تحديات الألفية الجديدة

وآفاق التنمية الثقافية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سميح شبيب*

  

    بالتعاون ما بين جامعة بيرزيت، دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية، ومركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، انعقدت ندوة الثقافة في الوطن العربي في عمان، خلال الفترة ما بين 19 ـ 21 كانون الثاني 2001، وذلك بحضور زهاء أربعين باحثاً ومفكراً ومهتماً بالشؤون الثقافية في العالم العربي.

     خصص مساء اليوم الأول من أعمال الندوة [19/1] لجلسة افتتاحية، تحدث خلالها المفكر الفلسطيني هشام شرابي، مؤكداً على أهمية التواصل الثقافي العربي، وتلاقي مفكريه من مختلف التيارات، للوقوف على مستجدات الوضع، وتفاعلاته الدولية. وتم تخصيص اليومين التاليين من أعمال الندوة، [20 ـ 21/1] لثماني جلسات دراسية. توزعت على المحاور التالية: الانتفاضة الفلسطينية الثانية (نقاش مفتوح)، دور الثقافة في مواجهة التحديات أمام العالم العربي في القرن الحادي والعشرين؛ العلمانية والتدريب في العالم العربي في القرن الحادي والعشرين؛ وقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي في الدولة العربية المعاصرة.

      تم تخصيص محور خاص للانتفاضة، في ندوة الثقافة في الوطن العربي، نظراً لحيوية تلك الانتفاضة، ودورها البارز في الحياة السياسية والثقافية الفلسطينية خاصة والعربية عامة، وتخلل تلك الجلسة مداخلة بعنوان "عِبَر من الانتفاضة"، قدمها د. جورج جقمان، عميد الدراسات العليا في جامعة بيرزيت، وتضمنت ثلاثة محاور، عُني الأول منها، بالعلاقة بين الوطني والديمقراطي في مضمون الانتفاضة. والثاني بالعلاقة الممكنة في المستقبل ودور إسرائيل في الوطن العربي. وخلال استعراض المحور الأول، أكد المحاضر، على أن الانتفاضة كشفت ثغرات عدة سببها بنية النظام السياسي الفلسطيني من جوانبه الإدارية والقانونية والسياسية. وبسبب غياب "المأسسة" فيه بان بوضوح شلل عدد كبير من الوزارات وعدم وضوح دورها.

    وعبر المحور الثاني، تساءل المحاضر: هل يعني إنهاء الصراع التخلي عن ركيزة أساسية للهوية لفلسطين وعلى وجه الخصوص في غياب الحل العادل. مؤكداً على أن قضايا الوضع الدائم، كما أسمتها مصطلحات مسار أوسلو. فالأمر مختلف كل الاختلاف. وعليه إما أن الصراع لن ينتهي باتفاق، أو إن تم الاتفاق، فإنه لن ينهي الصراع. وفي المحور الثالث. أكد المحاضر، على أن مشروع إسرائيل التكاملي في الشرق الأوسط، الذي يلزمه إنهاء الصراع مع الحكومات، وإيجاد حل ما للقضية الفلسطينية هو مشروع مع وبين نخب اقتصادية وسياسية وفكرية.

     وتلاها نقاش مفتوح شارك فيه، فيصل حوراني، إصلاح جاد، ألبرت أغازريان، سمير قضماني، حسن حنفي، حسين عبد الرازق، دلال البزري، عبد الغفار شكر، عبد الكريم البرغوثي، عزمي بشارة، غسان الخطيب، فريدة النقاش، فواز طرابلسي، كمال عبد اللطيف، هشام شرابي، الأمر الذي أغنى المداخلة، بمشاركة عربية عميقة ورصينة في آليتها.

     وفي ختام الجلسة، تقدم الأستاذ غسان الخطيب باقتراح صياغة ورقة بسيطة يوقع عليها الجميع يكون فيها نوع من الرسالة من هذه الندوة وتوجه إلى المثقفين العرب إلى الشعب العربي وإلى القوى الوطنية العربية، والرأي العام العربي، رسالة فلسطينية عربية من جمع يتضمن أسماء محترمة ولها تأثير كبير جداً على الجمهور من ناحية تتوجه إلى الرأي العام العربي ومن ناحية تعطي نوعاً من التشجيع والأمل للشعب الفلسطيني، ومن ناحية أخرى توجه رسالة إلى الأنظمة العربية فيما يتعلق بموضوع التطبيع وغيره.

     وفي الجلسة الثانية من اليوم الأول، تم التطرق إلى دور الثقافة في مواجهة التحديات أمام العالم العربي في القرن الحادي والعشرين، وترأس هذه الجلسة مصطفى حمارنة، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، حيث قدم محمود أمين العالم، مداخلة بعنوان: الدولة والثقافة والعولمة في الواقع العربي المعاصر، أكد خلالها أن الثقافة هي الحاضر مسكوناً بالمستقبل وأنها تمتد لتتسع لمختلف الفعاليات البشرية في المجتمع، أنها الرؤية الشاملة للعالم، وهي الخصوصية الإنسانية بامتياز، هناك تعارض تاريخي بين السلطة، وثقافة السلطة. العلاقة بين السلطة والثقافة تتخذ تجليات مادية ومعنوية متعددة المستويات.

 الثقافة تعاني عموماً في العالم العربي من التخلف

    تلاه عزيز العظمة، بمداخلة تحت عنوان: "مفهوم الثقافة"، الثقافة الدينية، الثقافة القومية، الثقافة الشعبية، ملاحظاً من خلالها، أن المفاهيم الدينية في السياسة، ليست محاثية للثقافة السياسية المفردة للشعب. بل أنها تنم عن أدلجة سياسية للدين في سياقات أوسع بكثير من سياق الدين نفسه. ولا يصح الدين جماهيرياً إلا عندما يلتصق بإصلاحية الدولة المتمشيخة أو بفاعليات الأحزاب السياسية الدينية.

     واختتمت الجلسة الثانية من اليوم الأول، بمداخلة قدمها عزمي بشارة، بعنوان مستقبل الثقافة القومية في العالم العربي في عصر العولمة.

     أكدت مداخلة بشارة، على أن الثقافة أشمل من الهوية، وأن البعد الثقافي في الثقافة القومية العربية هو الأكثر نشاطاً والأكثر واقعية لغياب مقومات الثقافة الأخرى، وأن العامل الأساسي في إنتاج الثقافة القومية هو الدولة. وفي غياب دولة قومية يصبح المقوم الثقافي في الثقافة القومية هو الغالب. وأن هناك علاقة متشنجة بين القوميين العرب والعولمة، على اعتبار أنها مؤامرة تستهدف الأمة العربية.

          في غياب المؤسسة (الدولة) القومية العربية، والحركة القومية العربية، وانعدام ارتباط الثقافة القومية بالواقع القومي فهذا يفضي إلى انبعاث التشنج، فالخاص يحاول نفي العام والتقوقع خلف الخصوصية.

          في الجلسة الثالثة من اليوم الأول، تم استكمال محور الثقافة في مواجهة التحديات أمام العالم العربي في القرن الحادي والعشرين، ألقت خلالها دلال البزري، ورقة بعنوان: "هل نعبر العولمة سالمين؟!" تناولت الورقة باختصار تفكيراً أولياً حول أيديولوجية العولمة، وما تتضمنه من مخاوف مستقبلية على الثقافة الوطنية والقومية، تلاها مداخلة هديل غنيم، بعنوان: "مظاهر التطور الثقافي لدى الأجيال الجديدة في العالم العربي في عصر العولمة". استعرضت من خلالها، أرقام ووقائع سبق وأن تابعتها الباحثة ميدانياً، وبشكل مدعم برؤية علمية، لتتوصل إلى جملة مؤشرات تدلل على عمق واتساع المخاطر المستقبلة في ظل ضعف وتراجع الثقافة الوطنية والقومية.

اشتمل اليوم الثاني، على جلستين: الرابعة والخامسة، تضمنت الجلسة الرابعة، مداخلة فريدة النقاش، بعنوان: "المواطنة... بين الدولة الدينية والعلمانية" مستنتجة "أننا الآن في أشد الحاجة لتأكيد مشروعية التفكير من خارج الدين وحماية حق التفكير على هذا النحو دستورياً وتأسيس المرجعية العالمية لحقوق الإنسان والمواطن كمرجعية أشمل دون أن تكون خصوصيتنا عائقاً، فالإنسان هو الإنسان رجلاً كان أم امرأة، أسود أم أبيض، مؤمناً كان أم غير مؤمن".

          تلا ذلك محاضرة حسن حنفي، بعنوان: "الإسلام والعولمة"، مؤكداً أن ليس هناك ما يسمى بالعولمة الإسلامية حرفياً، لكن الإسلام عندما انتشر أفرز أكبر عولمة ثقافية حضارية ليست اقتصادية عرفها العالم في العصور القديمة.

          العولمة الإسلامية لم تقسم على أساس السيف، أو الاقتصاد، وإنما قامت على قيم حضارية.       وهذا ما يندرج عن عملية التوحيد: البشر كل واحد والأسرة واحدة، والمجتمع كل واحد. التوحيد أحد أشكال الانتشار في العصر القديم، دون الوقوع في مطب الهيمنة، والعنصرية، والتمييز.     والفتوحات الإسلامية تعبر عن توجه سياسي عولمي لجعل العالم قرية واحدة.

   الإسلام حالياً بانتشاره عالمياً يمثل نوعاً من العولمة. لا توجد حضارة احترمت حضارات الشعوب الأخرى كما فعلت الحضارة الإسلامية، كما استلهمت الكثير من معالم تلك الحضارات، واستعارت منها مفاهيمها وصاغتها برؤى جديدة. استوعبنا الآخرين كما استوعبنا الآخرون.

  الحضارة الغربية قامت على أكتاف الحضارة الإسلامية، فالعقلانية الإسلامية كانت مصدراً رئيساً للعقلانية الغربية. وكذلك كثير من الاختراعات.

العولمة الغربية

          الفكر والثقافة العربية مشغولات بشرح مفاهيم قائمة ليست من إبداعنا.

     العولمة رأسمالية تعيد إنتاج نفسها، وتعتمد على منطلقات الهيمنة: استعمال القوة العسكرية في حالة التمرد، تعميم النموذج الاقتصادي للسوق، المفهوم جديد، لكن المضمون قديم، هناك مفاهيم رديفة للعولمة، تتضمن تعزيزها نهاية التاريخ، قيم الاستهلاك، السوق، الربح، المعلوماتية.

العالم قرية واحدة

          زادت العولمة الفرق الشاسع بين الأغنياء والفقراء. هناك مفاهيم تروج مع العولمة الإدارة العليا، وكأن الدول لا تملك سيادتها.

          المجتمع المدني بديلاً عن الدولة، الأقليات، حقوق الإنسان، صراع الحضارات، لإشغال العالم بقضايا ثقافية والاستيلاء على الاقتصاد، العرب يضعون أنفسهم في سياق لا يتلاءم معهم، فهل نحن فعلاً في الألفية الثالثة؟ لقد خرجنا حديثاً من الاستعمار... ونحن في بداية عمل البناء.

إن التأريخ وعي تاريخي، ولكل شعب وعيه الخاص. التحدي الكبير ليس أخذ المفاهيم الطعم، بل أن تحلل في أي مرحلة من التاريخ أنت تعيش، من هو الوعي التاريخي لدي؟

          لدي ماضٍ ثقيل أريد التحلل منه، لا أريد الهرب من الماضي إلى المستقبل أو العكس، الكل يعتقد نفسه لا يمتلك الحقيقة المطلقة، ينبغي اللجوء إلى البحث القائم على الطهارة الثورية والإخلاص.

          وفي الجلسة الخامسة من اليوم الثاني، تم استكمال محور العلمانية والتدين في العالم العربي، قدم كمال عبد اللطيف، مداخلة بعنوان: "من العلمانية إلى إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي، حاول خلالها إبداع مقالة حول العلمانية، الأمر الذي استلزم، بدوره، الاهتمام بالمحاور التالية: علمانية فرح أنطون: ملابسات السياسة والتاريخ، إعادة بناء مفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، سؤال العلمانية اليوم ومفارقاته، إعادة بناء مجال السياسي في الفكر العربي، ومن خلال هذا الاهتمام، يستنتج كمال عبد اللطيف، أننا في أمس الحاجة اليوم في العالم العربي، إلى فتح نقاش نظري عام، حول حدود ومجال السياسي في الفكر العربي المعاصر، "نقاش قادر على استيعاب متغيرات لحظتنا التاريخية بمختلف متغيراتها، بالوسائل الأدوات النظرية المنهجية، التي تطورت في المعرفة السياسية المعاصرة، وهو الأمر الذي يمكننا من مجابهة أفضل لسؤال العلمانية في فكرنا المعاصر، ويجعلنا نفكر في المجال السياسي الذي يهمنا جميعاً، دون أن نكون قادرين على رسم نوعية العلاقات الممكنة بيننا وبينه، وذلك بحكم استمرار سيادة تصورات لا تعبر فعلاً عن بنيته ومؤسساته الفعلية والواقعية.

      تلا ذلك مداخلة رجا بهلول، بعنوان: هل الديمقراطية تستلزم العلمانية؟ تناول خلالها العلمانية والديمقراطية في الخطاب السائد، والمفهوم الإسلامي للديمقراطية وحكم الله أم حكم الشعب، والديمقراطية والتعددية والتسامح، مستخلصاً من تلك النقاط أن الديمقراطية الإسلامية هي إمكانية من حيث النظرية، حيث أنه لم يظهر ما يبين تهافت الفكرة منطقاً.

      وتناولت الجلسة السادسة في اليوم الثالث من أعمال الندوة، قضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي في الدولة العربية المعاصرة، قدم خلالها عبد الغفار شكر مداخلة بعنوان: أثر السلطوية في المجتمع المدني في الوطن العربي، تساءل خلالها عن وسائل العمل، لتجاوز إشكالية واقع مؤسسات المجتمع المدني، فأحد التحديات الأساسية التي تواجه المثقفين، وهي الانضواء تحت لواء مؤسسات المجتمع المدني، كطليعة ثقافية، تهدف إلى تجاوز العزلة وإعادة النظر في الحوار مع السلطة، والالتفاف أكثر للقواعد الشعبية.

      تلا ذلك، مداخلة حسين عبد الرازق، شارحاً خلالها مفهوماً عن الديمقراطية، وعوامل تبلورها المتجسدة في قوة الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية، ودور الأحزاب الاشتراكية في أوروبا الغربية، والتحدي الذي مثله قيام الاتحاد السوفيتي أيديولوجياً واجتماعياً، مستعرضاً على ضوء ذلك تجربة الديمقراطية العربية، ومن ثم مصر كأنموذج. وفي ختام تلك الجلسة. قدمت هويدا عدلي، مداخلة حول دور المجتمع المدني في تعزيز التوجيهات الديمقراطية. وفي الجلسة السابعة الأخيرة من اليوم الثالث، تم استكمال محور قضايا الديمقراطية والتحول الديموقراطي، عبر مداخلة قدمها فواز طرابلسي، بعنوان: قضايا الديمقراطية في العالم العربي، وتحديات العولمة، استهلها بوصف للوضع الراهن ولماذا تم اختيار الديمقراطية، وما هي ضرورتها، مؤكداً على أن الديمقراطية هي اختيار الشعوب لقادتهم ومحاسبتهم في نطاق تبادل السلطة، وفي ظل دولة القانون والمساواة.

      وتأسيساً على ذلك، انتقل طرابلسي لتطور نمط الديمقراطية مجدداً من بدايات القرن العشرين، كحصيلة للتطور الرأسمالي، وصولاً لبروز مفهوم العولمة، وهو مفهوم اصطلاحي، يعني التطور الرابع للتطور الرأسمالي الجديد، وفي هذا التطور، فهو يجسد:

          - التوسع في السوق الرأسمالي الجديد بعد انهيار الاشتراكية.

          - سيطرة الكتلة النقدية بطريقة غير مسبوقة.

      - تفريغ الصناعات الغربية بحيث أعطى للعالم الثالث دوراً في عملية التصنيع، وهو تطوير أساسي للصيغة القديمة للإمبريالية. ويستخلص طرابلسي. أنه لا يمكن الاستهانة بالنضال الشعبي، منظماً أو غير منظم، فيما يتم حتى الآن، من إجراءات ديمقراطية على الصعيد العربي.

          تلا ذلك مداخلة مضر قسيس، بعنوان: "التحول الديمقراطي والعدالة الاجتماعية" مؤكداً خلالها، على الحاجة لإصلاح المناهج المتعلقة بالنظرة الليبرالية للديمقراطية، ذلك أن هنالك ضرورة لاستخدام نموذج الديمقراطية المباشرة فيما يتعلق بالديمقراطية، وربط مفهوم التعددية بمفهوم الشمولية. ليس مهماً كثرة الأحزاب. بل وجود أطراف تعبر عن أكبر عدد ممكن من الناس، ذلك أن اللامركزية تعني قدرة أكبر عدد ممكن من الناس للتعبير عن مصالحها. وهنالك تفريق بين مفهومين كانا متلازمين: الديمقراطية والحرية، وهنالك ضرورة للتمييز بين الحرية والليبرالية أيضاً.

تقييم عام

      حرص منظمو الندوة، اقتصارها على عدد محدد من الحضور، لم يزد عن أربعين مشاركاً، دون وجود صحافة ورجال إعلام، ذلك أن طبيعة الموضوعات المطروحة، وما تقتضيه من مناقشات واضحة وصريحة، الهدف منها تعميق الرؤية، ومحاولة الوصول إلى نقاط جديدة، كان يقتضي هذا النوع من الترتيب.

     وإلى ذلك نجحت الأطروحات النظرية في إثارة حركة جدل جاد وعميق تناول جوهر المسائل، دون مراعاة للأمور الاعتيادية والشكلية. كما ولحظ الحضور كافة، مدى أهمية التلاقي والتقابل الفكري في ظل الحوار الحر النزيه. كما وأجمع الحضور على أهمية استمرار هذا النهج، على اعتبار الندوة، نقطة بداية موفقة، قد يتوسع نطاقها، وتتالى جلساتها السنوية أو نصف السنوية.

      الجدير ذكره أخيراً، أن دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، وبالاشتراك مع مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، سيقومان بإصدار كتاب شامل، يتضمن أعمال هذه الندوة، من محاضرات ومناقشات.

          ما هي حدود إشكالية الكتابة عن قضية غير ناجزة منذ ما يقارب نصف قرن من الزمان... هذا إذا افترضنا حدوداً للإشكالية تبدأ منها وتنتهي عندها كتابة ما تتذرع بشرارة لتشعل بيدراً. من الصعوبة بمكان الإجابة عن السؤال في هذا الحيز الضيق، ذلك أن علاقة المبدع بالحالة التي يريد أن يعبر عنها كانت غالباً ما تخضع لشروط غير إبداعية وذلك بتأثير السياسة بمفهومها المتغير والمرحلي في مقابل قضية أرحب وأعمق تأثيراً من أي كلام يتماس مع حدودها. اللعبة هنا سريعة العطب إن لم يتم النبش تحت الرماد للبحث عن الجمرة أو الشرارة التي تسببت في إحراق البيدر وأصابع الكثير من المبدعين على حد سواء. الكلام لا يفترض أن كل ما كتبناه مآله إلى رماد يمكن أن يذروه الهواء والزمن إلا إذا كنا سنعذب أنفسنا بسؤال الغياب والحضور، ونصاب بالحيرة الأبدية إزاء الأسئلة المطروحة علينا كأناس يحاولون أن يستردوا ذواتهم بواسطة الكلمات والأحلام غير الكاملة.

          ولعل سؤال أوسلو غير المتوقع قد أربك كل الأسئلة السابقة، وأوجد حالة من الانقسام النفسي المؤلم إزاء مجريات الأمور وطموحات الذات المعذبة والقلقة بين الحلم والواقع.

 

          ومن الخطأ الاعتقاد بأن أوسلو كان بمثابة البرزخ الذي يمتزج فيه الماء المالح بالماء العذب دون أن يختلط أحدهما بالآخر.. ذلك أن الفصل بين مرحلتين هو عبارة عن تبسيط مخل للمعادلة المراد اصطناعها لإيهام المبدع بأن ثمة تحولاً منتظراً على صعيد التعاطي مع الحدث يتطلب تحولاً مماثلاً على صعيد الكتابة، في حين أن مثل هذا المطلب ليس أكثر من ترف وتسطيح قاصرين عن تلمس ورؤية تقاطعات اللحظة، تقاطعات الكتابة مع تراكمات الزمن المترسب في قرارة الحبر.

          وشتان بين كتابة تنشأ على ذريعة التقاطع (ولا أقول القطيعة) وكتابة تقوم على اعتساف الفصل غير الممكن بين الما قبل والما بعد.

          ولعل شيئاً من هذا القبيل قد أصاب الكاتب والشاعر في أوروبا عقب حالة الانهيار التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية مع فارق الأسباب والظروف الموضوعية التي أدت إلى هذه الحالة. وإن كان ذلك الوضع قد أفرز تيارات أدبية ومسرحية متمردة على الواقع الذي خلفته الحرب، وعبثية الحياة نفسها خصوصاً سوريالية أندريه بريتون والوجودية ومسرح العبث وغير ذلك. ولست أعتقد أن ما نواجهه في المنطقة سوف يصل بنا إلى هذا الحد من التمزق والضياع والجنون وإن كان لا ينبغي أن ندهش حين يلتقط إبداعنا الأدبي بوعي أو دون وعي شيئاً من ذلك. فبالضرورة أن الأمر أكثر صعوبة وتعقيداً في حياتنا الفلسطينية على مستوى الأدب والفن.

          أبطال الميثولوجيا يصطدمون بقدرهم لإعلاء شأن الخارق في الأسطورة. ماذا نفعل نحن سوى أن نصطدم بتضاريس المصير الحادة حسب تعبير الفيلسوف هيجل، ونتغلب عليها، وهي الأكثر واقعية وذلك من أجل اجتياز تقريرية العالم وهشاشة الحاضر إلى الكلمات والرؤى والإحساس الشعري بالكائن في صراعه مع التاريخ والذاكرة والأرض.

          أعتقد أننا في هذه المرحلة مطالبون بالكشف عن ذواتنا أمام عراء اللحظة الدرامية وما تنطوي عليه من عناصر الوعي الضدي إزاء اللحظة ذاتها لإنتاج دلالة مفارقة.

          لابد من إضافة شيء جديد وجذري ومختلف عما قاله السابقون في الشعر الفلسطيني، رؤية مختلفة بالضرورة تستشرف منحنى أوسلو دون أن تحيد أعيننا عن جسد التاريخ الرابض على سفوح الذاكرة. ذلك في ظني هو المعنى والحساسية فيما يتعلق بأية خطوة مقترحة لتخطي مستنقع البلاغة الموطوء إلى بلاغة النص الذي يتألف من تفاصيل اللحظة والمكان أو ما سماه د. محمد مندور الذي سبق الجميع في ذلك "فتات الحياة اليومية". فهذا النص هو الأقرب إلى روح الشاعر وشعرية الروح في قلقها وسخريتها وتمردها في عالم معقد وغير مستقر. وقد غدا ذلك اتجاهاً سائداً في شعر اليوم، حيث أن طبيعة المرحلة الانتقالية على مستوى الشعر تتمثل أو ينبغي أن تتمثل في مغادرة شعرية الإنشاد والوعظ والنبوة إلى نص مفتوح، نص تركيبي إذا شئنا تسميته، يستوعب رؤى وأصواتاً وجماليات جديدة من ناحية اللغة والتشكيل والبناء. شعر يحتفل بالمهمش والتفصيلي وليس شعر المعنى الذهني الذي يعتمد على الأفكار فقط دون أن ننأى بشعرنا عن مدارك القارئ الذي يمثل الطرف الآخر الحيوي في معادلة الفن "منتج ومتلقي".

          وفي ظني أن شعر هذه المرحلة هو شعر الأسئلة المطروحة على الأسئلة المتعلقة بنا كبشر وتاريخ دائم ومتواصل. فأوسلو ليس نهاية العالم ولا ينبغي أن يكون كذلك، وإن كان في رأيي يشكل نهاية قرن من الزمان اختلطت فيه أشياء كثيرة في الثقافة والسياسة والشعر.. إلخ. لكنه بالقطع لم يغير شيئاً في رؤيتنا لأنفسنا كبشر لهم هوية وتاريخ وعنوان وحلم وروح هائل يتخطى عتبة الزمن.

          ويبدو أن علينا كشعراء في هذه المرحلة أن نراجع أنفسنا طويلاً قبل أن نشرع في كتابة قصائد جديدة تستلهم هموم المرحلة وآفاقها الغائمة. ومن الأهمية بمكان القول بأن القضية الفلسطينية قد أوجدت نمطاً شائعاً في الكتابة أصاب الكثير من شعرنا بالفقر والشحوب، رغم غنى القضية الإنسانية التي يتكئ عليها هذا الشعر، وتراجيديا الحياة الفلسطينية نفسها.

          وقد لا ينسحب ذلك على الشعر بالمطلق وإلا وقعنا في التعميم الأجوف إذ نستطيع أن نميز القليل من الكتابات الشعرية التي تعبر عن حساسية وذائقة جمالية مختلفتين. وهذه الكتابات ما زالت تبحث عن الناقد الذي يمتلك أدوات أكثر جدة وحداثة بالنظر والتقويم النقدي لمجمل هذه النتاجات الشعرية وبالتالي تحديد موقعها على خارطة الشعر العربي الحديث.

          ملاحظة أخرى لابد من إثارتها لمقاربة صورة الشعر عندنا، وهي تتعلق بجانب ما زال لسبب أو لآخر غائباً عن واقعنا الثقافي. فالشاعر الفلسطيني سواء كان في الداخل أو في الشتات واجه حالة من الإجهاض لكثير من أجياله المتعاقبة طوال الثلاثين عاماً الماضية أو أكثر. فلم يتم الالتفات إلى تحديد ما يسمى بالمجايلة الشعرية على غرار ما يحدث في مصر وباقي الدول العربية "الستينيات، السبعينيات، الثمانينيات.. إلخ". وان كان هذا التقسيم لا يعني سوى الإشارة إلى اجتهادات متباينة أكثر مما يقصد به جيل كامل خلال كل عشر سنوات.

          ولا جدال في أن حالة الشتات الجغرافي التي عاشها الشعراء الفلسطينيون كانت سبباً كافياً لشتات شعري لم يقيض له أن يلقى اهتمام النقد به ومواكبته وإلقاء الضوء على أبرز أصواته وموجاته التي أعقبت مد الستينيات، والسبب وراء ذلك هو غياب حركة نقدية فلسطينية تستكشف وتقوم وتحدد ضمن منهج ورؤية، رغم وجود نقاد فلسطينيين اعتصم بعضهم بأسوار الجامعة ولم ينزلوا إلى الحياة الأدبية لمتابعة الكتابات الجديدة سواء في الشعر أو القصة والرواية، بينما لاذ بعض النقاد بالصمت لسبب غير معروف لي على الأقل (د يوسف نجم، د. إحسان عباس، فخري صالح.. إلخ) ولا نستطيع أن نعفي حركة النقد العربية من تحمل جزء من التقصير الذي لحق بأجيال الشعر الفلسطيني وبينهم من أثبتوا وجودهم على ساحة الشعر العربي إلى جانب مجايليهم من الشعراء العرب.

          الشعر الفلسطيني عندنا ليس جيلاً واحداً ولا اتجاهاً واحداً، وهذا أمر طبيعي، لكن الأمر غير الطبيعي أن هذه الاتجاهات المتميزة فيما بينها من حيث التجربة والرؤية واللغة ما زالت في حاجة للفرز والتقويم بعيداً عن الضجيج واليافطات الصحفية، وإغداق الأوسمة اللامعة.

          ومن المؤسف حقاً أن يخرج بعض الشعراء ليقولوا في الصحف العربية لا يوجد شعر فلسطيني بل منهم من يتمادى في تنصيب نفسه عرّاباً للشعر ووصياً على الشعراء الذين يجب أن يمروا من بين يديه إلى مهرجانات الشعر العربي، ويتصور هؤلاء أنه لم يعد بالإمكان أن يطلع شعراء جدد أو أن يجاورهم أحد مهما اختلف وتميز.

          وشتان بين هذا الموقف الغريب وما فعله الصديق الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي الذي أفرد كتاباً عن "أحفاد شوقي" أعاد فيه تقويم تجربة الشعر المصري (أو ما يعرف بشعراء السبعينيات) كما أعاد الاعتبار للشعراء الذين جاءوا من بعده وأثبت بذلك أن حركة الشعر لا يصنعها شاعر واحد أو أكثر بل تيار أو عدة اجتهادات من أجيال مختلفة. بل نجد أن الشعراء في مصر على سبيل المثال يحظون باهتمام من نقاد كبار من أمثال أدوار الخراط ومحمود أمين العالم ومحمد عبد المطلب وصلاح فضل وجابر عصفور إلخ. ويخوضون تجارب هذا الشعر ويكتشفون جمالياته وأشكاله بكثير من الأناة والتصحيح لمسارات الكتابة الشعرية وشروط إنتاجها.

          وكان نتيجة ذلك أن تشكلت رؤية عامة تستوعب مفهومات المغايرة والتجديد وتعمل جاهدة على حل بعض المعضلات المتعلقة بهذه الكتابة ومن بينها قصيدة النثر التي ما زال البعض ينظر إليها نظرة تشكك وريبة في جدارة انتمائها إلى الشعر.

          وأعتقد أنه فات أوان الدفاع أو الهجوم على هذه القصيدة. كما أرى أنه من الممكن أن تتجاور أشكال الكتابة تاركين الحكم للزمن دون اللجوء لإحداث هذا الضجيج الإعلامي الذي يطالب برأس قصيدة النثر لاعتبارها خارجة عن الوزن الخليلي الذي لا يعد المعيار الوحيد لشعرية القصيدة، إذ اتسع مفهوم الشعر ولم يعد محدوداً بالكلام الموزون المقفى كما في الماضي.

          لكن هذا لا ينفي القول بأن هناك دخلاء على هذه القصيدة، مثلما كان هناك دخلاء على قصيدة التفعيلة في بداية الخمسينيات والستينيات، وعلى النقاد أن يغربلوا أصوات قصيدة النثر ويتقصوا مشروعية وإمكانات هذه القصيدة للوقوف إلى جانب التفعيلة والعامودية، ربما بذلك نتخفف من صراخ الذين انتدبوا أنفسهم حقاً وباطلاً للمناداة باستئصال وإعدام هذا الشكل من أشكال الكتابة.

          ولا أريد أن أكرر دفاعنا عن جذور قصيدة النثر في أدب المتصوفة ونثر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفي كلام الله عز وجل.. إلخ. ويجب أن نتفق على أنه لا خلود لشكل من أشكال الشعر، وأنه علينا أن نكتب نصنا الذاتي الذي يعبر عن رؤانا وإحساسنا بواقعنا المعاصر دون أن نحيطه بالقداسة. وعلينا كذلك أن نقر بداهة أنه لا يوجد شعر دون حرية، ودون رغبة في العصيان والتمرد على مواصفات أدبية واجتماعية وسياسية في اتجاه خلق نظرة جديدة للإنسان. لكن التمرد على المؤسسة البلاغية لا يأتي من غير إدراك حقيقي لطبيعة المغايرة وتجاوز السائد في بناء قصيدة جديدة غير مقطوعة الجذور، وان كانت تملك زوايا نظر مختلفة للعالم والأشياء وأزعم ـ وربما كنت على خطأ ـ أنه هنا تكمن حداثة النص المفارق للقصيدة ذات الصوت الواحد وخاصة في شعرنا الفلسطيني. فالنثر خيار جمالي لإنتاج الشعر نفسه، وليس لإنتاج النثر العادي المنطفئ وهذا ما استقر عليه كثير من النقاد. فنتاج هذه القصيدة ما زال عند بعض الشعراء مرهوناً حتى الآن للارتجال والغموض الناجم عن اختلاط واضح بين مفهومي قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة من ناحية التقنية والمناخ والإيقاع. ولعل هذا أنتج قصائد متشابهة وغائمة، ومن شأن هذا التراكم الكمي أن يضع قصيدة النثر الفلسطينية والعربية كذلك موضع مساءلة نقدية غير موجودة أساساً، حول علاقة هذه القصيدة بالمتلقي ومجمل القوانين التي تحكم عملها، والأمر الأكثر غرابة هو مبالغة البعض في الكلام عن الحداثة وما بعدها قبل أن يجودوا شعرهم، ويبلوروا أصواتهم الخاصة حتى أصبح مصطلح الحداثة مع الأسف شماعة تعلق عليها الضحالة والخواء الثقافي والشعري.

          ثمة فارق بين مقلد للحداثة ومبدعها كما يرى خلدون الشمعة لكن وسط هذا الطوفان من القصائد النثرية تقع العين على بعض الشعر الذي يشي بشعرية موهوبة تحمل ملامح التجربة ورؤاها وطرائقها، وهو شعر قليل على أية حال.

          الشعر نقد للشعر.. صراع من الشعر وليس فقط ضد التقليد.. انه ضد شعر الآخرين، وضد شعر الشاعر نفسه يقول هنري "ميتشوفيك" الناقد الإنجليزي. وهذا يلفتنا إلى خطورة النمط الناجز في الكتابة إذ أن على القصيدة أن تقف ضد إعادة إنتاج المنجز الشعري الفلسطيني، لأن إعادة إنتاج المنجز خيار سهل على المواهب المحدودة، لكن الأصعب هو أن نبدع ذواتنا ونطور مفاهيمنا الفنية والجمالية ونضيف إلى السابقين. وكذلك علينا أن لا نرى في الفعل السياسي سوى انعكاساته العميقة داخل لحظة عابرة مستترة تحمل تناقضات حياتنا العاطفية هزيمة وانكساراً ضعفاً وقوة، شغفاً وخيبة، كما تستوعب وجودنا وصراعنا وتجاربنا في الحياة، ليس من مهمة الشعر والشعر الفلسطيني تحديداً أن يتحول إلى معادل للسياسة كما هو الحال فيما سمي بشعر الانتفاضة، وهو في اعتقادي شعر وأدب لم يكتب بعد، فمعظم ما كتب في السابق كان بداية طبيعية قد تكون مطلوبة مرحلياً للوصول إلى إنتاج ما هو أكثر اختماراً في الذات والذاكرة واللغة كذلك.

          يقول سارتر في كتابه "ما الأدب؟" 1946: "لم يخلق أدب المقاومة أدباً ذا قيمة، ولكن هذه التجربة، تجربة المقاومة، أشعرتنا بما يمكن أن يكون عليه أدب موضوعه عالمي ملموس".

          ويجب أن نتذكر دائماً أن أنضج الأعمال الروائية والمسرحية ظهرت آثارها بعد تحرير فرنسا من النازي بفترة طويلة نسبياً: رواية الطاعون لكامي 1946، الشيوعيون لآراجون 1946، رواية الحرية لسارتر 1950.. إلخ.

          وإذا كان الجانب الإنساني قد أهدر في السابق لخدمة الشعار والحماس والزعيق ضد الاحتلال فسوف استعير عبارة قالها أندريه جيد وهي: "إن الإنسان يمضي صعوداً حتى في طريقه المنحدر" وربما ينطبق هذا على حالنا بعد أوسلو. فثمة دهشة.. غربة.. انفصام.. هذا هو الطابع الأولي للمرحلة التي أعقبت أوسلو أو ما سمي سياسياً بالعودة إلى الوطن. لكن هذا لا يمنعنا من إعادة الجدل حول منجزنا الشعري والأدبي والثقافي عامة من بين أشياء كثيرة تحتاج إلى إعادة النظر في حياتنا الراهنة وذلك دون أن نبالغ في شغفنا وخوفنا من ارتقاء المنحدر حاملين صخرة سيزيف، محاذرين ألا تسقط على أصابع أقدامنا. 


* كاتب فلسطيني

 

گزينه ي مورد نظر خود را انتخاب كنيد:  
 
 
 
 
كاميار صداقت ثمرحسيني