شعار العولمة .. إلى أين؟ أ. د / محمد فاروق النبهان
ا لمملكة ا لمغربية منبع
بسم الله الرحمن الرحيم
ظهرت لفظة " العولمة " كمصطلح جديد يثير عن حاجة المجتمع الإنسانى المعاصر فى هذه القرية الكوكبية للتعاون والتكامل فى القضايا التى ترتبط بها حياة هذا المجتمع وأمنه واستقراره وتطوره، سواء فى المجال الاقتصادى الذى يعتبر الأساس فى كل تنمية حقيقية أو فى المجال السياسى الذى يحقق الأمن والاستقرار، أو فى المجال العلمى والمعرفى والثقافى الذى يمهد الطريق أمام الإنسان لتقبل فكرة التعددية الثقافية المحكومة بضوابط التكامل الإنسانى والتعاون فى مجال المعرفة لتطوير قدرات الإنسان على مواجهة المشكلات المتولدة عن التخلف والفقر والجهل..
والأصل فى " العولمة " أن يبحث المجتمع المعاصر عن الوسائل الممكنة لتعاونه وتكافله من خلال إيجاد الصيغة الملائمة والعادلة والممكنة لاستراتيجية شمولية، تكفل للشعوب والدول حقوقها فى الاستفادة من التطور الإنسانى فى مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة العلمية..
و" العولمة " وفقا لهذا التصور التكافلى خطوة حضارية، لأنها نتاج وعى البشرية المعاصرة لأهمية اجتماعها على كلمة سواء فى قضاياها الأساسية والنهوض بمستوى الشعوب المتخلفة التى تعانى من مشكلات وأزمات، والعاجزة عن مواجهة تحدياتها المتعلقة بالتنمية الاجتماعية و ا لاقتصادية..
ولا يمكن للشعوب أن ترفض فكرة العولمة كاتجاه حضارى وكمنهجية للتعاون، وكوسيلة للنهوض، لأن الشعوب تدرك جيدا مصالحها وتحسن الدفاع عنها ولا يمكن أن ترفض أية منهجية سليمة للتكافل الإنسانى، لأنها تجد فيها خلاصها وانتشالها من واقعها..
ونجد ملامح " العولمة " بهذا المفهوم الإنسانى والأخلاقى فى القيم الإسلامية التى تدعو إلى التكافل بين الإنسان وأخيه الإنسان، والتعاون على الخير وإلغاء كل مظاهر التمييز العنصرى ومقاومة كل دعوة إلى إقليمية ضيقة أو قومية متفرقة أو عصبية جاهلية، ويضع الإسلام معيارا واضحا للتميز والتفاضل يقوم على أساس العمل النافع، وفعل الخير، والتنافس فيه والتضامن بين الأغنياء والفقراء، والتعاون بين الشعوب والقوميات لكى تكون كلمة الله هى العليا، ولكى تنتصر قيم التناصر والتراحم بين الأقوياء والضعفاء، فى ظل عقيدة متكاملة، ليست مطبوعة بأى طابع عنصرى أو قومى أو طبقى، غايتها النهوض بمستوى العلاقات الإنسانية لكى تكون مبنية على قيم الفضيلة..
و" العولمة " التى نريدها هى عولمة التكامل والتناصر الإنسانى وليست عولمة التنافس والتناصر التى تغذيها المصالح الفردية للأقوياء، وتنميها روح السيطرة والعنصرية والاستعلاء، فهذه عولمة مذمومة، لأنها تؤدى إلى سيطرة القوى على الضعيف، وتكرس حالة الانقسام والتمزق بين الدول والشعوب، وتقود إلى حروب ونزاعات وصراعات بين الشمال والجنوب، وتزيد من حدة الفجوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وتوجد الشعور النفسى بالاستعلاء والهيمنة، وتعطى للأقوياء من الدول والشعوب شرعية التدخل فى شئون الدول المستضعفة، والوصاية على سياساتها الاقتصادية الانتمائية ومواقفها السياسية، وهذا المفهوم للعولمة لن تقبله الشعوب ولن ترتاع إليه، وسترفضه، لأنه يفقدها شعورها بالسيادة، ويجعلها فى حالة من التبعية المذلة التى تتنافى مع حق الشعوب فى الدفاع عن هويتها الثقافية واستقلالها السياسى...
والإسلام لا يرفض مبدأ العولمة كشعار للتكافل والتقارب بين الأمم وإزالة أسباب التوتر بين المذاهب والأديان، وإيقاظ روح المحبة والتعاون للتخفيف من الآثار السلبية للتفاوت الاجتماعى بين الأفراد والشعوب، ولكنه يرفض أن تكون العولمة مطية لإلغاء الآخر، وأداة للسيطرة، وسياسة لإفقار الشعوب وتكريس التخلف فيها
والتعددية الثقافية فى المجتمع الإنسانى مظهر حضارى، ومؤشر واضح على عظمة وقدرة الشعوب على إغناء التجربة الإنسانية بتصورات وأفكار وثقافات وقيم معبرة عن حاجة الإنسان للتميز والتنافس، للتعبير عن ذاتيته.
وهذه التعددية هى نتاج جهد عقلى واندفاعات غريزية وعاطفية لتعميق علاقة الإنسانية مع الكون، من خلال تفاعل يثرى الحياة الإنسانية بثقافات متجددة وملائمة للزمان والمكان، ولا يمكن لأى دعوة للعولمة أن تلغى هذه الظاهرة الإنسانية، أو أن تهدد الهوية الثقافية للأمم فالتنوع حاجة فطرية وغريزية وهو وسيلة للدفاع عن الذات وتحصين تلك الذات بمقومات التفرد والتميز..
ومن اليسير علينا أن ندرس مبدأ العولمة المطروحة اليوم كشعار للمرحلة
المقبلة من تاريخنا المعاصر كما يمكن أن يستنتج من السياسات الدولية المعا صرة:
* إعطاء مصداقية حقيقية للشرعية الدولية، وتمكين المنظمات الدولية من القيام بدورها لتحقيق السلم الاجتماعى بين الشعوب، عن طريق وضع آلية لتفعيل دور الشرعية الدولية بعيدا عن الضغوط وسياسات الوصايا والهيمنة..
والعولمة التى يريدها عالمنا المعاصر هى عولمة التكافل والتعاون، لا عولمة السيطرة والهيمنة وعندما تخفى الدعوة إلى العولمة فى كيانها الرغبة فى السيطرة والتدخل والوصاية ومقاومة كل فكر
أو سياسة أو ثقافة وطنية فمن الطبيعى أن تكون هذه العولمة مرفوضة، لما تحمله فى ثناياها من تهديد لمصالح الشعوب ومقومات الدول، وخصائص الحضارات، والإسلام دين فكر وثقافة، وله عقيدته المتميزة بخصوصياتها الإنسانية وقواعدها الأخلاقية وأحكامها التشريعية وتتميز هذه العقيدة بشمولية رؤيتها المرتبطة بمكانة الإنسان فى الكون والحياة، وبنظرته إلى الإنسان كعبد لله مكلف بتكاليف شرعية، وأهمها أن يخضع لأحكام الله فى سلوكه ومعاملاته، وأن يرفض كل مظاهر الانحراف فى العقيدة أو السلوك،
وألا يظلم ضعيفا، وأن يمد يده لمساعدة الفقراء والمستضعفين، وأن يرفض التمييز العنصرى والطبقة المذمومة والقومية الضيقة وأن يعتمد فى نظامه السياسى على قاعدة الشورى كأساس للحكم، والمساواة بين الناس فى الحقوق والواجبات، ويرفض الإسلام كل الثقافات التى تتنكر للقيم الإنسانية، ولمبادئ العدالة ويدين كل أنواع العدوان ويعاقب عليه، ويبيح للشعوب المستضعفة والمستذلة والمعتدى عليها أن تدافع عن كيانها وحقوقها المشروعة..
ويجدر بنا أن نشيد بنظرة الأديان السماوية إلى وحدة الإنسانية، وقد خاطب القرآن الكريم الناس قاطبة فى شرق وغرب بخطاب واحد، قال تعالى :- ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (1) . والحضارة الإسلامية حضارة إنسانية اشتملت على خصوصيات، كفلت
لها البقاء والاستمرار والصمود، وستظل النموذج الأسمى لعولمة حقيقية، تتيح لكل شعب فرصة التعبير عن ذاتيته، لغة وتاريخا وانتماء ، ويشارك بطريقة إيجابية فى إثراء هذا الفكر الإنسانى، الذى يحارب جميع أنواع العنصريات الضيقة، ولا يقيم أى وزن للإنتماءات الجغرافية والقومية، وفى الوقت نفسه فإنه لا يضيق بهذه الانتماءات ولا يلغيها ولا يتجاهل ما تشتمل عليه من إيجابيات، ويجعل من هذه الخصوصيات أداة للتنوع الثقافى، وينبوعا لإغناء الفكر الإسلامى بفاعليات وطاقات جديدة..
وعالمنا المعاصر مدعو اليوم لعولمة المسئولية الناتجة عن الكوارث الطبيعية والأزمات الناتجة عن التخلف الحضارى، وتعثر مخططات التنمية فى البلاد المختلفة، والعالم كله مسئول عن سوء التغذية فى البلاد الفقيرة وانتشار الأمية فى بلاد العالم، وعندما يتحمل الغرب الغنى بثرواته ومعارفه وتقنياته وإمكانياته مسئوليته الأخلاقية فى دعم الشعوب الفقيرة وفى رفع الظلم عنها، وفى التخفيف من آلامها أو كوارثها فإن من الطبيعى أن تصبح العولمة بهذا المفهوم مرادفة لمعنى التكافل والتعاون، ولا يمكن لأحد أن يرفض اليد الممدودة لنصرته، فالشعوب تدرك بفطرتها النقية ملامح الصدق فى الخطوات والسياسات والشعارات المطروحة، ويضيق صدرها بكل الشعارات والأفكار التى تسلبها حريتها أو تكبل أيديها بالأغلال..
ولابد فى النهاية من توليد ظروف نفسية للحوار الجاد بين الغرب وعالمنا الإسلامى يقوم على أساس الفهم المتبادل الذى يعترف فيه الغرب بخصوصيات العالم الإسلامى ومصالحه الحيوية المشروعة، عندئذ يمكن للحوار أن يكون أداة للتعاون والتقارب فى سبيل مستقبل أفضل..
المراجع
(1) سورة الحجرات الآية: 13.
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××