معرفي كتاب: نُذر العولمة

اسم الكاتب: نُذر العولمة .
المؤلف: عبد الحي زَّلوم .
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
الطبعة: الثانية 2000م – الأولى 1999م .
عدد الصفحات: 400 - قطع كبير.
يتصور كثير من القرّاء كتب الإقتصاد على أنها كتب معقدة مليئةٌ بالجداول والتفريعات والهياكل ، ويستصعب كثيرٌ منهم وجود كتاب يجمع التحليل الإقتصادي والإسقاط الإجتماعي في قالب متسلسل ، يفهمه القارئ العادي ويتجاوب معه المتعمق الخبير .
" نذر العولمة " هو نموذجٌ لذلك ، مع أن ثقل الكتاب يتركز في تحليل أزمنة النمور الآسيوية عام 1997م ، إلا أنه يطَّوف – خصوصاً في بدايته – على أسس النظام الإقتصادي الدولي الحالي والمرتكز على اتفاقية " بريتون وودز " الشهيرة والتي أُبرمت في نهاية الحرب العالمية الثانية وما سبقها من تحضيرات مهمة وخطيرة ، ويناقش أيضاً ما نتج عن هذه الاتفاقية من إنشاء مؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد ، والتي بها شكلت الولايات المتحدة بوادر سيطرتها على النظام الدولي والإقتصادي مه بالخصوص .
يركّز الكتاب على محاور عدة يبدو أن من أهمها التسليم بوجود طبقة الـ( 1% ) والتي هي كاسمها تمثل 1% من سكان الدول المختلفة ، والتي تتشابك مصالحها وتتداخل قيمها بشكل كبير ، وهي الفئة التي يُعّبر عنها بأنها التي (تزداد ثراءً ، بينما الـ 80% الآخرون من بني البشر تزداد فقراً ) ، ويتركز وجود هذه الطبقة في النخبة الحاكمة وكبار مدراء الشركات " عابرة القارات " والمضاربين الماليين ، وبعض الإختصاصيين " التكنوقراط " هنا وهناك ، وفي وقفة نقدية لرؤية كهذه لا يمكن أن تخفى روح إسقاط ماركسي والتي ما تفتأ تحتفي بصراع الطبقات وتؤجج حتمياته ( بدون اتهام للكاتب باعتناق هذا النهج بالضرورة )، لاشك أن وجود طبقة كتلك ربما يكون واقعاً ، ولكن بشكلٍ نسبي ومتفاوت وليس بالشكل المهول والمنظّم الذي يبرزه الكتاب .
ثاني تلك الركائز التي يريد الكتاب إثباتها هي قضية تداخل السياسة بالإقتصاد ، بل والتفسير السياسي للإقتصاد ، ولا يُستبعد حينئذٍ خدمة إحداهما للأخرى ، فكما أنقذ البيت الأبيض بتشريعاتٍ بعض شركات ( وال ستريت ) من الإفلاس ، قدمت هذه الشركات خدمات سياسية للإدارة الأمريكة ، ولعل الانقلاب ضد " مصدًّق " في إيران والمسمى عملية " أجاكس " والذي نظمه (CIA) بالتعاون مع شركات النفط الكبرى ردٌ للحساب على " داير مليم " كما يقول أهل الكنانة.
من الصدمات التي يقدمها الكتاب للوعي الإنساني ، قضية أن نصائح ( صندوق النقد الدولي ) إنما هي محض املاءات ( كما كان يقول كلينتون لسوهارتو أن يعتبر هذه النصائح وكأنها قادمةٌ " من السماء " !! ) ، وأن الفائدة الخقيقية لهذه النصائح تعود على كبرى الدول الغربية وخصوصاً الولايات المتحدة .
الملفت للانتباه أن جزءاً كبيراً من الكتاب قد خُصص للحديث عن المضاربين العالميين والذين وصفهم مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق بعد هجومهم الكاسح على أسواق بلاده وعملتها الوطنية ، وصفهم بـ" المجرمين الدوليين " ، ومن يعرف جنايا الهزات الإقتصادية الدولية يدرك انطباق هذا الوصف حقيقةً لا مجازاً ، ولاسيما على " شيخهم الأكبر " – كما وصفه الكتاب – ( جورج سوروس ) الذي حصد قرابة الملياري دولار في بضعة أيام من المضاربة على الجنيه الإسترليني ، والعجيب أن سوروس يعلن وبكل صراحةً أنه لو راعى الصالح العام للشعب لما قام بمضاربته تلك ، ولكنه استدرك بأنه مستثمر وليس مؤسسة رعايةٍ وضمان ، أما كتاباته الإقتصادية ، والتي ينتقد فيها تصرفات المضاربين ، فإنها للصالح العام !! ولتبيان شراسة هؤلاء المضاربين وقوة موقفهم فإن البنوك المركزية في العالم كله إذا اتفقت – وهذا من المستحيلات – على حماية عملة معينة ، فإن أقصى ما يمكنها رصده لهذا الغرض هو 14 ملياراً يومياً ، بينما المضاربون بإمكانهم ضخ 800 مليار في ذات اليوم . وفي الفصل السادس عشر من الكتاب والمعنون ( نفوذ الإعلام ) يُظهر الكتاب حقيقة اتجاه الإعلام نحو التمركز في يد القلة ، فعدد الشركات المسيطرة على الإعلام في الولايات المتحدة تناقص من 50 شركة عام 1984م إلى 10 شركات فقط عام 1996 !! وليس يخفى ما لذلك التحجيم - بحسب رأي الكتاب - من تأثير على سياسات النشر وتشكيل الرأي العام لصالح طبقة الـ(1%) . ويصل الكتاب في خاتمته إلى أن الرأسمالية المعلوماتية والتي يسميها الكاتب اختصاراً " المعلومالية " هي عدونا الأكبر ، وأنها تقف بدرجةٍ أو أخرى خلف هذه المصائب المتتالية في عالم الإقتصاد والسياسات العامة والإعلام ، وأن مصالح الشركات وطبقة الـ ( 1% ) إذا ظلت تُراعي وتُحابي بهذا الشكل ، فإن مزيداً من الإنهيار يواجه عالمنا المعاصر ، ولا ينس الكتاب أن يبين بأن المسألة مسألة وقت فقط ثم يبدأ الإنهيار ، فالشيوعية – حسب رأيه – انهارت ولم يكن لها رصيد غير 70 عاماً من التطبيق و 40 من التنظير ، أما الرأسمالية فإن تراثها يمتد لـ 500 عام من التطبيق ، وبالتالي فإنهيارها قد يأخذ وقتاً أطول ، ويُختم الكتاب بالتذكير للقارئ بأن ثقتنا يجب أن نوليها الله تعالى وليست الأموال ، في إشارة لإحلال القيم محل المصالح المجردة ، وتوسيع دائرة المشاركة المالية لتعم أكبر قدرٍ ممكن من الناس . بقي أن نشير إلى أن الطبعة العربية الأولى للكتاب صدرت عام 1999م ، لذا تبدو بعض المعلومات وخصوصاً عن الدول الآسيوية قديمة قد تم تجاوزها ، غير أن التحليل يبقى هو الأهم .
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××