العدد 62 جمادى الأولى(رمضان)-1425 هجري- تشرين الأول (أوكتوبر )-2004م    Issue62

[منبع]

العرب والإعداد للحرب

د. فوزي عبيدات

عمّان- الأردن

) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ اللّه وعدوّكم(

الأنفال : 60

مفهوم الإعداد للحرب :

لماذا تتسابق شعوب العالم في الإعداد للحرب..? ولماذا نحن العرب لا نولي هذا الشأن القدر اللازم من الاهتمام, مع أن ديننا الحنيف يرشدنا بوضوح تام إلى ضرورة إعداد أنفسنا لهذه الظاهرة المتكررة التي بدأت عندما كان عدد البشرية لا يتجاوز الأربعة أفراد بدأت عندما اختلف قابيل وهابيل.

فالخلاف هو حجر الأساس في نشوب الحروب, والخلاف ليس بظاهرة متكررة فحسب, بل هو ظاهرة دائمة الحدوث, وهذا يعني بأن الإعداد للحرب يجب أن يأخذ شكل الاستمرار, وهذا ما أشار إليه جلّت قدرته بقوله: (وأعدوا لهم...), ويبين لنا سبحانه أيضاً مستوى هذا الإعداد: (ترهبون به عدو اللّه وعدوكم), أي أن يكون إعدادنا بمستوى يرهب العدو ويمنعه حتى من مجرد التفكير بمواجهتنا, أو ما يسمى في هذه الأيام بالردع - خلق الشعور عند العدو بأنه لا يقوى على مواجهتنا, وبأنه سيكون المهزوم إذا فكر في ذلك.

ومع كل هذا الوضوح, ومع وجود أوقح وأفجر وأسفل عدو عرفته المسيرة الإنسانية, فإن أمتنا العربية لا تبدي القدر اللازم من الاهتمام في الاستعداد لمواجهة هذا العدو الخبيث.

تتضمن الأفكار المعاصرة في مجال الإعداد للحرب أن علينا أن نعد قوانا مع أخذ ما يتمتّع به العدو من مستوى, وما تفرضه طبيعة أرض ساحات المواجهة من تحديدات وتسهيلات, والمهام الرئيسة التي قد تسند لقواتنا المسلحة بعين الاعتبار.

فلو أخذنا بالعنصر الأول (وهو مستوى إعداد العدو لقوته) فإن القرآن الكريم يرشدنا إلى أن يكون مستوى إعدادنا يفوق إعداده(ترهبون به عدو اللّه وعدوكم) فلماذا يطبّق العدو ما ورد في القرآن الكريم ونحن لا نعير هذا الشأن ما يستحقه من اهتمام..? حتى أن الأدبيات العسكرية المعاصرة لا تتناقض مع ما ورد في القرآن المجيد, بل تتماشى مع ما ورد فيه بدقة, إذ تشير هذه التعليمات إلى أن علينا عند تنظيم أي قطعة عسكرية أن تكون من الكفاءة وحسن التنظيم والتدريب بحيث يكون بمقدورها أن تقاتل وأن تتغلب على قطعة عسكرية معادية بنفس الحجم, وبنفس نوع التسليح والمعدات.

أما طبيعة أرض ساحات المواجهة فإنها تؤثر على نوعية التسليح والمعدات الأخرى, كما أنها تؤثر على شكل مناورة وقابلية حركة هذه المعدات. وفوق هذا, فإن الأرض إما أن تمنحنا قوة طبيعية من حيث سيطرتها على مقتربات تحركات العدو وتوفيرها الحماية لقواتنا بالنظر لصعوبة وصول العدو إليها, أو أنها تكون منبسطة وتحتاج إلى جهود كبيرة لكي تتلاءم مع المتطلبات العسكرية.

وتحدد المهمات الرئيسية للقوات المسلحة ما الذي عليها القيام به لجهة حفظ استقلال البلد ولجهة حفظ النظام والحياة الدستورية لها, وما الذي يمكن أن تقوم به عند حدوث الكوارث الطبيعية, وما هو دورها ومدى مشاركتها مع أي قوات شقيقة أو حليفة.

 

الوضع الراهن لإعداد الأمة العربية للحرب:

إن الأمة العربية هي الأمة الوحيدة في الوقت الحاضر التي ليس لديها سياسة دفاعية/ عسكرية. وكانت ومنذ أن تسلم قيادة جيوشها أناس غير عرب (في عهد الخليفة العباسي المعتصم وحتى قيام الثورة العربية الكبرى) مبعدة عن القيادة العسكرية - أحد عشر قرناً من الزمان. وقد أدى ذلك مع تقادم الزمن إلى الانقطاع التام عن الأدبيات العسكرية التي تطورت في فترة الفتوح الإسلامية وحتى بداية تسلم قيادة الجيوش العربية من قبل آخرين. ونجم عن ذلك حالة تشبه حالة المنبت الذي وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).

وجاءت فترة الثورة العربية الكبرى, وجاءت معها معارف عسكرية مكتسبة من عقيدة الأتراك - التي كانت تسترشد بالعقيدة العسكرية الألمانية- إذ انضم لقوات الثورة ضباط عرب ممن خدموا في القوات التركية, وطبقوا ما اكتسبوه من خبرة على قوات الثورة العربية.

ولما لم يكن لدى قوات الثورة لا الوقت ولا القدرات المادية لتشكيل قوات عسكرية نظامية وفق المعايير المعاصرة, فقد اضطرت هذه القوات إلى اتباع أسلوب قتال الجيوش الشعبية باعتماد سياسة عملياتية فرضتها طبيعة الموقف, وقوات الأتراك, وساحات القتال, وما يمكن أن يساعد في تحقيق أهدافهم المتمثلة في التخلص من ظلم وفساد النظام التركي, ووضع شعار الشريف حسين (الوحدة والحرية والحياة الأفضل) موضع التنفيذ.

 

أسباب الخلل وكيفية المعالجة :

كتب الفيلسوف أدموند بورك مرة قائلاً: "إن كل ما تحتاج إليه قوى الشر لكي تنتصر هو أن يمكث أنصار الخير دون عمل ما".

لا يشعر الباحث العسكري المحترف بأن هناك ما يدل على إعداد الأمة العربية للحرب, أو أن هذه المسألة تحظى بأي قدر من الاهتمام. ولعل ذلك يعود إلى إسقاط الثقافة العسكرية من مناهج التعليم, مع أن الكادر العسكري في معظم الأقطار العربية يُعدّ من أكبر كوادر الدولة, والسؤال هنا هو لماذا تتناول مناهج التعليم كل ما يلزم لتهيئة الناشئة لممارسة الوظائف المستقبلية, باستثناء الوظائف العسكرية..? ومن الذي كان السبب في عدم شمول مناهج التعليم للثقافة العسكرية..? ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل..)? ولا يقف الأمر عند هذا الحد, بل تعداه إلى الحد الذي يشعر معه الباحث بأن هناك نفوراً شديداً من جانب المدنيين -  المتعلمين منهم بشكل خاص -  من الشؤون العسكرية, وقد يكون سبب هذا النفور هو الشعور بأن العسكريين ما هم إلا مجتمع محدود الثقافة, وما هم إلا مجرد أداة كبح وقمع لحريات المدنيين, ولذا فإنهم ينظرون إليهم نظرة عدم الارتياح, ضاربين صفحاً عن كيف يهيء عدونا رقم (1) قواه البشرية للخدمة العسكرية.

إن وضع السياسات الدفاعية وإقرارها ليس من واجبات العسكريين, بل إنه واجب أساسي للقيادة السياسية التي عليها أن تحدد سياساتها وفق مصالحها الوطنية, ووفق المصالح القومية عندما تكون هذه المصالح مقررة في مؤتمرات قمة أو من خلال قرارات تحالف. توضع عندئذ برامج التنظيم, التسليح, والتدريب للقوات العسكرية وفق الاستراتيجية العسكرية الوطنية/ القومية المقررة على المستوى الوطني/ القومي. وترفع القيادة العسكرية مجمل متطلباتها لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ إلى القيادة السياسية التي تقوم بدورها بتخصيص التمويل اللازم لتغطية هذه المتطلبات وفق خطة تطوير معينة.

يحدد الجانب العسكري في الدول المتقدمة المتطلبات العسكرية لتنفيذ سياسة دفاعية معينة ويطرحها على مؤسسات التصنيع من أجل التوصل إلى أفضل عروض, والغريب في الأمر أن العسكريين في الدول المتقدمة يؤكدون بأن التقنية تقدّم لهم عروضاَ أفضل وأكثر ملاءمة من تلك المرفوعة من قبلهم, وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على فهم مشترك بين العسكريين والمدنيين نتيجة لثقافة عسكرية موحدة.

إن وجود فهم مشترك بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية وتوافر آلية - أو مجلس تخطيط أمن وطني- تجعل القرارات تصدر بعد دراسة شاملة وتوضع الخطط المستقبلية بناء على هذه الدراسات, وعادة ما توضع هذه الخطط على أساس مراحل زمنية, قصيرة, متوسطة, وطويلة الأمد, وتبين هذه الخطط ما الذي يجب إنجازه في كل مرحلة من هذه المراحل.

 

كيف ينظر الآخر إلى إعداد العرب للحرب :

تتكون الحرب من: "غايات وقدرات" إذ يجب أن تكون الغاية من خوض أي حرب واضحة وبالإمكان تحقيقها, و(الغاية) مبدأ من مبادئ الحرب الأساسية التي تحظى بإجماع معظم منطري الحروب, أما (القدرات) فهي أيضاً مبدأ من مبادئ الحرب, وهي تتمثل بما يسميه البعض: (الحشد) أي حشد القدرات - الوسائط -  اللازمة لتحقيق الغاية في الزمان والمكان الملائمين. ويرى البعض دمج هذين المكونين بمبدأ واحد وهو إعداد الوسائط التي تمكِّن من تحقيق الغاية المنشودة, وإلا فإن أي عمل يغفل هذه المواءمة سيكون مصيره الفشل أو أنه سيكون غير مضمون النتائج.

ولا يقتصر الإعداد للحرب على الوسائط المادية فحسب, بل إنه يشمل إعداد الأمة للحرب, إذ أن عدم إعداد الأمة سيجعل المجهود الحربي مشلولاً مادامت إرادة الأمة هي المرتكز الأساس للمجهود الحربي من حيث توفير القوى البشرية, والاقتصاد والقاعدة الصناعية وترقية المعنويات, وقد أثبتت تجربة الأمريكيين في فيتنام هذه الحقيقة إذ يقول "باتريك بوكنان" في كتابه "ثمار الحرب اليتوبية من أجل الديمقراطية": كانت العبرة من حرب فيتنام متمثلة فيما يلي:"قبل أن تلزم جيشك عليك إلزام أمتك".

أما ما يتعلق بمسألة الإعداد للحرب من جانب الأمة العربية فإن الأمر مختلف جداً, فبالرغم من الدعوة الصريحة في القرآن الكريم للإعداد والتوحد "الاعتصام بحبل اللّه جميعا", وبالرغم من النكبات المتكررة والهزائم المتواصلة, فإن العرب لم يتعلموا ولم يستفيدوا من أخطائهم الجسيمة, مع العلم بأن آخر اتصال مع الواقع الفعلي للحرب هو الذي يحدد ويطور كيفية الإعداد للحرب المقبلة. فقد كان لظهور الرشاش تأثير كبير على أسلوب القتال, وهو الذي عمل على جعل المقاتلين يلجأون إلى الخنادق, ولما اكتشف منظرو الحرب بأن الدفاع المستكن لا يحقق النصر في الحرب- الدفاع يساعد على كسب المعركة وليس كسب الحرب -  وبأن كسب الحرب وتحقيق النصر لا يتم إلا من خلال التعرض (الهجوم), برزت من الخنادق فكرة الحماية المتحركة (الدبابة) التي مكّنت الألمان من كسب الحرب في المراحل الأولى من الحرب العالمية الثانية من خلال التعرض الكاسح بالدبابات. وهكذا, وكما قال المرحوم "طه حسين" في موسوعته "على هامش السيرة": "ولكن بعض الحرب يدعو بعضها" (على هامش السيرة ص 4/125).

لم يأخذ العالم العربي أياً من هذه الأمور بعين الاعتبار, فالعرب لم تعلموا من حرب (1948) حين تمكن اليهود من حشد (65) ألف مقاتل مدربين تدريباً جيداً ولم تستطع الأمة العربية أن تحشد أكثر من (21) ألف مقاتل دون أن يربطهم مفهوم عسكري مشترك, ولم تكن تسيطر على عملياتهم قيادة موحدة أيضاً, فكانت النتيجة أن سارت مجريات الحرب كما خطط لها الصهاينة ومن كانوا خلفهم. ثم جاءت حرب حزيران (1967) ونفذت كما أراد لها الصهاينة أيضاً, وحلت بالجيوش العربية هزيمة منكرة بكل ما في الكلمة من معنى, ولكنها كانت منبّهاً قوياً هذه المرة, واستطاعت أن تترك أثراً قوياً أدّى في المحصلة النهائية إلى تحقيق بعض النجاح في حرب رمضان (1973). وواضح بعد ذلك أن آخر اتصال بالواقع يجب أن يمهد الطريق للمقبل من الحروب.

ولما لم يشعر, لا العدو ولا المراقب, بأن العرب مقاتلون محترفون, وليس لديهم الإرادة للإعداد للحرب فقد قيل عنهم الكثير وإلى الحد الذي جعل إسرائيل لا تهتم بما يقوله العرب من تهديدات, ومثال ذلك تهديد أديب الشيشكلي عام (1948) بأن سيحتل تل أبيب, فرد عليه "بن غوريون" بقوله: "فليتذكر الكولونيل شيشكلي بأن المسافة بين دمشق وتل أبيب هي نفس المساقة بين تل أبيب ودمشق".

ووصف رئيس وزراء اسرائيل "ليف اشكول" التهديدات العربية في عام (1967) بقوله: "لقد أعلنوا علينا.. الكلام".

وذكر الفريق"جون باجوت كلوب" في كتابه (الفتوحات العربية الكبرى ص 281)) عن المفهوم العسكري في الأوساط العسكرية العربية بما يأتي:

".. ولقد تسنى لي في السنوات الواقعة بين عامي 1948 و 1956 أن اشترك في مناسبات عدة في المحادثات التي أجراها قادتهم في موضوع العمليات العسكرية ضد إسرائيل, ولقدسمعتهم المرة تلو المرة يقولون إن بضعة ألوف من الشجعان مسلحين بالبنادق قادرون على الخلاص من هذا العدو, ولم أسمعهم يشيرون ولو إشارة عابرة إلى التدريب أو التنظيم أو إلى وجود القائد ذي الكفاءة, تماماً كما يفعل أسلافهم في أيام عمر بن الخطاب".

أما أكثر ما يثبت عدم استعداد العرب لمواجهة التهديدات أو المواقف الطارئة فهو موقفهم من حريق المسجد الأقصى, الذي صورته غولدا مائير, من خلال مقابلة صحفية, على النحو التالي: ما هو أسوأ يوم في حياتك..? أجابت: يوم محاولة حرق الأقصى. وسأل الصحفي ثانية: ما هو أسعد يوم في حياتك..? فأجابت: صباح اليوم التالي حيث توقعت ردود فعل عربية وإسلامية مرعبة كافية لإغراق إسرائيل, ولكن ذلك الغضب لم يحصل.

هذا إذن هو رأي الآخر في استعدادنا للحرب أو مواقف الأزمات والطوارئ فليس لدينا خطط وليس لدينا معلومات عن نوايا الآخرين نحونا. ونغضب بسرعة ونرضى بسرعة وكل ذلك يحدث لفترة قصيرة وبعد حصول الحادث فنحن بعكس كل الشعوب الواعية التي تضع الخطط وبدائل الخطط لكل التهديدات المحتملة, وتضع في حساباتها أيُّ هذه التهديدات هو الأخطر والأهم, وأيها يأتي في آخر القائمة, ويعدّون الأمة للحرب إذ تدخل برامج التوعية والإعداد في مختلف المناهج الثقافية, ويفسحون في المجال لكل شرائح مجتمعاتهم للإطلاع على تخطيط الدولة المستقبلي: ففي آخر اسبوع من برامج دراسة كلية الحرب الأميركية, وهو الأسبوع الذي يسمونه "أسبوع دراسة الأمن الوطني" يدعى ممثلون عن مختلف القطاعات المدنية ويشارك هؤلاء المدعوّون بمناقشة أولويات الدولة والنتائج التي يتم التوصل إليها, وقائمة أولوياتها, وبذا يكون لدى كافة شرائح المجتمع فكرة مدروسة عن رؤية الدولة المستقبلية لكل القضايا التي تهم الأمة والاستعداد للتعامل مع هذه القضايا وفق خطط محضرة سلفاً, وتتم مراجعة هذه الخطط وتعديلها حسب ما يستجد من مواقف وكلما لزم الأمر.

وفي مقابل هذا الترهل في الجانب العربي, فإن لدى إسرائيل خططاً وبدائل للتعامل مع أي موقف طارئ, وتعمل وفق سيناريو مرسوم سلفاً, فهي تتصرف في المستوى الاستراتيجي على أساس, (واحد مقابل 22).. أي إسرائيل ضد (22) دولة عربية, وتتصرف على المستوى التكتيكي على أساس (اثنان ضد واحد) وهذا يعني (إسرائيل والولايات المتحدة) ضد كل دولة عربية على حدة. وعلى الرغم من ذلك فإن العرب ليس لديهم أي تدابير لا على المستوى الاستراتيجي ولا على المستوى التكتيكي, وإن كل ما يستطيعون القيام به هو رد فعل لما يفرضه عليهم الآخر كأمر واقع, ويكون الرد مشوشاً وغير مدروس, ويكفي أنه يحصل بعد وقوع الحادث, ودون أي تخطيط مسبق.

 

ما الذي يجب عمله..?

.. إن كل الويلات والإهانات التي عانى منها النظام العربي لم تكن إلا نتيجة حتمية لعدم وجود إرادة حرة لدى هذا النظام, التي لو توافرت لكان بإمكانها التعامل مع الأزمات بما تستحق من ردود فعل توجه نحو رأب الصدع وتفادي تكرار الهزائم والإذلال.

وأن الوضع الأشد إيلاماً هو أن العرب لم يتعلموا من هزائمهم أي نوع من الدروس التي قد تساعد في معالجة الوهن والاستعداد لما قد يتعرضون له في المستقبل من ملمات, فهم لم يحركوا ساكناً لمواجهة الصهاينة وأدواتهم التنفيذية في أمريكا وبريطانيا, ولم يعدوا لهذه المخططات أي نوع من العدة, ويكتفوا بدلاً من ذلك بالسب والشتيمة والوقوف موقف المتفرج كما حصل في لبنان في أثناء غزوها من قبل شارون عام ,1982 وكما حصل في فلسطين في الأعوام 1987 و ,2000 ويتلقون الضربة تلو الضربة دون المبادرة بأي رد فعل يحسب له أي حساب.

يعلمنا تاريخ الحروب بأن المهزوم يحاول الثأر والاستعداد بشتى الوسائل لتحقيق هذا الهدف, إلا أن أمتنا الماجدة هي الوحيدة التي تنسى ما يحل بها من كوارث في اليوم التالي لحصول الكارثة. إن هذه اللامبالاة ونسيان النكسات والترهل المستمر, والانشغال بتحسين شؤون الحياة اليومية هو الذي يجعل الآخر لا يحسب أي حساب لهذه الأمة, ويحفّزه دوماً لتحسين الفرص لإيقاع المزيد من الهزائم والنكسات في صفوفها.

إن الأمر الأكثر غرابة هو علاقة الأمة العربية غير المعقولة مع أمريكا وبريطانيا رغم أنهما أساس البلاء الذي يحل بالأمة, فالثانية أعطت إشارة البدء للكيان الصهيوني في فلسطين ووفرت له الحماية حتى كبرت مخالبه, والأولى تمد هذا الكيان الخبيث بكل أسباب المنعة والقوة والتفوق. فما الذي يجنيه العرب من صداقة هذين الكيانين المأجورين والعميلين للصهيونية..? إن الإجابة عن هذا التساؤل معروفة لكل فرد في أمتنا العربية, فهما يأخذان من العرب كل شيء بما فيه الأرض والكرامة ويقدمان للكيان الصهيوني الدعم المادي والمعنوي ويعارضان أي قرار ضده في المحافل الدولية.

ليس أمام الأمة العربية بعد مرور قرن من الإذلال والخذلان إلا أن تعيد النظر في مواقفها, وأن تحدد الخطوات الواجب اتخاذها من أجل حماية أراضيها وكرامتها وحرية إرادتها, وأن تكون قادرة على ممارسة حقوقها الطبيعية مثل بقية الأمم, فقد استطاع الفيتناميون نيل حريتهم ووحدة أراضيهم وشعوبهم, وقد توحدت ألمانيا, واستطاعت إيران أن تتخلص من المخلب الأمريكي الصهيوني, وتمكنت جنوب إفريقيا (من خلال إصرارها على التحرر) أن تحقق أهدافها وأن تمارس حياة حرة كريمة بفضل كفاح أبنائها المخلصين, فلم لا يحذو العالم العربي حذو هذه الشعوب مع أنه أكثر عدداً وعدة من جميع هؤلاء, ويمتاز عنهم بأن الإمبرياليين يحتاجونه وهو ليس بحاجتهم ولا تعود عليه مصاحبتهم إلا بالأذى والإهانة.

إن على النظام العربي أن يعمل وفق سياسة تفضي إلى تحرير إرادته وموارده وأرضه, وأن يسعى لأن يعيد للأمة هيبتها وكرامتها, ويخطو خطوات مدروسة بدقة وعناية, وأن لا يبقى رهين وعود لا يمكن تحقيقها, أو خيارات بعيدة المنال, وعليه أن يفكر بشكل جدي بتنفيذ المقترحات التالية حسب مراحل مدروسة وقابلة للتطبيق:

  1. التخلص وبكل السبل الممكنة من ربقة الاستعمار الأمريكي البريطاني, والعمل الجاد والمدروس لجعله يقوم بإجلاء قواته من المنطقة, وإفهامه بأن وجوده غير مرغوب فيه, وبأنه مدعاة للقلق, لاسيما وأنه يتدخل بشؤون الدول العربية الداخلية, ويعمل كراع أمين لمصالحه ومصالح إسرائيل, ولا يأخذ في الوقت ذاته مشاعر وحقوق الشعوب العربية بأي قدر من الاعتبار.
  2. بما أن الدفاع حق, وبما أن صون استقلال البلاد يتطلب توافر قوات مسلحة, فإن من حق الأمة العربية أن لا تترك المجال لتدخل أمريكا وذنبها بريطانيا ومحرّكتهما إسرائيل في الشؤون العسكرية العربية بحجة أنها تؤثر على إسرائيل, وتطلق العنان لإسرائيل في الوقت ذاته لامتلاك أي نوع من الأسلحة المدمرة, وكأن امتلاك السلاح المتفوق مسموح لإسرائيل ومحرم على العرب بحجة أنهم يستخدمونه ضد شعوبهم, ويتناسى الأمريكيون والإنجليز بأن أول من استخدم السلاح المدمر هم الأمريكيون في اليابان وفيتنام والعراق وبنما وكسوفو.
  3. يجب إحياء وتفعيل القيادة العسكرية العربية الموحدة ووضع عقيدة عسكرية تتلاءم مع متطلبات الأوضاع الإقليمية والدولية, وتشكيل قيادات إقليمية على غرار قيادات حلف الأطلسي, مع أن فكرة القيادات الفرعية كان معمول بها في الستينات من القرن الماضي على أساس (القيادة الغربية والقيادة الشرقية) وأوقف العمل بهما قبل أن يكتمل تشكيلهما.
  4. يجب إحياء وتفعيل مشروع تصنيع التسليح المشترك تحت إشراف هيئة تسليح ترتبط بالجامعة العربية, مع تخصيص صندوق لدعم هذا المشروع وجعله يقوم بتصنيع الأسلحة والمعدات التي تناسب طبيعة ساحات العمليات المختلفة, وأن يكون قادراً على مواكبة تطور السلاح العالمي وتلبية المتطلبات الميدانية, ولكي يكون بديلاً للأسلحة والمعدات التي يتم شراؤها من الخارج والتي تكون مكشوفة للآخرين, وتكون ذات فاعلية محدودة.
  5. يجب التعامل مع أمريكا على أساس أنها لا تمتلك الإرادة السياسية التي تمثل وجهة نظر الشعب الأمريكي, بل على أساس أنها تمثل وجهة النظر الصهيونية, لاسيما وأن القرارات التي تتخذ في مجال الصراع الإسرائيلي - العربي لا يمكن تمريرها إلا عبر إنتاج وإخراج الرموز الصهيونية التي تحتل معظم المواقع الحساسة في هيئات اتخاذ القرار الأمريكي.
  6. يجب وضع برامج تثقيف عسكري يهدف إلى تغطية الفراغ الكبير في الثقافة العسكرية لدى الهيئات المدنية العربية, وأن تتدرج هذه البرامج وفق المراحل الدراسية, بحيث لا تكون القيادات جاهلة بمعرفة أين وصل تطور الآلة العسكرية, وما هي مميزات وتحديدات أسلحة ومعدات القتال المختلفة, وما هي النظريات العامة التي يتم تطبيقها في توظيف هذه المعدات.
  7. يجب عدم نسيان الكوارث التي عانت منها الأمة, ويجب التعامل مع مسبباتها على أساس أنهم لا يضمرون النوايا الحسنة لهذه الأمة.
  8. يجب توظيف الطاقات العلمية في الوطن العربي في مختلف الحقول من أجل ترقية وتعميم المعرفة في هذه الحقول, ومن أجل تأسيس الكوادر والمنشآت لأغراض البحث والتطوير.
  9. يجب أن ترسم الأمة العربية سياساتها على أساس عدد كاف من الخيارات, ووضع خطط وبدائل لهذه الخطط, ويجب أن لا تقتصر الاستراتيجية العربية على خيار واحد »هو السلام« مع أن أعداءها يسقطون هذا الخيار من حساباتهم ويسعون جاهدين لفرض الاستسلام على الأمة بدل السلام.

وختاماً فإنني أسأل اللّه تعالى أن يهدي أمتنا الماجدة إلى سبل الرشاد والفلاح, وأن لا تكون الأضعف بل الأقوى بما لديها من مقومات القوة.