الرأي/ نسرين أنابلي

حوار مع المفكر العربي د. حسن حنفي *
الخصوصية لا تعني الانغلاق والتقليد والانكفاء على الذات واستبعاد الآخر
"العولمة تعني مزيداً من تبعية الأطراف"د. حسن حنفي

+لكل ثقافة مسارها، وأن ثمة ثقافة مركزية في مرحلة ما من التاريخ، فكيف تشخص الثقافة المسيطرة حالياً؟

++ أجل لا يوجد مسار واحد لجميع الثقافات. فالثقافة تعبير عن مرحلة تاريخية بعينها. وتتعدد المسارات بتعدد الثقافات عبر التاريخ. فإذا ما سيطرت ثقافة وذاعت، وتحولت إلى ثقافة مركزية وأصبحت باقي الثقافات في الأطراف، وأصبح مسار الثقافة المركزية هو العصر والتاريخ والمسار لباقي المسارات يعادل الثقافة العالمية، وغيرها من ثقافات محلية. حدث ذلك في الحضارة المصرية القديمة، بل وفي جميع حضارات ما بين النهرين وكنعان عندما كانت تمثل الثقافة المركزية. وغيرها من الثقافات اليونانية في الغرب، والفارسية والهندية في الشرق والأطراف. وحدث ذلك أيضاً مع حضارات الشرق القديم. ثم تكرر ذلك مع اليونان، بعد فتوحات الإسكندر عندما أصبحت الثقافة اليونانية ثقافة المركز.

ثم ورثت الثقافة العربية الإسلامية الثقافات القديمة، وذاعت في الشمال الغربي وفي أوربا عبر الأندلس، وفي الشمال الشرقي في أواسط آسيا، وفي الشرق في جنوب آسيا عبر فارس والهند وحتى الصين. وأصبحت هي ثقافة المركز تفيض على غيرها من الأطراف.

وفي خضم سيطرة المركز الأوربي في عصوره الحديثة، وترويجه لثقافته خارج حدوده إلى باقي الثقافات، أصبح مسار التاريخ الأوربي عن وعي أو لا وعي، هو المسار التاريخي لجميع الثقافات. فنحن في نهاية قرن وفي بداية قرن آخر، وكأن تاريخ العالم يبدأ فقط منذ ألفي عام، منذ ولادة السيد المسيح. وكأنه لم يكن هناك تاريخ ولا ثقافات ولا شعوب قبل ذلك.

+ هل يعني هذا أن العولمة سواء كانت ثقافة تنطلق من مركز مهيمن أم اقتصادية أم غير ذلك، هي شكل جديد للهيمنة الإمبريالية الشاملة؟

++ لا شك أن العولمة هي أحد أشكال الهيمنة الغربية الجديدة، التي تعبر عن المركزية الأوربية في العصر الحديث، والتي بدأت منذ الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر، ابتداءً من الغرب الأمريكي والتفافاً حول إفريقيا حتى جزر الهند الشرقية والصين.

وبعد التحرر من الاستعمار في هذا القرن، بدأت أشكال الاستعمار الجديد في الظهور بأسماء وأشكال متعددة. كما تظهر العولمة في إحكام الحصار حول مناطق الاستغلال الاقتصادي أو السياسي أو الحضاري، البعيدة عن المركز، مثل حصار العراق وليبيا، وتفتيت السودان، وتهميش مصر، وتهديد إيران. وفي إحكام الحصار الاقتصادي حول آسيا. والعولمة تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأوربي، تقوم على عنصرية عرقية، وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة.

وأراد الغرب أن يعيد الكرة في مرحلة ما بعد التحرر، فأفرز أشكالاً جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وتوزيعها خارج حدوده. مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، الإدارة العليا goveradce، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة، الكونية. وكلها مفاهيم تكشف عن سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث، وتجعل المثقفين في العالم الثالث يلهثون وراءها بالشرح والتفسير والتعليق. وأصبح كل من يدافع عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية والاستقلال الحضاري رجعياً، إظلامياً، أصولياً، إرهابياً، متخلفاً.

وإذا تم إخراج مفاهيم العولمة أو الكونية والإدارة العليا ونهاية التاريخ لتقوية المركز فقد تم تحت مفاهيم أخرى للتصدير خارج المركز إلى الأطراف، مثل مفاهيم (ما بعد الحداثة)، نهاية عصر الحداثة الذي ارتبط بالقانون والنظام، والتنظير والتعقيل والترشيد، والتحكم في قوانين الطبيعة، وغائية الإنسان والكون، والتقدم والطموح. و هي المفاهيم التي قامت عليها حضارة المركز ذاته، منذ بداية عصوره الحديثة حتى الآن. وبالتالي بداية عصر الفوضى في الطبيعة، والمعاداة للمنهج، والتعددية بلا غاية أو هدف، وغياب الحوار والتفاهم والتخاطب. وكأن الغرب بعد ما نعم بالحداثة ومآثرها واكتفى منها وسئمها، يريد هدمها!

+ كيف ستؤثر مخاطر العولمة على الهوية الثقافية؟

++ إن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، إنما هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية. العولمة تعني مزيداً من تبعية الأطراف للمركز، تجميعاً لقوى المركز وتفتيتاً لقوى الأطراف وبضمن ذلك الدولة الوطنية.

وتقذف عليها مفاهيم جديدة أشبه بالسوط على من لا يدخل بيت الطاعة في نظام العالم الجديد: حقوق الإنسان، حقوق الأقليات، حقوق المرأة. وقوى الدعم الغربي لمراكز حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي الفردي دون مراعاة لحقوق المواطنة وحقوق الشعب.

وانتشرت البحوث عن الأقليات العرقية والطائفية، من أجل إبراز الخصوصيات والهويات والتعددية الثقافية، للقضاء على وحدة الثقافة، ووحدة الوطن، ووحدة التاريخ، ووحدة المصير.

وتعم قيم الاستهلاك والمتعة بالحياة، ولا تنظر الأمم إلى مشاريع قومية وخطط استراتيجية بعيدة المدى، فذلك من اختصاص المركز. وما على الأطراف إلا ركوب القطار، الذي يحدد المركز اتجاهه وسرعته ونوع حمولته.

فإذا ما اتسعت المسافة بين الأغنياء والفقراء انتشرت الجرائم المنظمة وظواهر الحماية الشخصية. وينتشر الفساد ووسائل الكسب السريع وتهريب الأموال ويزداد الغلاء والترف. ويزدهر الجنس متعة رخيصة لمن يمتلك المال. وتضيع القيم العامة وينتهي ما يربط الناس، ويزداد التفكك الأسري والتشرذم الاجتماعي.

وباسم المثاقفة يتم انحسار الهويات الثقافية الخاصة، داخل ثقافة المركز، وتخفف بعض المصطلحات الأخرى من مستوى عدم الندية بين الثقافات، فتبرز مفاهيم التفاعل الثقافي، التداخل الحضاري، حوار الحضارات، التبادل الثقافي. وهي مفاهيم تنتهي إلى أن ثقافة المركز هي الثقافة النمطية ممثلة في الثقافة العالمية، والتي على كل ثقافة احتذاؤها. وتنتهي أسطورة التعددية التي طالما قامت عليها حضارة المركز، وعبر عنها وليم جيمس في (عالم متعدد) لصالح عالم أحادي الطرف. ثقافة تبدع وثقافات تستهلك، ثقافة تصدِّر وثقافات تنقل.

وبطريقة لا شعورية وتحت أثر تقليد المركز والانبهار بثقافته، يتم استعمال طرق تفكيره ومذاهبه إطاراً مرجعياً للحكم دون مراجعة أو نقد، وتبنيها وإطلاقها واعتبارها الثقافة العالمية الممثلة لجميع الثقافات.

وتتبنى ثقافة الأطراف كل ما يصدر في المركز من أحكام خاصة: ثنائيات الحس والعقل. وتعارض المثالية والواقعية. الكلاسيكية والرومانسية، وتعارض الدين والعلم. الفصل بين الدين والدولة، والانقطاع مع القديم.

وتصبح التجربة النموذجية التي تحذو حذوها كل التجارب الأخرى، تمنع إبداعات الأطراف الذاتية والتفكير المستقل.

وبمقدار ما يزداد التغريب في المجتمع، وتنشر فيه القيم الغربية، والعادات الغربية وأساليب الحياة الغربية، خاصة عند الصفوة التي بيدها مقاليد الأمر مع شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة. يزداد تباعد الجماهير عنها واتجاهها إلى ثقافتها وتمسكها بتقاليدها.

ويتحول الخصام الثقافي بين أعضاء العولمة وانصهار الهوية إلى صراع على السلطة صريح أو ضمني، عندما تضعف الدولة وينهار مشروعها القومي، كل فريق يرى أنه أحق بوراثة الحكم من الفريق الآخر بمفرده.

+ هل تتمتع الثقافة بقوة ذاتية تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد تلك المخاطر؟

++ لا يتأتى الدفاع عن الهوية الثقافية ضد مخاطر العولمة، عن طريق الانغلاق على الذات ورفض الغير. إنما يتأتى أولاً بإعادة الموروث القديم المكون الرئيسي للثقافة الوطنية، بحيث تزال معوقاته وتستفز عوامل تقدمه، وكلا العنصرين موجود في الثقافة.

ويتم إعادة الموروث القديم بتجديد لغته من اللغة القطعية والألفاظ التشريعية، إلى اللغة المفتوحة والألفاظ الطبيعية، وتغيير مستويات تحليله من المستوى الإلهي الغيبي التقنيني، إلى المستوى الإنساني الحسّي التحرري.

لقد تغير العصر كله، من النصر إلى الهزيمة، ومن الإبداع إلى النقل. ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن العقل إلى النقل، و من الحرية إلى القدرية، ومن البيعة إلى الشركة.

وهذا يحتم إبداع ثقافة جديدة تعبر عن ظروف العصر، من احتلال وقهر وتجزئة وظلم اجتماعي وتخلف وتغريب ولا مبالاة.

على هذا النحو يمكن تجديد الثقافة العربية. إذ لا تعني الخصوصية الانغلاق والتقليد والانكفاء على الذات واستبعاد الآخر والخوف من العصر. إنما تعنى الخصوصية البداية بالأنا قبل الآخر، وبالقريب قبل البعيد، وبالموروث قبل الوافد كما فعل القدماء. وتعني الخصوصية أدبياً، البداية بالجذور قبل الثمار.

ويتطلب الدفاع عن الهوية الثقافية ثانياً: كسر حدة الانبهار بالغرب، ومقاومة قوة جذبه. وذلك برده إلى حدوده الطبيعية.

+ وكيف يمكن تجنب سطوة العولمة، أو على الأقل التخفيف من غلوائها؟

++ يمكن التخفيف من غلواء العولمة، عن طريق قدرة الأنا على الإبداع بالتفاعل مع ماضيها وحاضره، بين ثقافتها وثقافة العصر، ولكن ليس قبل الانبهار بالآخر كنقطة جذب لها وإطار مرجعي لثقافتها.

التفاعل في الواقع الخصب، وإحضار الماضي والمستقبل في الحاضر. هو السبيل للمزج العضوي بين الخصوصية والعولمة، وصهرهما في أتون الواقع الجديد ومتطلبات العصر.

فلا فرق بين أن يتم تحرير الأرض باسم الخصوصية، والجهاد في سبيل الله والإذن بقتال المظلومين للظالمين. وبين أن يتم ذلك دفاعاً عن الحرية العامة للأفراد والشعوب، كما هو الحال في فلسفة التنوير، ولا ضير في أن تحقيق العدالة الاجتماعية باسم الزكاة والتكافل الاجتماعي، وبين أن يتم ذلك، باسم الاشتراكية الماركسية أو النزعة الإنسانية.

ولا حرج في أن تتم وحدة الأمة باسم التوحيد، وبين أن تتم باسم القومية أو وحدة النضال العالمي.

ولا شك أن الأطر النظرية عند الناس متعددة، لكن الأهداف العملية لهم واحدة. ففي الواقع ينصهر الفكر، وفي التغير الاجتماعي يتحقق الخطاب. والوفاق الوطني تجميع للجهود وبذل للطاقة، حتى ولو كانت المداخل النظرية متعددة. وهنا يبدو الخطاب الأيديولوجي هو الظاهر الذي يحتاج إلى تأويل، وفي الواقع تأويله.

=========
*- أستاذ فلسفة ـ جامعة القاهرة