الأربعينات، ولهذا كان منكبا على كتابه تاريخه هذا فكتب الشعر، والقصة والمسرحية، والتأريخ الادبي والدراسات النقدية، والمقالة الصحفية والأبحاث النظرية والفكرية والثقافية والسياسية، فالثقافة العربية كانت بحاجة إلى الولادة في صور ثقافية عقلانية ديموقراطية ذات وعي تاريخي كوني حديث ومعاصر، قادر على الخروج، إلى فضاء العصر، فطفق يرسم لوحة لهذه الثقافة الوطنية الوليدة ، متقصيا ملامح تشكلها ، وحركة سيرورتها وصيرورتها منذ البدايات، من خلال تقصي أشكال تكون الوعي التاريخي بوصفه وعيا حديثا و تحققه في وطنيته بمقدار تحققه في كونيته.
لقد حقق ذلك في كتابه الريادي (الفكر العربي الحديث أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي).
لم يكن رئيف يلتفت إلى أهمية حضور فكر وثقافة و وعي النهضة في مجرى حياتنا الفكرية والثقافية ، لكنه ربما كان الاول الذي صاغ مفهوما نظريا لتموضع فكر النهضة في ثقافتنا الوطنية ، بمثابته " القاعدة الأساسية لثقافتنا المعاصرة " وإدراكه الجدلي التاريخاني بكونها نتاج اصطدام سيرورة الداخل ( المحلي – التقليدي – ما قبل القومي ) بالكوني من خلال التوسع الاستعماري، والطابع المتناقض لهذا التوســع. (18)
وهو يلتقط هذا التناقض في أول نص يوجه إلى العقل العربي ، وهو نص منشور نابليون الموجه إلى الجمهور المصري بعد الفتح النابليوني حيث يقول:
"هز الفتح النابليوني جوّ الجمود الذي كان مخيما على مصر ، فنهضت فيما بعد أيام محمد علي بك الكبير نهضة سياسية عسكرية ، صناعية ثقافية ، وأخذت من عهد نابليون تتجه الميول الثقافية المصرية إلى الارتشاف من ينابيع فرنسية ، حتى كان زمن محمد علي فقوى الترابط الثقافي بين البلدين وعززه التفاهم السياسي ، وأنفذ محمد علي البعوث العلمية ، فكانت تلك البعوث من أسباب الإطلاع على فرنسا الثائرة والمبادئ التحررية التي حركت شعبها إلى انتفاضات جبارة ثم كانت في مصر تلك القافلة من الأدباء والمفكرين من رفاعة الطهطاوي إلى طه حسين اليــــــوم "(19).
ويقوم رئيف بعرض وتحليل ، واستقراء أشكال التفاعل بين مبادئ الثورة الفرنسية وتلك القافلة من الأدباء والمفكرين الذين مهدوا للثورة الفرنسية من عصر النهضة حتى القرن الثامن عشر الذي يوليه عناية خاصة، بوصفه "عصر الأنوار" الذي آلت إليه ثمرة العقل الأوربي منذ النهضة الأولى، وهو في اختياراته واستبعاداته إنما يشغله القيم العقلية "القابلة للكوننة" أي لامكانية امتصاصها تاريخيا من قبل الخاص، المحلي، بوصفها قيما عقليا إنسانية شاملة ، فالخاص الذي يشغله يدفعه إلى نوع من التصنيف القابل للاستجابة للواقع العربي وحاجاته، أي مايمكن أن يستلهم من الكوني في صياغة وعي مطابق بالمحلي، وأحد أمثلة ذلك، تركيزه على آراء ( مونتسيكو) نظرا لما تمثله من أهمية تاريخية للمجتمع العربي الذي لم تنتظم به بعد هياكله الإدارية والقانونية التي تتيح الأساس لتشكله في "هيئة الدولة" ويشبه دور (مونتسيكو) بدور (ابن خلدون) في كونه اكتشف في التاريخ عوامل أساسية تجعل من حوادثه ظاهرات مفهومة لا صدفا واتفاقات .
لقد نظر إلى التاريخ " نظرة عقلية " ورده إلى عوامل تتصل بالبشر ومحيطهم لا إلى أسباب خارجية ، كما وردّ إلى العقل الإنساني الشرائع والقوانين باعتبارها مظهرا من مظاهر التاريخ (20)
ثم يقوم باستعراض وتحليل وانتحال وتصنيف آراء وأفكار الموكب من الأدباء والمفكرين والمصلحين والقادة الثائرين ( الأفغاني – الكواكبي – المراش – النديم – اسحق – الشميل – الريحاني – وجبران ) ليخلص إلى :
- إن تاريخنا الفكري في مطلع نهضتنا الحديثة ، يباهي بصفحات نيرة لرجال متعمقين جريئين .
- هذا الموكب الفذ لم يبتر ما بينه وبين الماضي ، ولم يقطع مع الحاضر ، ولم يتغلق في " صوامع وأبراج " .
- لقد شخصوا إلى القديم وتعلموا ، وأطلوا على العالم وتفقهوا ، ونظروا في أحوال وشؤون حاضرهم ، فطلعوا من ذلك كله بلواء نقشوا عليه مطامح وأماني الأمة ، أما هذا اللواء فهو " الوطنية " وأما المطامح والأماني ، فهي ( الحرية والرقي ) .
- هذه " الوطنية الحديثة " ولدت في حضن ( الشورى والديموقراطية ) واتجهت إلى الشعب.(21)
بين تاريخانية طه حسين وبنيوية الجابري :
بدأ المشهد الثقافي العربي يشهد منذ ثمانينات القرن الماضي ولادة ظاهرة الانقلاب على الوعي التاريخي ، باتجاه وعي بنيوي سكوني حداثي ( فينومينولوجيا – سيمولوجيا – ابستمولوجيا – ما بعد الحداثة – تفكيكية ... إلخ )
لقد سبق لنا في بحث سابق أن قمنا بعقد مقارنة بين تاريخانية طه حسين وبنيوية الجابري ، الأول كأبرز ممثل لليبرالية النهضوية العربية ، وأول المهتمين بالتأسيس للوعي التاريخي ،وذلك بوصفه العربي الأول الذي ينجز كتابا عن ابن خلدون، الأب المؤسس لعلم الاجتماع من منظور الوعي التاريخي. والثاني كأول من وضع مشروعا متكاملا عن نظام التفكير العربي من خلال المنهجية الحديثة (البنيوية في اشتقاقاتها السيميولوجية والتفكيكية)، وقد قادتنا هذه المقارنة، بعد الدراسة التحليلية لرؤية ، الاثنين ، إلى أن تاريخانية طه حسين أنتجت وعيا مطابقا بواقع الفكر العربي تاريخيا ، بينما قراءة الجابري البنيوية ، أنتجت لنا تصنيفات للفكر العربي ليس وفق سياقه التاريخي ، بل وفق الترسيمات المسبقة التي ترغم الواقع على التكيف مع حاجات النموذج النظري المسبق .
ومظهر ذلك – باختصار– أن العقل عند طه حسين عقل كوني واحد محكوم بمبدأ التشابه الخلدوني الذي يفضي إلى الوحدة العقلية للجنس البشري ، وتباينه يعود إلى ما تختلف عليه الظروف التاريخية ، فليس هناك " عقل عربي " و " عقل أوربي " ، فهما ليسا نسقين متناظرين لا يلتقيان ، فإذا كان العقل العربي يغلفه ضباب الرؤيا الشعرية ( الميثية ) ، فإنما مر اليونان في هذه المرحلة في طور بداوتهم ، قبل أن ينتقلوا إلى العقل الفلسفي ( اللوغوس ) وتتبدى الأهمية النظرية لاستقراء طه حسين وتأسيسه لترسيمة شعر / فلسفة من خلال ما تحققه من وظيفة عقلانية في انتاج وعي مطابق لتحديات الواقع المعاصر فيما هو عليه ، وحاجاته إلى التغيير والتقدم :
1- الشعر في مرحليته ( الشفهية والكتابية ) أكثر تمثيلا للبنية اللاشعورية في الوعي العربي، والكامنة وراء تاريخه الثقافي، أكثر من الفلسفة الإسلامية التي لا تحتل إلا ساحة من ساحاته، وهي ساحة النخبة العالمة. فالشعر إذن هو عنصر الثبات الوحيد الذي يتمتع بحضور عياني تتمحور حوله الثقافة العربية حتى اليوم دون تأول أو استنباط يلوي العقل للاستجابة لترسيمات مضطرة للسكوت عن الحجم الاكبر من التراث العربي، كما فعلت مصفوفة الجابري . فالعمود الشعري ببناه الخارجية (عروض – تشطير – قافية) لا يزال حتى اليوم قائما، راسخا دون منازعة جدية من الشعر الحديث، وتماما كما أسلمه الأعرابي للشاعر الإسلامي فالأموي فالعباسي ، وهكذا هبوطا حتى اليوم على حد تعبير ابن رشيق. فإذا كان العقل قد أنتج هذا النظام ، فإن هذا النظام قد رد له هذا الجميل فراح العقل ينتظم فيه وفق ثوابته ومبادئه النظرية التي تشغل ساحة التراث أضعاف ما تشغله الفلسفة الإسلامية .
2- طه حسين في وضعه لهذه الترسيمة التاريخية، فإنه كان يتوزعها مع أحمد أمين ، إذ أخذ الشعر وتاريخ الأدب لينتج من خلاله معادلا ثقافيا لتاريخ الفكر العربي الذي كان على أحمد أمين أن ينجزه من خلال تأليفه لثلاثيته عن (فجر وضحى وظهر لإسلام) ، والتاريخ السياسي الذي تكفل به عبد الحميد العبادي ، وفقا لإتفاق المتنورين الثلاثة الكبار ؟.هكذا كان يتأسس المشروع النهضوي في رؤية شمولية تاريخية لا تبتر ولا تشطر ، ولا تستبعد جانبا
وتسكت عن جوانب.
3- طه حسين لم يكن يريد أو يدعو إلى قطيعة ابستمولوجية ، أو ثقافية أو أدبية مع التراث ، كما تدعو نهاجية الجابري ، بل أراد أن يجدد مناهج الرؤية لهذا التراث للكشف عن قيمه الفكرية والجمالية بعد أن عافتها الأجيال الشابة ، بسبب تضييع المناهج القديمة لها وعجزها عن اكتشاف عناصر الحياة فيها ، فقتلتها بالتكرار ، والشروح ، وشرح الشروح والعنعنة ، وعلى هذا فهو بتقديمه لكتاب صديقه وشريكه في مشروعه الفكري أحمد أمين في فجر الإسلام ، يبادهنا بوضوح أنه يريد استعادة وعي أجيال الامة لتاريخها الثقافي بعد أن راحت تنصرف نحو الثقافة والآداب الأجنبية ، فهو لا يريد أن يقطع ، ولا يزعم أنه يؤسس لعقل جديد من خلال البحث التراثي ، بل ببساطة يريد أن يكون التراث حيث يجب أن يكون، أن يتموضع في العقل في حدود ما ينبغي على عقل الأمة أن تحتفظ به من مقومات الهوية، والذات الحضارية للأمة، دون ضوضاء وضجيج وصخب عن أهمية استثنائية لهذا التراث، ولا ردود فعل تبخيسية نحو قيمته ، كما يحدث في ربع القرن الأخير مع الانقلاب على الوعي التاريخي. فالرجل يتحرك في بهو التاريخ الثقافي والفكري والأدبي ، وكأنه يتحرك في بيت أبيه، ليس بحاجة لاثبات حقه فيه ، ولا لأحد الحق في تشكيكه بهذا الحق ، دون عقد الأصالة أو المعاصرة ، والتراث أو الحداثة . إنه الحس التاريخي السسليم المعافى الذي لم يكن حسه السليم هذا في ثقته بالتقدم والعقل ، ليتوقع كل هذا التأثيم الذي لحقه ولحق جيله النهضوي ، التأثيم الأصولي ، والتأثيم الحداثوي .
4- الانتقال من الشعر إلى الفلسفة ، هو انتقال إلى النثر ، نثر الحياة المدنية بجوانبها المتنوعة ، نثر الحرية ونثر الحوار والديموقراطية ، نثر سياسة لا تقوم على الواحدية بل على التعددية، فانتقال اليونان من بداوتهم الشعرية ، إلى مدنيتهم العقلية الفلسفية ، ليس إلا معادل انتقال إلى المجتمع المدني ،والخروج من التراث إلى التاريخ ، وذلك هو التحدي العقلاني الرئيسي للزمن الثقافي العربي تجاه مشكلة التقدم ، فالاستعمار هو في أساسه عملية منهجية لإخراجنا من التاريخ وأدخالنا نهائيا في التراث ، فكان أول من اهتم بطرح التراث كمفهوم وكموضوع للبحث هم مفكرو الغرب المتمركز على ذاته ولكي نستجيب للتحدي ونخرج من هذا المأزق ، فلا بد من الانفصال عن التبعية والتخلف معا(22) .
الأنا / الآخر / اسقاط البعد الكوني للوعي التاريخي :
إذا كنا قد لحظنا خلال استعراضنا لبعض محطات الوعي التاريخي ، أن البعد الكوني هو عنصر ضروري لاستكمال هذا الوعي لمنظوره لذاته من خلال جدلها الذاتي الخاص ، مع الموضوعي العام الكوني ، فأننا سنجد في الآونة الأخيرة إلحاحا على اسقاط البعد الكوني ، بل واعتباره هو مأساة الوعي التاريخي للأمة بهزائمها ، فيتم رفضه بكليته ، وليس رفضا للجانب الاستعماري فيه .
طبعا إن الهجوم على الغرب، ونقده –كان دائما- من موقع رفض الغرب الاستعماري العسكري والاقتصادي أو السياسي، ولكن هذا الهجوم باسم السؤال الثقافي، والخصوصية، والأنا الثقافية أي باختصار ، كما يخلص جورج طرابيشي في مجلة القنطرة بالفرنسية إلى رفض الغرب كحامل للحضارة.
فمحمد عابد الجابري يدعو إلى " الاستقلال التاريخي الشامل للذات العربية ، انطلاقا من أن اشكالية الأصالة والمعاصرة " هي إشكالية نظرية يميل استقلالها النسبي عن الواقع نحو المئة بالمئة ، فهي بالتعالي مشكلة (فكرانية) لاعلاقة لها بالواقع ، بل إن العقل يتداولها في نسقه التداولي المغلق ، يطرحها كإشكالية ، ثم يصبغها كنظرية من وراء ظهر الواقع/ المجتمع فإن هناك من يدعو صراحا لإعلانها حربا، فحسن حنفي يعتبر الفكرة القومية ذاتها "أثر من أثار التغريب" وأن الاستعمار هو الذي حمل الفكرة القومية إلى خارج أوربا " كي يسيطر بها على الشعوب غير الأوربية ، وأن الغرب هو الذي " نشر الفكرة القومية من طريق الإرساليات والمدارس الاجنبية ، خاصة الشام ولبنان ، وتعليم أبنائه وتربيتهم على الفكرة القومية ، سلخا لهم عن الأمة الاسلامية".
وطيب تيزيني، يمضي مساهما في إدانة الفكر العربي الحديث، وذلك من خلال موقف هذا الفكر من التراث، فيراه ينشعب في ثلاثة شعب (السلفوية – العصروية– التلفيقوية) ومن الموقع نفسه، موقع اتهام الفكر العربي بـ"الفكرانية" والحكم عليه بالإخفاق المتمثل في عجزه عن إنتاج وعي مطابق لزمنه التاريخي، ومفارق في حركته الثقافية لتاريخه الواقعي، حيث يدمغ بالتغريب والتبعية وفتح الأبواب للأجنبي للسيطرة والهيمنة الفكرية والثقافية على حياتنا الاجتماعية والثقافية، نقول : يمكن في هذا السياق إدراج أطروحات كثيرة تعبر عن وعي ارتدادي يبلغ درجة الحنين المرضي إلى العصر الذهبي.
أمّا محمود أمين العالم في كتابه (الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر) فيرد على أطروحة العروي، ويرى أن في مقدورنا أن نعود بفكرة الشيخ محمد عبده إلى الفكر المعتزلي ، وبالاتجاه الليبرالي العقلاني للطفي السيد إلى الاتجاهات الأرسطية العربية القديمة عند فلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن رشد ، وبفكر سلامة موسى العلماني إلى ابن خلدون وابن هيثم وجابر بن حيان .
ويخلص العالم إلى أن هذه التيارات الثلاثة هي ثمرة أوضاع اجتماعية وعربية في ذاتها ولذاتها ، وقد تشكلت هذه التيارات الثلاثة على أرض تراث عربي قديم ، وعلى أرض واقع اجتماعي وفي إطار ملابسات عالمية وتاريخية ، ويرى أنه قصور ميكانيكي، أن ترد الايديولوجيا العربية بتياراتها المختلفة إلى تأثير واحد أو مؤثر واحد ، هو الحضارة الأوربية ، بل هي نظرة مثالية أن تنتسب هذه الايديولوجيا إلى واقع اجتماعي غير واقعها " .
وقد تبدى هذا الخط من خلال المساهمات النظرية لسمير أمين "نحو نظرية الثقافة" وجورج طرابيشي "المثقفون العرب والتراث" ونصر حامد أبو زيد "التفكير في زمن التكفير" و مساهمات كمال عبد اللطيف.
في تسعينات القرن الماضي، بدأ إيقاع آخر مضاد في سلسلة علاقة التوتر الحضاري بين (الأنا / الآخر)، إيقاع فيه شجن وشكوى يعكس وجها مقلوبا لعلاقة (المرض بالآخر) إذا صحت الاصطلاحات (العلم نفسوية) لجورج طرابيشي، ويتشخص هذا الوجه في الانتقال من الدعوة إلى (رفض الأنا للآخر) إلى إدانة الآخر بأنه هو من يرفض (الأنا)؟ لا وفق مقاييسه ومعاييره وتصوراته المسبقة عن الشرق، أي شرقنة الشرق التي كشف عن مظاهرها وسماتها منذ أواخر السبعينات ادوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق" ، هذا التشكي والتوجع والمرارة من رفض الآخر للأنا تمثل في عدد من الأعمال الهامة لعدد من المفكرين العرب المغاربة (محمد أركون ، هشام جعيط ،محمد عابد الجابري) ، موضوعها الرئيسي الاستنكار على الآخر الغربي عدم فهمه الظالم للأنا (العربي/ المسلم)، وهي استمرارية لروح النقد للاستشراق الذي دشنه ادوارد سعيد. وهو الموقف نفسه الذي يعبر عنه محمد أركون ، أنه لم تفده كل الإنجازات الحداثية على مستوى إغناء منظورات مناهج البحث التي علمها في السوربون ، والتي كانت تسبب له الكثير من العنت. أما هشام جعيط فيرى في كتابه ( أوربا والإسلام) أن الآخر نسج شرنقة لذاته مؤسسة على مجموع من "الأحكام القروسطية حول الإسلام" حيث يقدم الإسلام وفق هذه المنظورات بوصفه "كلية ثقافية" وذلك منذ رينان الذي يرى في العالم الاسلامي (عالما فاسدا) لا يستحق العناية، وصولا إلى اثنولوجيا كلود ليفي ستروس الذي يرى في الإسلام الهندي (حاجزا أبديا قطع العالم إلى نصفين وحال دون تواصل الغرب المسيحي مع البوذية، وذلك في كتابه "المدارات الحزينة" . وفي المآل تصوير الكلية الإسلامية بوصفها طبيعة انتولوجيا ، مضمونه الأساسي (الوحشية والطغيان والعبودية والتعصب والعنف)
ويقوم محمد عابد الجابري في منتصف التسعينات بنشر كتاب "مسألة الهوية: العروبة والاسلام والغرب " بالحملة على الغرب من خلال النغمة ذاتها ، نغمة الشكوى والتأسي وذلك من خلال اتهام الغرب باحتكار التاريخ مثلما احتكرت البابوية من قبل " العناية الإلهية " فأحل الغرب التاريخ محل الله ولا يفوته أن يهاجم بعض المثقفين العرب بأنهم " عملاء حضاريون للغرب بوعي منهم ومن دون وعي " .
لا بد من التنويه في الخاتمة إلى سؤال، أليس الانكباب على الماضي بوصفه الإشكالية المركزية المطروحة على مستقبل العرب، شكلا من أشكال الرضى بقسمة الغرب ،وهي أن يستحوذ الغرب على التاريخ ويترك لنا نحن العرب المسلمين البحث في مطاوي التراث، وبوصف هذه الخصوصية ، طبيعة ثابتة ، جوهرانية.؟
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××