العدد 62 جمادى الأولى(رمضان)-1425 هجري- تشرين الأول (أوكتوبر )-2004م   

[منبع]

العولمة وصراع الحضارات

د. بركات محمد مراد

جامعة عين شمس/ جمهورية مصر العربية

 

إن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين قد زحفت من مجرد تأثيرها في القضايا الدولية والمشكلات العالمية لكي تصل إلى الأفكار الكبرى والتيارات الضخمة, فظهرت هذه السياسة المزدوجة التي يمارسها الفكر الغربي, ولا أقول السياسة الغربية وحدها. فوجدنا أن الذين تحدثوا عن العولمة أو الكوكبية وروجوا لها وصفقوا لبنودها السياسية بما فيها المفهوم الجديد للتدخل الإنساني تحت مظلة الشرعية الدولية حتى ولو كان ذلك خرقاً لمبدأ سيادة الدولة الذي كان بمثابة قدس الأقداس لعدة قرون منذ ميلاد الدولة القومية, وكذلك جوانبها الاقتصادية بما فيها من حرية التجارة وانتقال السلع ورؤوس الأموال وانسياب الأفكار والخدمات مع تحفظ وحيد يتصل بحرية انتقال الأفراد, وهو تعبير آخر عن ازدواج المعايير حتى داخل التيار الفكري الواحد, إنهم أيضاً الذين روجوا لفكر العولمة Globalization بنجاحها الثقافي الذي يتحدث عن الانفتاح بين كل التيارات والتواصل بين الأفكار والحضارات.

والغريب في الأمر أن الفكر السياسي الغربي الذي أفرز ذلك المفهوم الجديد للعولمة حتى رأى فيه البعض عودة للظاهرة الاستعمارية من الباب الخلفي هو نفسه الفكر السياسي الغربي الذي تحدث عن صراع الحضارات, ويكاد اليوم ينقله من إطاره الفكري إلى أن يصبح سياسة شبه معتمدة, وهو أمر يدعو إلى القلق الحقيقي على مستقبل السلام الدولي والاستقرار العالمي, وهنا يظهر التناقض الحقيقي بين فلسفة التيارين, حيث يتبنى أحدهما درجة عالية من الانفتاح والتواصل, بينما يتبنى الآخر درجة عليا من درجات المواجهة والصدام الذي يصل إلى حد التعميم الأحمق والتصنيف الذي لا يستند إلى خلفية مقبولة إنسانياً وأخلاقياً.

وإذا كان العالم يعيش في الآونة الحاضرة في عصر العولمة بمنجزاتها في التقريب بين الشعوب ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ومعرفياً, فإن الحديث عن حتمية الصراع بين الحضارات يبدو غير معقول وغير مقبول منطقياً لما ينطوي عليه من المغالطة والتناقض مع ما يحدث وما نشاهده في أرض الواقع, إذ أن العولمة وفقاً لتعريفها تشير إلى عمليات التقارب والاتصال والانفتاح التي اكتسبتها العلاقات الاجتماعية في العالم التي تمخضت عن تزايد الاعتماد المتبادل بين الناس في مختلف أرجاء المعمورة في تفاعلاتهم, ومعاملاتهم التي تبدو كما لو كانت تحدث في مكان واحد بلا حدود أو مسافات, وفي عالم يؤمن بمجموعة من القيم والمبادئ المشتركة والمتمثلة في سائر الثقافات والحضارات, ويحرص على الالتزام بها والتعامل وفقاً لها. ويؤكد ذلك أن عولمة المجتمع الدولي ما كان لها أن تتحقق إلا بزوال الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية السائرة في فلكه, وما ترتب على ذلك من القضاء على الاشتراكية المركزية كنمط للإدارة الاقتصادية وانتشار مبادئ الحرية الاقتصادية والاعتماد على قوى السوق وتحول الغالبية العظمى من الدول إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي.

ومن ناحية أخرى فإن تفكك الاتحاد السوفيتي تبعه تحرر الشعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية السوفيتية وانتصار حق تقرير المصير بصورة تكاد تكون كاملة على المستوى العالمي. وقد اكتملت عناصر أو مقومات عولمة المجتمع الدولي بوجود العديد من القيم والقواعد الأساسية المشتركة التي تشمل مبادئ الحرية والسلام والأمن الدوليين وسيادة الدولة وحق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومناهضة التمييز العنصري وكراهية الأجانب واحترام قدسية وسيادة وتكامل كل الدول, وغير ذلك من القيم والمبادئ التي ارتضاها المجتمع الدولي والتي بلورها ميثاق الأمم المتحدة, ومن ثم فقد بات المجتمع الدولي مفتوحاً لكل الثقافات مستوعباً لكل الحضارات دون تمييز.

وعلى الرغم من ذلك, فقد تراجع مفهوم سيادة الدولة في السنوات الأخيرة, فليس من قبيل الشطط أو المغالاة أن نقول إن الشركات متعددة الجنسيات قد نجحت إلى حد كبير في اختراق جهاز الدولة وإضعاف قدرته على ممارسة سيادتها. فمن الوجهة الاقتصادية مثلاً أصبح بإمكان هذه الشركات -بما لها من قوة مالية واقتصادية - أن تتخطي الحواجز الجمركية سواء بالاستثمار المباشر داخل أراضي الدولة أم عن طريق اتفاقيات من نوع (اتفاقية الجات) ومقررات منظمة التجارة العالمية. كما أصبح بمقدورها أيضاً أن تتخطّى حدود ممارسة السياسة النقدية والمالية, إما بقدرتها على التهرّب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية أو بقدرتها على ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومات والتأثير على قراراتها السيادية من أجل فرض ما تشاء من سياسات عن طريق ما يسمى برامج (الإصلاح المالي والاقتصادي) أو (برامج التصحيح الهيكلي).. وما شابه ذلك من إجراءات دعمت الاتجاه نحو إعمال سياسات التحرير الاقتصادي التي أدت إلى ارتخاء قبضة الدولة على أصولها, فلم تعد علاقتها علاقة "المالك بما يملك" بل "علاقة المنظم بوحدات تتبع إرادته", ناهيك عن بيع هذه الأصول وإخضاعها لملكية رأس المال الخاص(1) فضلاً عن توظيف التقنيات الحديثة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية, مما أصبح يحدّ كثيراً من قدرة الدولة على ضبط هذه لأمور, وأثرّ سلباً على سياساتها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم المالية والاقتصادية.

يضاف إلى ذلك -وكمايقول السيد الزيات- ما تعمد إليه هذه الكيانات العملاقة من جهود مكثفة- واعية ومتعمدة- لنشر أفكار ومقولات وتوجهات من قبيل (القرية الكونية) و(الاعتماد المتبادل) و(نهاية الإيديولوجية).. وغير ذلك من تصورات من شأنها الإيعاز بتخطي الولاء التقليدي للوطن والأمة, ليصبح مصدر الكسب والربح والمنفعة هو موضوع هذا الولاء ومناطه الأساس, مما يقوض مفهوم المواطنة, ويهدر مشاعر الانتماء للوطن والأمة والولاء للدولة التي تمثلها. ناهيك عما قد يرتبط بذلك من اضطرابات وقلاقل من قبل الجماعات السلالية, وما يحركها- أحيانا- من نزعات انفصالية تتحدى سيادة الدولة, وربما تعطل قدرة مباشرتها هذه السيادة على قطاعات من إقليمها تضيق أو تتسع حسب الأحوال.

ومفاد هذا كله. ان قدرة الدولة على مباشرة سيادتها على إقليمها ورعاياها –بالمعنى التقليدي- بدأت تتغير في ظل تحولات عملية العولمة التي يشهدها العالم, خاصة وأن هذه التحولات غدت تفرض قيوداً وضوابط كثيفة في قرارات الدولة وسياساتها. ومن ثم لم يعد مبدأ السيادة نفسه له وجود أو حضور فعليّ قوي إلا في الخطاب السياسي خصوصاً لدى الشعوب التي تناضل بقوة.. وتتمسك بشدة بحق تقرير المصير. أما ما عدا ذلك فإن فكرة السيادة, لم يعد لها إلا وجود باهت أو حضور غائم, بل لم تعد ذات جدوى أحياناً في ظل طغيان كابوس العولمة, والتهديد المنذر بحق التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة سواء لأسباب إنسانية أم سياسية, مما يعد انتهاكاً صارخاً لسيادتها.. وعاصفاً صريحاً فاضحاً بكل قواعدها وركائزها المتواضع عليها.

ويرجع السيد الزيات ذلك إلى أن الشركات متعددة الجنسيات وإن كانت تمتلك وفرة من أسباب القوة وإمكانات الفعل إلا أنها لا تنهض بإحداث هذه التغييرات أو التطورات وحدها, أو بمفردها, وإنما تستعين في ذلك بإمكانات وقدرات هيئات ومؤسسات أخرى كبيرة مثل (صندوق النقد الدولي) و(البنك الدولي) وغيرهما من المؤسسات المالية الدولية, ومختلف وكالات الأمم المتحدة العاملة في ميادين التنمية الثقافية, فضلاً عن أن أجهزة الاستخبارات التابعة للدول الكبرى, وشتى آليات التأثير في الرأي العام, والهيئات المانحة للجوائز الدولية أو العاملة في ميدان حقوق الإنسان.. إلخ ناهيك عن تجنيد عناصر من المفكرين والكتاب والباحثين في مختلف البلدان من أجل التبشير بدعاوى العولمة والترويج لأفكارها, والتأكيد على أن الشعور بالولاء للأمة أو الانتماء للوطن إنما هو من قيم الماضي وتقاليده المتخلفة... ومن ثم يحسن إهمالها والتخلي عن الإذعان لها والتحرر من أسرها.

ولا ننسى أنه ومع نهاية الحرب الباردة  أخذ المفكرون الغربيون يثيرون الشكوك والمخاوف من أن المستقبل سوف يموج بعمليات حشد وتجميع حضاري للقوى الراكدة ليحل محل اعتبارات توازن القوى التقليدي والأيديولوجية السياسية كأساس للتعاون وبناء التحالف, ومن ثم فإن الدول والشعوب الإسلامية سوف تلتئم بفعل الجاذبية الحضارية (الإسلام) مع بعضها بعضاً لتكون قوة معادية ومناهضة للغرب.

وفي هذا الإطار لفتت الصحوة الإسلامية التي كانت قد انطلقت من الشرق الأوسط أنظار هؤلاء المفكرين إليها, وعنيت الدوائر السياسية والأكاديمية في الغرب وعلى الأخص في الولايات المتحدة بتتبع هذه الأحداث وغيرها من التحديات التي أصبح يطلق عليها الأصولية الإسلامية تارة, أو الإسلام السياسي أو العسكري تارة أخرى, كما كان مصدر إلهام لبعض الكتاب والمفكرين للترويج لفكرة صراع الحضارات والزعم بأن النمط القادم للنزاع في السياسة العالمية بدأ يدخل أولى مراحله وأن الإسلام كأحدى الحضارات القائمة هو العدو المرتقب للحضارة الغربية, وقد أتاحت نكبة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م في كل من وشنطن ونيويورك فرصة هائلة للإعلام الغربي الأمريكي لتأكيد صحة المزاعم بأن الصحوة الإسلامية في الشرق الأوسط قوة مناهضة للغرب أو سوف تعمل على تدميره والقضاء عليه.

ومن هنا سيدوّن "فوكويما" المستشار الاستراتيجي والمخطط للسياسة الأمريكية الخارجية, أن انهيار الاتحاد السوفياتي, وتفكيك المنظومة الشيوعية, لم يضعا حداً للصراع التقليدي فحسب, وإنما وضعا نهاية للتاريخ أيضاً, باعتباره إلى الآن تاريخ صراعات مريرة مدمرة, وبتلك النهاية يميل التاريخ إلى الاستقرار عند الرأسمالية العالمية, كنظام للديمقراطية الليبرالية الغربية, وكنظام سياسي عالمي أمثل.

ولقد حاول "صموئيل هنتغتون "المحاضر في جامعة هارفارد بأمريكا, تجاوز فلسفة "النهايات" التي اكتملت عند "فوكوياما" بحتمية الليبرالية كمصير للشعوب إلى حتمية "صراع الحضارات" التي هي آخر طور, أي الحلقة الأخيرة في سلسلة تطور الصراع, ويرى أن التاريخ لن ينهض, وأن الصراع الحقيقي لن يختفي, وإنما سيكتفي كل منهما بتغيير مصادره واتجاهاته, وتبديل أشكاله بالتحول من صراع دول ومجتمعات وطبقات إلى صراع ثقافات وحضارات.

ويرى الباحث , أن التصادم بين الحضارات سيتم لعدة أسباب, منها الفروق الحضارية, وتطور الإعلام والاتصال, وكذا حركات الصحوات الدينية التي جاءت لتملأ الفراغ الناتج عن ضعف الانتماء القومي, ومن هنا نشأت الحركة الأصولية في أغلب الديانات المسيحية الغربية وفي اليهودية, وفي البوذية والهندوسية, والرجوع إلى الأصل لدى أغلب الشعوب كرد  فعل ضد الهيمنة الغربية, ومن هنا جاءت صيحة الرجوع إلى الآسيوية في اليابان, والهندوسية في الهند, والإسلام في الشرق الأوسط. وحتى في روسيا يتم حالياً مناقشة مسألة إلحاق روسيا بالغرب "تغريبها" وظهور تكتلات اقتصادية جديدة, إلا أن هذه التكتلات تحتاج إلى مواسم حضارية مشتركة كشرط أساس لنجاحها, وما كتاب "صدام الحضارات" إلا النهايات المفتوحة على الممكنات.

وبعبارة أخرى, لقد أعطت مقولة "هنتغتون" حول "صدام الحضارات" مفعولها الإيجابي في جميع البلدان الخائفة على ثقافتها وتراثها من التحديات المستقبلية, التي لم تستطع أن تجد لها مشروعاً قابلاً للحياة, رغم مرور أكثر من قرنين من الزمن على بداية التحدي الحضاري.

إن مقارنة ما أحدثته مقولة "صدام الحضارات" في العالم الإسلامي من جهة, وفي جنوبي شرقي آسيا من جهة أخرى, تؤكد بالملموس أن اليابان والصين والكوريتين قد عرفت كيف ترد على الإيديولوجيا بالعلم, أي بالإيغال في عملية التحديث الذاتي وليس بالتغريب, وذلك على قاعدة اللحاق بالغرب أو تجاوزه, وعلى عكس الكلام الإيديولوجي الذي لا تسانده قوى علمية ذات مصداقية على أرض الواقع, كما هو الحال في كثير من الدول العربية والإسلامية.

ومن الملاحظ أن "فوكوياما" قد ذهب إلى القول بأن الإسلام يمثل أيديولوجيا منظمة ومتماسكة بشريعته الدينية ومبادئه عن العدل السياسي والاجتماعي, ومن ثم فإن جاذبيته من حيث إمكاناتها عالمية بحيث يمكن أن يصل إلى جميع الجنس البشري,غير أن خطورته تتمثل في أنه يسعى إلى هزيمة الديمقراطية الليبرالية في كثير من أجزاء العالم, وذلك بما يشكله من تهديد خطير لممارسات الليبرالية, ومن ثم فلن تكون له جاذبية خارج تلك المناطق التي كانت في بادئ الأمر إسلامية من الناحية الثقافية, أما فيما عدا ذلك فإن أيام الغزو الثقافي للإسلام قد انتهت ولن يكون في مقدور الإسلام أن يستهوي أو يغري شباب برلين أو طوكيو أو موسكو.

ولا شك أن هذه الأفكار في مجملها تدل على فهم غير صحيح لتعاليم الإسلام التي لا تناهض الليبرالية والحرية بمفهومها الشامل, وعن تصور غير دقيق لمدى انتشار الإسلام في الوقت الحاضر خارج نطاق المناطق غير الإسلامية, هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى سنجد هنتغتون في مؤلفه السابق يقول إن هذه الصراعات, وإن كانت عبارة عن مواجهات داخل الحضارة الغربية, فقد دخلت مرحلة جديدة بنهاية الحرب الباردة, وهي الانتقال من مرحلتها الغربية إلى مرحلة غربية وغير غربية, ويقصد بهذه المرحلة الصراع بين الغرب والإسلام, وذلك برغم اعتقاده بوجود عدة حضارات, وهي الغربية والكونفوشسية واليابانية والإسلامية والهندوسية والأرثوذكسية السلافية, والأمريكية اللاتينية, وربما الإفريقية, ولكن الحضارة الإسلامية بالذات كانت تتردد بصورة متزايدة في خطابه عن الصراع الحضاري, الأمر الذي يعزى إلى شبح الحركات الإسلامية الشعبية الذي كان يطارد تفكيره من الثمانينات من القرن الماضي.

ولا شك في أن فكرة الصراع قد بليت واستنفدت أغراضها منذ تهاوت نظرية كارل ماركس عن الصراع الطبقي الذي كان يعتبره القوة الدافعة لحركة التاريخ. ويرى الدكتور أحمد عباس عبد البديع في الحجة بأن الإسلام يمثل تهديداً حضارياً للغرب وتحدياً للوجود الغربي ترتكز على نفس المخاوف والشكوك التي كانت تراود الغرب بالنسبة للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة والتي كانت تتمثل في احتمالات توسعة وسرعة انتشار الأفكار الاشتراكية التي تستهوي الغالبية العظمى من الطبقات العاملة والفقيرة, كما قيل أيضاً إن عمليات العولمة قد تعزل الصفوات العلمانية الحاكمة في الدول الإسلامية عن الجماهير التي تتولى قيادة وتشجيع الصحوة الإسلامية, وإقامة وحدة إسلامية قوية ومتماسكة, وإن كان "سيمون ميردن" المحاضر في جامعة ويلز والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط يرى أن التوافق داخل الحضارة الإسلامية, بل وأقل قدر من التكامل بين الدول الإسلامية ما زال أمراً بعيد المنال, غير قابل للتحقيق على الأقل في المدى المنظور.

إن فكرة الصراع الحضاري, أو التحدي الحضاري, أو ما يسمى صراع البقاء للأقوى, أو الصراع الطبقي هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية, بمذاهبها المتعددة وتطبيقاتها المتنوعة, والصراع يعني فيما يعني  محاولة إلغاء الآخر بشتى الأساليب والوسائل, لذلك فإن أية حضارة, أو ثقافة, تفتق النزوع الإنساني, وتقوم على العرق أو الجنس, أو اللون, أو الطبقة, حضارة تمييز وتعال بطبيعتها العدوانية, الأمر الذي يقودها إلى الاعتقاد بأن البقاء مرهون بإلغاء الآخر, لذلك تصبح الطبيعة العدوانية, من أخص خصائصها, وهي لا تستطيع أن تعيش بدون عدو, يضمن تماسكها, واستمرارها, فإن لم يكن لها عدو, فلنصنع عدواً.. وفي ضوء ذلك كما يقول د. عمر عبيد حسنة يمكن أن نفسر دوافع الحملات الصليبية على العالم الإسلامي. ويمكن أن نفسر في ضوئه أيضاً الحروب الكونية العالمية, التي كانت من أخطر صور العدوان وأعظمها ضحايا.

ومن هنا فعمليات الاستهداف, ولائحة الاتهامات للإسلام اليوم, ومحاولة إدانة صحوته, وشل حركة العاملين, ومحاصرتهم, باسم الأصولية, والإرهاب, واعتبار الإسلام هو العدو الحضاري للغرب, وتوظيف كثير من الأنظمة والأفراد, والمؤسسات, يتطلب من المسلمين استيعاب الهجمة, بعيداً عن الانفعال, والاستجابة العفوية للاستفزاز, والصبر, والتربص بكيفيات إدارة الصراع, لتفويت غرض الآخر, والتحول من أن نكون موطناً لأفكار الحضارة الغربية, وترجمتها إلى حياتنا, ومقاربة قيمنا بها, إلى نقل كنوز, وروائع, وقيم الحضارة الإسلامية إلى الآخر, لإلحاق الرحمة به, واستنقاذه من التشويه العنصري والقومي, وبذلك نسهم فعلاً في الحوار الحضاري المثمر, وبناء حضارة إنسانية, يكون فيها الأكرم هو الأنقى.

ولا يجب أن ننسى أن هناك علاقة أكيدة سواء بالسلب أم بالإيجاب, بين الجانب المادي من الحضارة والثقافة والإيديولوجيا, فلا بد من الإقرار بالاختلاف الجوهري الذي يميز بين التقدم بمفهومه المادي الصرف كتراكم كمي للإنجاز التكنولوجي من اختراع الآلة البسيطة إلى ابتكار أرقى أنواع الحاسبات الآلية وعلوم السيبرنطيقا والتليماطيقا, وبين الثقافة سواء أكانت مجموعة من التقاليد والعادات وطرائق العيش والسلوك أم من القيم وأنماط التمايز الذاتي وقومي.

وإذا أقررنا بذلك فإنه من السهل أن تقبل هذه الحقيقة التاريخية الناصعة, وهي أن كل تقدم في أنماط الإنتاج وأساليب العيش ووسائله لا يمكن أن يتم إلا بالتقاء وتقارب الحضارات, كما أنه لا يتم فعلاً, بالنسبة للعصور الحديثة, إلا بالالتقاء مع الحضارة الصناعية الغربية, وأن نقبل كذلك هذه الحقيقة الملازمة للأولى, هي أن التقدم الثقافي- وإن كنا في مجال الإبداع الذاتي للشعوب والأمم -لا يتم هو الآخر إلا بالتقاء الثقافات وتفاعلها مع بعضها أخذاً وعطاء من غير تقوقع على الذات أو تصادم مع الآخر, ولعل ذلك كله هو ما يمكن استخلاصه من تأمل مجمل حركة التطور التاريخي الذي مرت به ثقافات العالم وحضاراته الرئيسة حتى وقتنا الراهن.

إن الحضارات ليست, ولم تكن يوماً ما, في حالة تجمد وثبات وسكون, وإنما هي في حركة دائمة وتطور متصل الحلقات.. والحضارات المعاصرة تعيش كلها أزمة حقيقية حين تمر بمرحلة انتقال سريع صنعتها الثورات العلمية والصناعية التي تتابعت خلال الخمسين سنة الأخيرة, والتي تضاعفت سرعتها خلال هذه العقود الخمسة.. خصوصاً في ميادين الانتقال والاتصال والمعلومات.. وقد أدرك أهل الفكر في الحضارات المعاصرة مدى تأثير تلك الثورات على أحوال الفرد, وأحوال الأسرة, وأحوال الجماعة كلها.. وأن هذا التأثير الذي لا فكاك منه, يقتضي منهم وقفة جديدة يراجعون بها تراثهم وتقاليدهم وكثيراً من أفكارهم, ويحققون من خلالها التوازن الذي لا غناء عنه بين ثوابت الفكر والاعتقاد التي تحقق السكينة الداخلية للإنسان الفرد, كما تحقق التواصل بين أجيال الناس وبين ضرورات التطور لملاقاة التغيرات الجذرية التي أحدثتها الثورة العلمية بتجلياتها المختلفة, وتداعياتها العملية التي لا نهاية لها.

ومن المحقق أن عقلاء الأمة وحكماء مثقفيها يدركون ذلك كله, وهم من سنوات عديدة يمارسون عملية مراجعة وتأمل ونقد ذاتي لأحوالهم وأنماط سلوكهم.. ويديرون من أجل ذلك حواراً جاداً ينقذون به أجيالهم المقبلة من إدمان النظر إلى الماضي والانشغال به عن المستقبل, ويحققون به لأنفسهم شروط النهضة والتقدم, متواصلين  --في ذلك كله- مع شعوب العالم, وفاتحين عقولهم وصدورهم لكل جديد نافع, ولكل تطور مثمر.

على أن المطلوب الآن من مفكرينا تمثل التحديث والعمل على توفير شروطه لأمتنا, ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين التغريب Occidentalization والتحديث Modernization,  فالتغريب سيرورة على مستوى الهوية نزعاً وقلعاً واستلاباً, أما التحديث فسيرورة على مستوى التماهي, المشروط والجزئي والتدرجي. التغريب سلب للهوية وإبدال وإفقار إلى حد الإعدام, والتحديث تطوير للهوية وإغناء وتفتيح للشخصية على تعدد لامتناه من الأبعاد. وبقدر ما أن مكتسبات التحديث قابلة للتمثل النفسي, فإن التغريب استقلاب ممجوج ومرفوض من قبل الجهاز النفسي. وليس من قبيل المصادفة أن تكون الدلالة الاشتقاقية للكلمة تحمل معنى التغرب عن الذات بالإضافة إلى معنى التفرنج ومحاكاة الغرب.

ومن هنا فالتحديث بالنسبة لأمة تراثية كالأمة العربية, يوفر فرصة تاريخية نادرة لإحياء التراث ولوصل ما انقطع من تطوره ولتجديد نفسه والاستعانة بما تتيحه الحضارة الحديثة من مناهج علمية لم يسبق لها مثيل في التحقيق والحفر والتنقيب والدراسة والنقد والتمحيص وإعادة القراءة والتأويل فالتواصل مع الحضارة الحديثة, لا الانفطاع عنها, هو وحده الذي يمكن أن يضيف إلى قديم التراث جديداً, وإلى قيمته فضل قيمة, وأن ينفخ في مواته حياة, وأن يكشف فيه - بالاستعانة بحفريات المعرفة الحديثة وبمعماريتها - عن مكامن ثروة ما كان من الممكن قبل اليوم الاشتباه في وجودها, بل إن الانفتاح على الحداثة هو الذي يمكن أن يطرح على التراث أسئلة جديدة, وأن يستنطقه أجوبة جديدة, وأن يعيد صياغته في جزئياته وكلياته, وفي إشكاليات جديدة.

 

الهوامش

(1)    د. مصطفى الفقي: "العولمة أم صراع الحضارات", الأهرام في 23/10/2001م.

(2)    انظر صامويل هنتجتون: "صدام الحضارات" إعادة صنع النظام العالمي, ترجمة طلعت الشايب, كتاب سطور, القاهرة عام 1999م.

(3)    السيد الزيات: "هل تتلاشى الدولة في ظل العولمة" ص ,69 70 مجلة تحديات ثقافية العدد 4 القاهرة ربيع عام 2001م.

(4)    د. حازم الببلاوي: "مستقبل دور الدولة في الوطن العربي في ضوء المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المعاصرة والمتدفقة" دار الرازي, بيروت عام 1991م.

(5)    انظر د. جلال أمين: "العولمة والدولة" ص 156 في أسامة أمين الخولي: العرب والعولمة, مركز دراسات الوحدة العربية بيرو عام .1998

(6)    انظر السيد يسين: "الكونية والأصولية وما بعد الحداثة" ج2 ص 210 القاهرة عام 1996م.

(7)    فرانسيس فوكوياما: "نهاية التاريخ وخاتم البشر", ترجمة حسين أحمد أمين ص 62 مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1992م.

(8)    حفناوي بعلي: "الأدب المقارن والتوجه نحو العولمة" مجلة الجسرة العدد 5 ص ,29 30 قطر عام 2000م.

(9)    مسعود ضاهر: "صدام الحضارات وارتباك الخائفين", مجلة الربي العدد .452

(10)   د. أحمد عباس عبد البديع : "العولمة وتقارب الحضارات", الأهرام في 2/1/2002م.

(11)انظر مقدمة كتاب: "الإسلام وصراع الحضارات" ص ,32 23 د. أحمد القديدي, كتاب الأمة العدد 44 قطر عام 1995م.

(12)محمد علي الكردي: "حوار الأنا والآخر في عصر العولمة", مجلة تحديات ثقافية العدد 8 ص 58 القاهرة ربيع عام 2002م.

(13)د. أحمد كمال أبو المجد: "الإسلام وأمريكا", مجلة تحديات ثقافية العدد ,9 ص ,93 94 مصر صيف 2002م.

(14)بيتر جران: "رؤية جديدة لمستقبل العرب" ص 661 بحوث مؤتمر مستقبل الثقافة العربية, المجلس الأعلى للثقافة عام 1997م.