Daniel Pinkكتب المستشار التجاري، المحاضر الجامعي والمؤلف، دانيال بينك حول موضوع الاقتصاد العالمي وتأثيراته على الناس عبر العالم في كتابين لقيا إطراءً جيداً، هما "عقلية جـــديدة بالكامل" (A Whole New Mind) و "دولة الوكيل الحرّ" (Free Agent Nation). نشرت مقالاته عن الناس الذين اختاروا الانسحاب من عالم الشركات المساهمة للعمل لحسابهم الخاص، ولتقديم عملهم من خارج نطاق الشركات، والبحث عن معنى الحياة من خلال العمل، في صحيفة نيويورك تايمز، ومجلة هارفرد للأعمال، ومجلة فاست كومباني. وهو مُحرر مساهم في مجلة "وايرد" (Wired). يكتب أيضاً عاموداً في مجلة "ياهو فاينانس" (Yahoo Finance). أجرى الكاتب بول مالامود، من هيئة العاملين في وزارة الخارجية الأميركية هذه المقابلة معه. منبع

سؤال: ما هي العولمة، حسب رأيك؟

بينك: العولمة هي الحركة الواسعة في ما بين الاقتصادات، والمجتمعات، والتكنولوجيا التي تشبك العالم سوية وتجعله أكثر قرباً، وتؤثر في أسواق الرساميل، والتكنولوجيا، ومبادلة المعلومات.

سؤال: ما الذي يجعل هذا الأمر يحدث؟

بينك: اعتقد أنه العديد من الأشياء. وأحدها بالتأكيد هو ظهور تكنولوجيا جديدة كالإنترنت التي تتيح  لطفل في زامبيا إيجاد معلومات بنفس السرعة تقريبا التي يحصل فيها رئيس أمناء مكتبة جامعة كيمبريدج عليها. فهي تتيح للناس البقاء على اتصال مع بلدانهم الأصلية بسهولة اكبر. وتسمح بانتقال الرساميل عبر العالم إلى المكان التي يمكن استخدامها فيه بأكبر قدر من الفائدة. تضفي قدراً من الشفافية على الحكومات والمؤسسات السياسية أكبر من أي قدر سابق. إنها تفتت حواجز التجارة. عندما أفكر بالعولمة، أفكر بأنها تعني أساساً التدفقات: تدفقات أفكار، تدفقات الرساميل، تدفقات السلع والخدمات، تدفق البشر، وكل هذه أصبحت أكثر سهولة وتم تسريعها نتيجة العولمة.

 

 

سؤال: هل نحن في وضع افضل أو أسوأ من ما كنا فيه نتيجة العولمة؟

بينك: أصبحنا في وضع افضل. حسب رأيي، العولمة جيدة، ولكنها ليست كاملة. ولا يمكننا ان نجعل من الكمال عدواً لما هو جيد. بوجه عام، رفعت العولمة المستويات المعيشية عبر العالم. لكن من الواضح ان بعض التشوهات ظهرت بسببها. فإذا كنت عاملاً أميركياً ويجري نقل عملك الصناعي إلى بلد من بلدان العالم النامي، حيث سوف يُدفع إلى عامل خمس ما كنت تكسبه، تكون العولمة قد أضرت بك بشكل ما.

في نفس الوقت، سوف يستفيد ذلك العامل الصناعي وأفراد عائلته من انخفاض كلفة السلع والخدمات بسبب انخفاض الحواجز التجارية. من الواضح انهم سيستفيدون من كل هذه التكنولوجيا التي تساعد في تمكين قيام العولمة. وعليه، فان رأيي هو ان العولمة هي في أكثرها إيجابية. ويتمثل التحدي للسياسة العامة والتحدي للقيادة السياسية، على المستوى القومي وعبر حدود القوميات، بضمان حصول الناس على فوائد العولمة، وبالنسبة للجانب السيئ منها، على الحكومات والمؤسسات السياسية ان تتدخل لتخفيف حدة تأثيراتها السلبية.

سؤال: هل هناك إحصائيات تؤكد ان العولمة ترفع مستوى الجميع؟

بينك: يعتمد ذلك على مستوى المعيشة. بالتأكيد تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الولايات المتحدة ثلاث مرات خلال الخمسين سنة الماضية. وأنا متأكد من ان مستويات المعيشة تحسنت أيضاً في الكثير من باقي أنحاء العالم. وبعد قول ذلك، يبقى لدينا أكثر من مليار شخص على هذا الكوكب يعيشون بدخل يقل عن دولار واحد في اليوم. ولذلك لا تعني العولمة في المدى طويل ان كل فرد سوف يعيش في ارض المن والسلوى، ولكن، بوجه عام، جعلت العولمة الأمور افضل وليس أسوأ وما كانت عليه، وبوجه عام، اصبح الحاضر افضل من الماضي. وبوجه عام، إني متأكد تقريباً، ليس لاني شخص متفائل يرى بعيون حالمة، بل لاني واقعي، ان المستقبل سوف يكون افضل من الحاضر.

سؤال: في كتابك "عقلية جديدة بالكامل" تكهنت بخروج عدد أكبر من الوظائف المكتبية من البلدان المتطورة إلى بلدان نامية، وتقول انه سوف يتم التعويض عن هذه الخسارة بخلق عدد اكبر من الوظائف الخلاقة في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلدان المتطورة. لكن يفترض ذلك ان لمعظم الناس قدرة على الإبداع بدرجة عالية. وإذا افترضنا ان معظمنا ليسوا كذلك؟.

بينك: لا أوافق على فرضية ان معظم الناس لا يملكون هذه الأنواع من القدرات ورأيي هو ان الاقتصادات تصبح مؤتمتة اكثر وتنقل إلى خارج حدودها العمل الروتيني لموظفي المكاتب، كأعمال المحاسبة الأساسية، والتحليل المالي الأساسي، وحتى الخدمات القانونية الأساسية، وهذا هو نفس النمط الذي رأيناه في العمل الروتيني للمصانع. اليوم، أي شيء روتيني، أي شيء يمكن اختصاره في نص مكتوب، في صفحة مواصفات، في مجموعة من الأنظمة، هذا النوع من العمل سوف يختفي بدرجة متزايدة من الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا الغربية، واليابان لان أداء هذا النوع من العمل قلّت كلفته بسبب أنظمة الكمبيوتر وإنجازه على أيدي أناس من الخارج.

والآن، ان ما يعني ذلك من أجل استمرار البقاء في الاقتصاد، عليك ان تفعل شيئاً لا يكون روتينياً. بل أن عملاً فنياً مبدعاً، جازماً، ويدور حول الصورة الأكبر. واعتقد أن الفكرة القائلة بأن أفراد الجنس البشري بوجه عام، والأميركيون بوجه خاص، لن يتمكنوا من ان يكونوا مبدعين، وجازمين، ومتوجهين نحو الصورة الكبيرة هي فكرة خاطئة تماماً.

فعلى سبيل المثال، خذ في اعتبارك الزمن التي كانت فيه أميركا تنتقل من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي، وكان الناس يقولون، "حسناً، لا يمكن لكل الناس الالتحاق بمدرسة ثانوية. ولا يمكن لكل الناس تعلم القراءة والكتابة. فالتعليم الجيد يبقى مخصصاً فقط لنخبة معينة من الشعب". ان ما أتحدث عنه هنا ليس أن يصبح كل شخص سلفادور دالي، بل ان يصحب كل شخص بارعاً في مثل أنواع القدرات العالية المفاهيم، العالية اللمسات. واعتقد أن يمكن إنجازه بدرجة عالية.

لن يقول أحد: "لا تستطيع الجماهير ان تصبح متعلمة". فلا يستطيع كل إنسان ان يصبح طوني موريسون؛ لكن بإمكان كل إنسان ان يصبح متعلماً. "لا تستطيع الجماهير ان تصبح ضليعة بالرياضيات". حسناً، اني لا أوافق على ذلك. لا أعتقد ان كل شخص يمكن ان يصحب البرت اينشتاين ولكنهم يستطيعون ان يصبحوا ضليعين في الرياضيات ويمكنهم الذهاب إلى ابعد من ذلك.

سؤال: ماذا سيحدث للناس في الدول المتطورة عندما يصبح الناس في البلدان النامية من العالم متعلمين جيداً بدرجة تماثلهم فيتمكنون من تحقيق إبداعهم الخاص؟

بينك: أعتقد أن هذه هي نقطة ممتازة. يتطرق توم فريدمان إلى هذه المسألة في كتاباته. هناك مدرستان فكريتان مختلفتان. إحداهما تقول ان الصين والهند تتسابقان معنا في الوصول إلى الأسوأ والأخرى تقول انهما تتسابقان معنا في الوصول إلى الأفضل. يعتقد فريدمان، وأنا أوافقه الرأي، بأنهما تتسابقان معنا للوصول إلى الأفضل. ومرة أخرى، لا اقول ذلك لكوني شخصا متفائلا بل لان هذا ما كان عليه النمط دائماً، لان ذلك كان المسار دوماً. الآن، لا أعني ان هو هذا المسار سوف يكون هو المؤكد 100 بالمئة، ولكن هذا ما أراهن عليه.

وهكذا أوافق على أن الأميركيين لا يملكون على الإطلاق أي احتكار على هذه الأنواع من القدرات الخلاقة، وان ما علينا نحن الأميركيين ان نفعله هو التخلص من الرضا عن النفس والعمل لنصبح افضل بكثير في هذه القدرات، لان هذين البلدين يتسابقان معنا في الوصول إلى القمة، كما يقول توم فريدمان.

سؤال: طبيعة العمل تتغير بطرق أخرى. أصبحت أجهزة الكمبيوتر أكثر تعقيداً وقدرة. ما هو أقرب وقت تتوقع عنده أن تنافس الكمبيوتر الإنسان في العمل على المستوى المهني؟

بينك: أعتقد أن أجهزة الكمبيوتر تؤدي، من بعض الطرق، أنواعاً معينة من الأعمال المهنية. أنظر إلى "تيربو تاكس" (برمجة كمبيوتر تساعد الناس في إعداد إقرارتهم الضريبية). لدينا كل هذا القلق حول تحويل العمل إلى خارج حدودنا وإجرائه من قبل مصادر خارجية. فقد تم إعداد 3 ملايين إقرار ضريبي في الهند من قبل هنود متخصصين في إعداد هذه الإقرارات، ولكن تم إعداد 21 مليون إقراري ضريبي آخر بواسطة البرنامج تيربو تاكس. وهكذا بطريقة ما تستطيع برامج الكمبيوتر تأدية عناصر معينة من العمل المهني وسوف تقوم بصورة متزايدة بتأدية أكثر وأكثر من الأعمال.

وما يعني ذلك هو ان المحاسبين الذين يريدون الاستمرار في ممارسة عملهم لا يستطيعون تأمين معيشتهم من خلال تأدية نفس نوع العمل الذي تستطيع فعله قطعة من برنامج كمبيوتر كلفتها 39.95 دولار. عليهم القيام بالأشياء التي يصعب اكثر تصغيرها إلى رموز كمبيوتر، التي تُشكّل نوعاً متطوراً من تقديم المشورة، أي فهم الاحتياجات المالية للناس وتقديم إرشادات مالية من مستوى أعلى.

وهذا الأمر ينسحب، إلى مدى معين، على وسطاء الأوراق المالية والاستثمارات أيضاً. ففي أيامنا  الحاضرة يُجري العديد من الأميركيين الاستثمارات من طريق الإنترنت مباشرة. وتتوفر المعلومات بشكل واسع، ومعاملات تبادل الأسهم والسندات عبر الإنترنت قليلة الكلفة نظراً للتمكن من إجرائها على الكمبيوتر لديك، وانتفت الحاجة بعد الآن للاتصال بالهاتف بوسيط أوراق مالية لأجراء معاملات روتينية.

عند نقطة معينة سوف يحاول وسيط الأوراق المالية ان يصبح مستشاراً مالياً لفهم وضعك بطريقة أكثر تفصيلاً وليقدم لك مختلف الإرشادات التي لا يستطيع برنامج كمبيوتر ان يقدمها مطلقاً.

سؤال: ماذا بشأن الروبوتات وكيف تتوقع منها أن تؤثر على العمل المتوفر؟

بينك: إذا ذهبت اليوم إلى قاعة مصنع، سوف لن ترى قاعة التصنيع التي كانت رائجة في العشرينات أو حتى في الخمسينات من القرن الماضي، حيث كانت تعمل مجموعات من أعمال مرتدين بدلات الورش متسخة بالشحوم يديرون مفاتيح الربط على خط التجميع. فسوف تشاهد أشخاصاً يحملون أحياناً كثيرة شهادات انتساب جامعية يشغلّون بالأساس هذه الروبوتات. لا تملك هذه الروبوتات استقلالاً ذاتياً إدارياً أو إرادة خاصة بها. تستجيب هذه الروبوتات إلى رموز برامج ولذلك يتوجب على أحد الأشخاص كتابة الرموز وعلى شخص آخر رصد عمل هذه الروبوتات. وهذا ما يُشكّل بصورة متزايدة الكثير من الأعمال في التصنيع. إنه يدعو بوضوح إلى إنشاء مستوى أعلى من المهارة.

سؤال: هل يملك معظم العمال في العالم الذكاء، حاصل الذكاء، للتكيف مع كل ذلك؟

بينك: دعني أعارض فرضية هذا السؤال، بأن حاصل الذكاء هو المقياس لجدارة الفرد. فحاصل الذكاء هو نوع خاص من التفكير المنطقي ولكنه بالكاد يُشكّل النوع الوحيد من التفكير المنطقي، وهناك إثباتات تؤكد ان العلاقة المتبادلة بين حاصل الذكاء والنجاح المهني تساوي صفراً، بالأساس. ان الترابط المتبادل مع حاصل الذكاء هو المهنة التي تدخلها. وكذلك، فقد ارتفع حاصل الذكاء المقاس باختبارات معيارية مع مرور الزمن أيضاً، أي ازداد متوسط حاصل الذكاء. يُشكّل حاصل الذكاء جزءاً من الفطنة التي يملكها الفرد، ولكنه ناحية صغيرة فقط من هذه الفطنة؛ فانظر إلى بحث دان غولمان حول الذكاء العاطفي، وانظر إلى بحث هوارد غاردنر في جامعة هارفرد ونظريته حول أشكال الذكاء المتعددة. أنا لا أثق كثيراً في اعتبار حاصل الذكاء مقياساً لقدرة الإنسان.

سؤال: تشعر أن كرامة الإنسان مهددة بفعل بعض المنتجات الجانبية للعولمة؟ يؤكد البعض ان روابط العائلة، والعشيرة، والجماعية وهرمية السلطة بدأت تتراخى، بل وحتى كرامة الإنجاز الفردي المستند إلى تطوير المهارات الفردية تعني اقل بسبب التغيرات المتكررة في الأدوار في الاقتصاد المعولم؟

بينك: هذا سؤال وجيه. إذا كنت تعتبر العالم الغربي بمثابة بشير للمستقبل، فنرى ان الصلات العائلية هنا أكثر تشتتاً من ما هي عليه في أجزاء أخرى من العالم. لديك هنا حركية اعظم بكثير؛ فلا يعيش الناس بالضرورة حيث يعيش أهاليهم أو حيث يعيش أشقاؤهم وشقيقاتهم. هناك مجموعة متعددة من الأنماط المختلفة للعائلة الآن تطرح التساؤل حول الأسرة النواة.  النقطة حول هوية الإنسان التي تتشكل من عمر كامل من المهارات تبقى مثيرة للاهتمام. لكن أعتقد أن هناك تغييرا في ذلك، لان نصف حياة كل نوع من القدرات اليوم أصبح  يتقلص ويستمر في التقلص. لا تستطيع تأمين معيشتك من خلال ممارسة مهنة واحدة على مدى 40 عاماً، لان الأمور لم تعد تسير بهذا الشكل. فمدة الحياة لأي مجموعة معينة من المهارات أصبحت بالواقع حوالي سنتين. لذلك من الواضح الآن ان التعلّم كما تعلّم كيفية التعلّم والتحسين المتواصل لمستوى التعلم توفر علاوة للناس.

والآن لا أدري ما إذا كان ذلك يفتت الكرامة الإنسانية. يستطيع المرء ان يناقش بأن ذلك قد يعززها، إذ يُتيح للناس مواصلة العمل للأحسن، عدم السقوط في الركود، الحصول على فرصة أكبر للازدهار. لكن، من الواضح، ان القصص الفردية تختلف فيبقى هذا التساؤل في محلّه.

سؤال: في كتابك "عقيلة جديدة بالكامل" تميل إلى الإشارة إلى الناس بصفة التأنيث، "هي". هل تشعر أن العولمة تسلط الضوء على دور المرأة؟ هل تعني أيضاً التلميح بأن الصفة الأنثوية للنفس الإنسانية سيكون لها نوع من الأفضلية في الاقتصاد الجديد؟

بينك: هناك أدلة كثيرة على أن الناس الذين يملكون أذهاناً ذات صفات أنثوية أكثر،أي الذين يستطيعون التفكير نموذجياً بطريقة ذكورية "الدماغ الأيسر" كما بطريقة أنثوية "الدماغ الأيمن" كذلك، قد يملكون أفضلية تقارنية في الاقتصاد الحديث. أعتقد أن الكثير من القدرات التي تُستبعد أحياناً كثيرة لكونها "مؤنثة" أو "لينّة"، أي أشياء كالاندماج الوجداني، وإلى بعض المدى، حتى الإبداع بذاته، أصبحت أكثر أهمية هذه الأيام وقد تضفي أفضلية طفيفة للنساء. لكني اعتقد بأن المستقبل يعود لأشخاص ذوي عقول أنثوية، أشخاص يملكون تلك القدرة التحليلية الجامعة، كما أنهم يملكون تلك القدرة الفنية، الشعور أو لاندماج الوجداني.

سؤال: هذا هذا صحيح فعلاَ؟ ألا يشعر معظم الناس بارتياح تجاه المواقف الجنسية التقليدية؟

بينك: حسناً، أنظر إلى المهنة العسكرية في الولايات المتحدة. إنها مهنة المغالين بالتباهي برجولتهم. لكن لديك عددا كبيرا من النساء اللواتي يخدمن في الجيش. فالمهمات التي يطلب من الجنود اليوم  أداؤها تشمل أحياناً مجموعة أكثر تعقيداً من المهارات. فعليهم ان يفهموا الثقافة المحلية؛ هناك مهمات لحفظ السلام، وعملية حفظ السلام تختلف جداً عن المشاركة المباشرة في المعارك. وحسب رأيي، يملك كافة الرجال بعض القدرة على التفكير بصورة أنثوية، وأولئك الذين لا يرغبون في تطوير هذه القدرة قد يواجهون مشاكل.

سؤال: أحد التغييرات التي ترتبط بشكل ما بالعولمة هو انتشار استعمال الهواتف الخليوية والإنترنت، وحتى العاب الكمبيوتر. هل هذه الظواهر، في شكلها المنطوي على التسلية، مرتبطة حقيقة بالاقتصاد المعولم؟

بينك: من الصعب القول، لكن حتى العاب الفيديو، مثل أي شكل تسلية آخر، يمكنها أن تصبح لغة تفاهم مشتركة تستطيع تجاوز الثقافات؛ حتى التواصل المستمر للهواتف الخليوية يمكن ربطه بالعولمة، رغم كونه ابن عم بعيد نوعاً ما.

سؤال: في كتابك، تقول ان العولمة تبدو على أنها قادت إلى زيادة البحث عن الروحانية في الولايات المتحدة. لماذا حصل ذلك؟

بينك: هناك عدد هائل من الأدلة التي تؤكد أنه بعد مستوى معين، ومتواضع نسبياً، فإن زيادة الثروة لا تولد الرضا والسعادة في حياة الإنسان. وأن ما يضفي الرضا والسعادة في نهاية المطاف هي الأشياء غير النقدية: العمل المرضي، العلاقات الوثيقة، عيش حياة ذات معنى. أعتقد أنه بقدر ازدياد عدد الناس الذين يتحررون من الكفاح من أجل البقاء، سوف يصبح لدينا عدد أكبر من الناس الذين يمتلكون ترف السعي عن المعنى، السعي للحصول على شعور بالمقصد من الحياة، إحساس بالتسامي الروحي.

أنظر إلى بحث عالم الاقتصاد روبرت ويليام فوغل، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، عندما يتحدث عن "اليقظة العظيمة الرابعة". يتحدث عن كيف ان السعي لتحقيق الذات توسع من جزء ضئيل من كوكب الأرض إلى أجزاء اكبر بكثير، وبالأخص في العالم النامي. ويسميه آخرون بأنه يعني "الحاجة إلى المعنى"، أي انتقلت أجزاءً من كوكب الأرض من مفهوم "الحاجة إلى المادة" إلى مفهوم "الحاجة إلى المعنى". أطلق رونالد انغلهارت من جامعة مشيغان على السعي لتحقيق الذات حركة انتقال من القيم المادية إلى قيم ما بعد المادية. اعتقد ان هناك نوعا من الترف ينجم عن الأحوال المادية الجيدة فيحرر الناس ليسعوا ما هو أكثر.

سؤال: في كتابك "بلاد الوكيل الحر"، قلت إن القوى العاملة المعولمة سوف تتكون أكثر فأكثر من ناس يمارسون الأعمال لحسابهم. فماذا عنيت بذلك؟

Cartoon
كان للعمل في المنزل فضائل متعددة. (حقوق نشر الرسم لمجموعة داني شاناهان النيويوركية لسنة 2000، من موقع cartoonbank.com)

بينك: عرّفت الوكيل الحر على انه شخص يعمل دون ان يكون مرتبطاً بمؤسسة كبيرة، أي العمل الطليق، المالك الوحيد، المشغّل بمؤسسة اعمال صغيرة. اصبح هذا النوع من العمل أكثر انتشاراً بسبب التكنولوجيا، بسبب العقد الاجتماعي المتغير جذرياً بين الأفراد والمؤسسات، بسبب التغيير البنيوي ضمن المؤسسات ذاتها، وجزئياً بسبب البحث عن المعنى الذي تحدثنا عنه.

هذه هي القوى التي تجعل الكثير من الناس يقفزون من سفينة الشركات المساهمة وينطلقون للعمل لحسابهم، كما يدفع ذلك غيرهم من الناس. اما بالنسبة لارتباط كل هذه الأشياء بالعولمة، يخضع هذا الارتباط إلى المدى الذي يتيح للناس فيه حركية أكثر. هناك أشخاص يعملون لدى شركات أميركية شمالية قد يقطنون في أوروبا أو أماكن أخرى في الخارج. ويُتاح الآن للمفتشين عن شراء المواهب الوصول إلى سوق عمل لا تكون محلية فحسب بل عالمية بالفعل، مع أن بدأت تتطور للتو. ومع تطور الاقتصادات، اعتقد بأنك سوف ترى عدداً أكبر فأكبر من الناس حول العالم يسعون لابتكار طرقهم الخاصة في العمل، بدلا من ربط أنفسهم بصورة دائمة بمؤسسة واحدة.

Today's Nuclear Equation

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سسياسات الحكومة الأميركية.