التغيير الإنساني في فكر -مالك بن نبي-
الأستاذ/ وليد بوعديلة
جامعة سكيكدة
تمهيد:
تصعب عملية القبض على خصوصية أي خطاب إنساني، إلا بتوفر حلقة معرفية شمولية، ذلك أن تشكيل الخطاب ورؤاه تتفاعل مع البدائل الأخرى، وتتحاوران مع مختلف الخطابات، ومن هنا تأسست هذه الورقة التي تطمح إلى القبض على سؤال معنى المرجع في كل خطاب، متجاوزين الوقوف الطويل عند المفاهيم و المصطلحات، على أساس أننا نطمح ‘إلى فتح أسئلة المرجع، إثراء لنقاش معرفي ينفتح على كل الفضاءات و شعارنا: “” السؤال نحو معرفة الجواب”"/المعنى.
إن من أبجديات البحث في الخطاب، الانطلاق من وعي معرفي يرى بأن كل أداء أو سلوك يحمل في عمقه منطلقا ته ومرجعياته و نجاح الأداء لا يكون إلا إذا حمل مرجعه بدور و آليات النجاح، ورغم الطابع المعنوي القيمي للمرجع، إلا أنه لا ينفصل ” في فلسفة السلوك” عن الجانب المادي أو عن الحضور الواقعي، لكن – أسفا- الكثير من التحاليل و القراءات ( معرفية، سياسية، اجتماعية..) تقف مطولا عند النتائج و عند الآثار المادية متخوفة من السؤال الجدري، أي سؤال الرحيل في دلالات المرجع و أبجديات المنطلق، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد الحضاري، بمختلف تجلياته و بمختلف مستوياته، وكان المجتمع المدني صورة حية لجدليات الخواء والفراغ تشكيلا و رؤية.
01 - الإنسان، خطاب الحداثة وسؤال المرجع:
من دلالات الانفصال الفكري السليم عن المواقف السياسية أو الاجتماعية في الخارطة العربية، حصر الخطاب الواحد في مرجعية واحدة فقط، ورفض الوعي الذي يرى بأن كل خطاب يمكن أن يستفيد من غيره، سواء على مستوى التوظيف لبعض علامات المرجع الإيجابية، أو التي تتقارب مع الخطاب الواحد أو لا تلغي ثوابته، أو في مستوى الاستفادة من الأدوات الإجرائية للآخر عند القيام بعملية التجسيد لمرجع الذات(مرجع الخطاب)، ولا نريد في هذا السياق أن نقف عند الخطاب السياسي، لأن طرحنا يفتح أسئلة الخطابات بمختلف مرجعياتها وأداءاتها، رغم أن الفعل الديموقراطي العربي يحتم على كل باحث في العلوم الاجتماعية و الإنسانية الوقوف عند الخطاب السياسي، تجنبا لما تشهده الخارطة العربية من أزمات وفتن، كانت نتيجة لضبابية المرجع و سلبية الوعي و عبثيه الموقف(1). ليعلم القارئ بأن هذه السطور يكتبها قلم بخلفية التكوين الأدبي – الجمالي، لكن ليحذر من هذا التصريح، لأن الكثير من الخطابات التي تحاور الراهن وتسائل أسئلة المنظومة الحضارية لا تنفصل عن بعضها البعض، فيلتقي فيها الجمالي، الإعلامي، الفلسفي، الديني…لذلك فإن الفضاء مفتوح لكل مساهمة معرفية، في سياق مرجعها ومنطلقها، لأجل طموح الوصول إلى معرفة شمولية عميقة بجوهر الخطاب الحداثي، وفي علاقته بقيمنا و عقيدتنا.
ومن هنا نصل إلى سؤال البداية في طرحنا:ماهي مرجعيات الخطاب الحداثي؟ وماهي مواقفه من المرجعية الدينية الإسلامية؟ كيف ينظر لمرجعيات الخطاب الإسلامي( بحضوره السياسي، الجمالي، الفلسفي….)؟ هذه الأسئلة وأخرى نبحث في سرها وعلاماتها، وهي أسئلة كثيرة لكنها تلتقي لتضع – في عمقها- سؤالا واحدا، نريده سؤال البداية إنه سؤال الحداثة و المرجع، وقد يحضر هذا السؤال من غير حضور الإجابة الشافية.
في بدايات التأسيس لانطلاق النهوض ووعي الحداثة، وجدا لوعي العربي نفسه محاصرا بقيود المرجع الديني وبقداسة الخطاب الوطني، فكان لزاما أن يحاور الآخر ،حتى لو كان ذلك على حساب وعي ضميرا لذات، فارتفعت أصوات العودة إلى المرجع الغربي للبحث في بواعث النهضة ومنطلقات الحداثة،وكانت البداية من الخطاب الأكاديمي قبل أن يلتقط الخطاب السياسي جوهرا لفعل الحداثي،وهو جوهر أراده بعض أعلام الثقافة العربية حوارا حميما، بل تفاعلا لاهثا و قويا مع الآخر، مثل ما فعل طه حسين في مصر،وكان الطموح يختلج صدره وفكره أن تصل المرجعية الغربية نحو الفضاء العربي كله.
هكذا كانت أبجدية الأداء المعرفي ترى في انفصال الخطاب العربي (نقصد الخطابات العربية المختلفة وبخاصة الخطاب المعرفي) عن كل ما هو تراثي، الخطوة الأولى نحو الوصول على سفينة الإقلاع نحو بحر الخطاب/الحداثة،ولم تكن الخطوات الأخرى ،(سواء كانت سلمية أو عنيفة ) إلا نتيجة للخطوة الأولى،فنحن نرى بأن العنف المادي ليس إلا نتيجة للعنف الفكري، وكلاهما ينطلق من تربة خطاب واحد، يحمل روح الإلغاء و الإقصاء، وقبل ذلك يحمل وعي الانفصال الحضاري عن جسد الأنا، ولو بطرق عنيفة(فكريا وماديا) قصد الاتصال الحضاري بجسد الآخر فكأن المشهد يحيل القراء إلى عالم البيولوجيا و الهندسة الو راثية، حيث تنجز العمليات الجامعة بين الخلايا والأعضاء في انتظار التفاعل أو التنافر.
ولم يقف الخطاب الحداثي عند رفض المرجع العربي و الحوار مع المرجع الغربي فحسب، وإنما أخد يقوم بعمليات التهديم و التخريب(قيميا وماديا) لكل ماهو دليل على التراث و الذاكرة بمختلف الوسائل.
وكانت الوسائل الاتصالية أكثر الوسائل التي شهدت علامات الصراع بين خطاب مرجعي عربي وآخر يرفض بل يتمرد على هذا المرجع، ويمكن أن نضيف الوسائل الجمالية التي طمح أهلها إلى الدخول في كل ماهو عالمي (تشكيلا و رؤية) ولو كلن ذلك على حساب المرجعية الجمالية العربية، ولو أن هذه المواقف الانفصالية قد عاودت كل قراءاتها فيما بعد، وأعادت أسئلة المرجع إلى ساحة الخطاب العربي في محاولة لمكاشفة فلسفية للذات والكون، قبل الحوار مع الآخر.
نعود إلى جدلية الحداثة و المرجع، ومحاولات الانفصال فالمشهد الثقافي- السياسي يتحرك في الزمن العربي ضمن أفق الصراعات و الاختلافات المتلاحقة، قد يكون ذلك علامة صحة ونشاط وجودي، وقد يكون علامة إخفاق وغياب الفصل في وعي الهوية، ومن ثمة الحضور السلبي في الحركية التاريخية الإنسانية. و البحث في الانفصال كثيرا ما يجعل القارئ يتأرجح بين أسئلة الذين يريدونه انفصالا نهائيا و بين من يريدونه انفصالا جزئيا، وهذا لاختلاف وعى القراءة و طموح الحضور في الميدان الاجتماعي، السياسي، الثقافي(..) (2).
كل تلك الفضاءات الثقافية تعيد إلى الوعي وإلى الذاكرة المعرفية متاهات الخطاب الفكري العربي ورحلته الفلسفية في التراث و العصر الراهن، وقد اخترنا أن نفتح الجانب المرجعي في الخطاب الحداثي، لأهمية المرجع في كشف جوهر كل خطاب، وقد يستغرب القارئ عدم الدخول المعرفي لأمور كثيرة، فإذا واصلنا القراءة و البحث، لانفتحنا على مسائل أخرى كثيرة ذات امتدادات إعلامية، سياسية، اجتماعية، أدبية(…). ونحن في هذه الورقة نريد أن نتوقف عند فكر مالك بن نبي فقط.
2- فكر الثورة/ تغيير الإنسان، بدائل مالك بن نبي:
يعد المفكر الجزائري “”مالك بن النبي”" من أبرز المفكرين الذين عنوا بالبحث العميق في جذور البناء الحضاري، ويكفي أن نقر أله كتاباته الفكرية الكثيرة:” مشكلة الثقافة”، ” وجهة العالم الإسلامي “، “الفكرة الأفروآسيوية”، “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، “بين الرشاد و التيه”… لنكشف قوة التحليل وعمق الطرح فيما يخص عملية التغيير الثقافي في المجتمع، أو طرق السيطرة الفكرية..أما الثورة وكيف ينظر لها المفكر مالك بن النبي؟ وماهي الأسس التي تنطلق منها؟ وماهي نتائجها على مستوى المجتمع؟ هذه أسئلة وأسئلة أخرى سنحاول الإجابة عنها في المنظور الفكري لهذا المفكر الجزائري(3).
في البداية يحرص”"مالك بن نبي”" على أن تقوم أية ثورة على أسس صلبة، وعلى مبادئ متينة، يقول:”" الثورة ليست كإحدى الحروب تدور ريحها مع العدد و العتاد، بل إنها تعتمد على الروح والعقيدة”"وهذا ما نجده في كتابات كثيرة لهذا المفكر، فلأساس في البناء الحضاري لا يقوم على الوسائل المادية فقط، ولكنه يقوم قبل ذلك على الأفكار والرؤى التي تنظر لهذا البناء، وتعطيه إطاره الفلسفي، لذلك كانت غاية أية ثورة هي تغيير الإنسان، والانتقال به من حالة شعورية وموقف فكري سلبيين، إلى حالة شعورية دافعة وموقف فكري تحرري، يقول”" مالك بن نبي”": ** الثورة لا تستطيع الوصول إلى أهدافها، إذا هي لم تغير الإنسان بطريقة لا رجعة فيها من حيث سلوكه وأفكاره وكلماته** ولكن ماذا يجب أن يتوفر لهذه الثورة كي تضمن نتائجها وتحفظها من التراجع و الموت البطيء؟
الأكيد أنه على الثورة عدم التنازل عن المبادئ التي قامت عليها لأجل تحقيق مط امح مادية، أو أهداف آنية، يقول”" مالك بن نبي”": **إن لكل ثورة ما بعدها، فإما أن يكون مواصلة للثورة، وإما أن يكون في اتجاه معاكس يتنكر لها و يمسخها، وإن صراع أصحاب المصالح بعد كل ثورة ماهو إلا دليل ضعف في النيات، و هشاشة المبادئ.. إضافة إلى تجاهل للتضحيات، وتنكر للزملاء الذين سقطوا في ميدان الشرف، دفاعا عن أخلاقيات هذه الثورة، وهذا يؤدي إلى فقدان الروح الثورية، الذي هو نتيجة حتمية لعدم حفظ الذهنية الثائرة لمقدمات ومسلمات الثورة**.وإذا فرضنا أن الثورة تمكنت من تحقيق هدفها الأول، أي الاستقلال السياسي، فإن هذا الاستقلال يبقى ناقصا، بل مبتورا، إذا لم يتحقق الهدف الجوهري للثورة(تغيير الإنسان)، يقول مالك بن نبي:** وقد يسند إلى أبناء الوطن وظائف كان المستعمرون يشغلونها، وقد تستبدل في البلاد العربية مثلا بالحروف اللاتينية حروف عربية على واجهات ولافتات الحوانيت، إلا أن التغيرات هذه جميعها تصبح مجرد سحر للأبصار، ولا يستقر أمرها إذا لم يتغير الإنسان** وهذا للأسف مع تراجع يكاد يكون كليا للخصوصية الثقافية، وللثقافة الذاتية لهذا الوطن، لذلك كانت تصفية الاستعمار من العقول تتطلب أشياء كثيرة يتضمنها مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، فهي لا تتحقق بمجرد انسحاب جيوش الاستعمار، ومجرد إعلان الاستقلال، وتحرير الدستور.و يحدثنا “”مالك بن نبي”" عن القابلية للاستعمار، التي تسيطر على شخصية الإنسانية في البلاد المستعمرة –بالفتح- وهي نتيجة طبيعية لهشاشة البناء الثقافي لهذا الإنسان، يقول “”مالك بن نبي”": ” أينما حل الاستعمار كان يلوث الإنسان، حتى أصبحت تصفيته من رواسب الاستعمار، أهم عمل ثوري في الثورة”، فلا يمكن بناء وطن مستقل، من غير بناء إنسان مستقل، ولا يتم بناء ذلك الوطن وهذا الإنسان ، إلا بفكر تحرري، وبثقافة أساسها الأنا الثقافي(الهوية) وغايتها التفتح على الآخر( العصرنة)، لذلك فقد كانت تصفية الاستعمار في الإنسان مقدمة عند مفكرنا على تصفيته في الأرض.
وبالنسبة لثورة الشعب الجزائري، فالمعروف أنها قد قامت على أسس متينة تقوم بالأساس على العقيدة الإسلامية، يقول مالك بن نبي: لقد كان الإسلام الحصن الذي فشلت تحت أسواره جميع المحاولات التي استهدفت سلب الشعب الجزائري شخصيته على مدى قرن من الزمان، كما كان الحاضر الإيديولوجي الرئيسي الذي دعم جهده البطولي خلال الثورة”، فالإسلام أعطى للثورة الجزائرية الدافع العقدي لمواجهة الاستعمار، فقد كان كافيا للإنسان الجزائري أن يسمع قوله تعالى*** ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون*** حتى ينطلق كالأسد نحو العدو، متحصنا بثقافة إسلامية،وبفكر وطني تحرري، لكن ما حققه أولئك الوطنيون لا يكفي إذا لم يواصل أبناؤهم الدرب، فالثورة لا تقف عند الاستقلال السياسي- كما سبق ذكره بل يجب أن تكون هناك استمرارية، وعلى كل وطن أفلت من اليد التي تمشيه (بالشدة) الأم طفلها، عليه أن يتعلم أيضا ا المشي وحده في الميدان الاقتصادي دون يد تمسكه،بل عليه أن يتعلم أيضا المشي في جميع الميادين ( الثقافية- الرياضية- المنظومة التربوية- المنهج النقدية…)، دون أن تمسكه يد الغير، إلا بما يحفظ خصوصيته، و يساعده على النهوض، من غير استلاب ثقافي، أو إمحاء حضاري.
وكما يقول “مالك بن نبي”":**إن ثورة ما، لابد لها أن تسير طبقا للقانون الاجتماعي الذي تشير إليه الآية الكريمة:” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فهل نعي الدرس؟**.
3- الحضارة وهذا الإنسان:
عندما نعيش التخلف وبقى في الذيل.. عندما نغرق في الأزمات والهزائم.. عندما لا نجد حلولا لمشاكلنا.. بل عندما نجد أنفسنا أمام مشهد مأساوي.. ينبض بالرداءة والهشاشة و الرثاثة… يصبح لزاما علينا أن نعيد ترتيب أوراقنا وأن نعيد قراءة ذاتنا.. ففي هذا الزمن الذي تتقدم فيه الأنظمة الإلكترونية – المعلوماتية على حساب الأنظمة البشرية.. في زمن يعرف الإنسان كل شيء إلا ذاته.. يجب أن نقف عند الفيلسوف المفكر مالك بن نبي.
أ- الحضارة بين “الأفكار “و”الأشياء”:
يؤكد مالك بن نبي في الكثير من كتبه على أن جوهر البناء الحضاري ينطلق من الفكر، لذا فالحضارة هي التي تلد منتجاتها، “ولا يمكن بناء حضارة بشراء منتجات حضارة أخرى”(4) .وقيمة كل أمة لا تتجسد فيما تملكه من أشياء ولكن في أفكارها، أي “الرأسمال المفاهيمي”، وليس “الرأسمال المادي”. وما هو موجود في الأسواق العربية(وكل أسواق العالم الثالث)وهو في الحقيقة قد تم شراؤه من مجتمعات تملك أفكار صناعة و تكوين الأشياء التي تعرض في تلك الأسواق.
ويرى مالك بن نبي أن المجتمع الإسلامي هو مجتمع يفتقد للأفكار، فهو أعزل من حيث المفاهيم، لا لعدم وجود الأفكار والمفاهيم، ولكن لأنه مجتمع يحارب بالأسلحة وليس بالأفكار؟! وعند البحث في عوامل البناء الحضاري يجب أن نقف عند محطة “الأفكار” لا”الأشياء”، بمعنى البناء الحضاري وليس”التشييد المادي”(5). وهذا في محاولة لمضاعفة أفكار الحضارة، مع الاستفادة من أشيائها، لأن اليابان مثلا قد تمثلت أفكار الحضارة الغربية، في وقت بقي المجتمع الإسلامي يغرق في شراء” الأشياء” يقول:”إن قيمة مجتمع معين في فترة ما من تاريخه، لا يعبر عنها بمجموعة الأشياء في هذا المجتمع، ولكن بمجموعة أفكاره”(6) لهذا يسعى أبناء الحضارة الغربية لبيع أشيائهم( منتجاتهم الحضارية) للعالم الثالث، في نفس الآن الذي يسعون إلى احتكار الأفكار التي تقف عند هذه الأشياء.
ثم إن اليابان قد كان ذكيا في تعامله مع الغرب، لأنه وقف منه موقف “التلميذ”، بينما وقفنا نحن موقف”الزبون”، فكيف ستكون النتائج؟ يجيبنا مفكرنا قائلا:”إنه استورد منها الأفكار خاصة، ونحن إستوردنا منها الأشياء خاصة إنه كان خلال سنوات(1868—1905) ينشئ حضارة وكنا نشتري بضاعة حضارة (7) وقع ذلك لأن جوهر عملية البناء الحضاري لاتتم إلا عندما يعطي المجتمع أهمية كبيرة لعالم “الأفكار” على حساب عالم “الأشياء”، بمعنى تقديم الدوافع التي تحرك المنتجات المادية.ولحل مشكلة الحضارة، يستوجب حسب بن نبي حل ثلاث مشكلات جزئية(8).
يؤكد مالك بن نبي في الكثير من كتبه على أن جوهر البناء الحضاري ينطلق من الفكر، لذا فالحضارة هي التي تلد منتجاتها، “ولا يمكن بناء حضارة بشراء منتجات حضارة أخرى”(4) .وقيمة كل أمة لا تتجسد فيما تملكه من أشياء ولكن في أفكارها، أي “الرأسمال المفاهيمي”، وليس “الرأسمال المادي”. وما هو موجود في الأسواق العربية(وكل أسواق العالم الثالث)وهو في الحقيقة قد تم شراؤه من مجتمعات تملك أفكار صناعة و تكوين الأشياء التي تعرض في تلك الأسواق.
ويرى مالك بن نبي أن المجتمع الإسلامي هو مجتمع يفتقد للأفكار، فهو أعزل من حيث المفاهيم، لا لعدم وجود الأفكار والمفاهيم، ولكن لأنه مجتمع يحارب بالأسلحة وليس بالأفكار؟! وعند البحث في عوامل البناء الحضاري يجب أن نقف عند محطة “الأفكار” لا”الأشياء”، بمعنى البناء الحضاري وليس”التشييد المادي”(5). وهذا في محاولة لمضاعفة أفكار الحضارة، مع الاستفادة من أشيائها، لأن اليابان مثلا قد تمثلت أفكار الحضارة الغربية، في وقت بقي المجتمع الإسلامي يغرق في شراء” الأشياء” يقول:”إن قيمة مجتمع معين في فترة ما من تاريخه، لا يعبر عنها بمجموعة الأشياء في هذا المجتمع، ولكن بمجموعة أفكاره”(6) لهذا يسعى أبناء الحضارة الغربية لبيع أشيائهم( منتجاتهم الحضارية) للعالم الثالث، في نفس الآن الذي يسعون إلى احتكار الأفكار التي تقف عند هذه الأشياء.
ثم إن اليابان قد كان ذكيا في تعامله مع الغرب، لأنه وقف منه موقف “التلميذ”، بينما وقفنا نحن موقف”الزبون”، فكيف ستكون النتائج؟ يجيبنا مفكرنا قائلا:”إنه استورد منها الأفكار خاصة، ونحن إستوردنا منها الأشياء خاصة إنه كان خلال سنوات(1868—1905) ينشئ حضارة وكنا نشتري بضاعة حضارة (7) وقع ذلك لأن جوهر عملية البناء الحضاري لاتتم إلا عندما يعطي المجتمع أهمية كبيرة لعالم “الأفكار” على حساب عالم “الأشياء”، بمعنى تقديم الدوافع التي تحرك المنتجات المادية.ولحل مشكلة الحضارة، يستوجب حسب بن نبي حل ثلاث مشكلات جزئية(8).
01- مشكلة الإنسان، و تحديد الشروط لانسجامه مع سير التاريخ:
01- مشكلة التراب، وشروط استغلاله في العملية الاجتماعية.
02- مشكلة الوقت، وبث معناه في روح المجتمع و نفسية الفرد.
إن حل تلك المشكلات لا يتحقق إلا إذا آمنا بأمر هام، وهو أن المشكلة أو القضية “ليست قضية أدوات ولا إمكانيات، إن القضية في أنفسنا…فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن(الإنسان) سكن المجتمع و التاريخ”"(9).
ب-أزمة الثقافة ومشكلة المجتمع :
و الحديث عن البناء الحضاري يدفعنا إلى تتبع ما قاله مالك بن نبي عن “الثقافة”، ليس بمفهومها الفلسفي- الفكري فحسب، ولكن بمفهومها البراغماتي-العملي..لأن المشكلة الأساس لا تنحصر في فهم الثقافة، وإنما في تحقيقها عمليا.. لكن قبل هذا يرى هذا الفكر بأن “الثقافة هي التركيب العام لتراكيب جزئيـة أربعـة هي: الأخلاق، والجمال، و المنطق العملي، والصناعة(10) وإذا فهمنا الأخلاق والنطق العملي والصناعة،فإن مقصود الجمال عند مالك بن نبي يرتبط بالإطار الحضاري للأمة، حيث يتصل هذا الإطار بذوق الجمال، بل” إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أي حضارة”"(11).
الحقيقة أن الأزمة الثقافية-حسب بن نبي- هي المعدن الذي تصاغ منه الكثير من الأزمات في الميادين الأخرى، ومن هنا” فلا يمكن لنا أن نتصور تاريخنا بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه”(12)، وإذا كان المجتمع ينظر إلى الإنسان الذي يتوفى على أنه قد مات موتا ماديا، فكذلك الأمر إذا”فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتا ثقافيا معنويا “. وتبقى القيمة الثقافية لكل “فكرة” ولكل”شيء” تقوم على علاقاتها بأفراد المجتمع، مع العلم أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية،.لهذا تختلف المجتمعات باختلاف ثقافتها.
ونحن إذا أردنا البحث في مشكلة الثقافة، فإننا- كما يقول مالك بن نبي-” وجدنا أنفسنا نواجه ضمنا مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك الذي ينسجم معها”، ذلك على المجتمعات التي تبغي النهوض أن تطهر عاداتها و تقاليدها و إطارها الثقافي بصفة عامة مما يسميه بن نبي ” العوامل القتالة”. و”المم التي لا فائدة منها”، وهذا كي تفسح المجال “للعوامل الحية “و”الداعية إلى الحياة”.ورغم كثرة التعاريف التي وضعها بن نبي للثقافة في كتابه”مشكلة الثقافة” إلا أنها تعار يف تدور في فلك واحد مثل:
1- الثقافة مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد مند ولادته، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة و الوسط الذي ولد فيه.
2- الثقافة هي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر.
3- الثقافة هي الجسر الذي يعبره الناس إلى الرقي و التمدن، وهي أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية.
وهكذا يتضح أن مجال ثقافة ما يحيل إلى الإطار الذي تنمو فيه حضارة تلك الثقافة.. وعلى النخبة المثقفة أن تحمل المشعل.. فهي القاعدة التي ترتفع عليها الجماهير إلى مستوى الحضارة كما يقول مفكرنا..لكن تبقى الفاعلية أهم شيء في حركية البناء ، يقول مالك بن نبي:” إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة،ولكن منطق العمل و الحركة، وهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاما مجردا” (13) لهذا فمشكلة المجتمع تعود إلى أزمته الثقافية، كما أن سلبية الثقافة تعود إلى عدم فاعليتها.فهل ندرك هذا الأمر.
ج- في الوعي السياسي و أثره على الإنسان :
معروف عن مالك بن نبي تميزه بين “السياسة”و” البوليتيك”(14) فالأولى هي الصورة المثلي لخدمة الشعب، أي هي المبادئ و القيم التي ينطلق منها البحث إلى غاية الوقوف عند “العلوم السياسية”.. أما الثانية فهي ليست “POLITIQUE”، أي الترجمة الفرنسية للكلمة العربية، لكنها المفهوم الشعبي لمعنى السياسة، بما فيها من”قذف مجرد للكلمات، وصرخات وحركات لمغالطة الشعب واستخدامه”.. وإذا كان غياب الأفكار من شأنه أن يؤدي بالأمة أو المجتمع نحو السقوط، فإن السياسة من دون أخلاق ما هي إلا خراب الأمة ويحرص مالك بن نبي على أن تكون سياسة الدولة في خدمة مصالح الأمة، وذلك بتحقيق الحريات العامة، وضمان حقوق الإنسان،و الحرص بكل نزاهة على التداول على السلطة، وكل هذا يتحقق بالارتباط بضمير الأمة، والحفاظ على هويتها(ثوابتها)، وإذا لم يتحقق هذا تفقد السياسة فعاليتها على المستوى الداخلي،أما إذا انفصلت عن الضمير العملي، فهي”تضيف إلى العالم خطرا فوق الأخطار التي تهدده” ولعل انتشار ثقافة القيام بالواجب على حساب المطالبة بالحق من شأنه أن يحقق فاعليته السياسية التي تغير وجه الأشياء في الاتجاه الذي يخدم الشعب، وفي حالة العكس فإن المصالح الذاتية ستدفع بالأوطان نحو الهاوية.
ويمكن السياسة أن تحقق فعاليتها كذلك إذا كانت المؤسسات التي تقف خلف هذه السياسة تستند إلى أفكار واضحة المعالم، وإلا كان محكوما على هذه المؤسسات بالفناء، على حد تعبير مالك بن نبي..ومن هنا، فإن التخطيط المحكم، وعدم تجاوز الواقع الاجتماعي، مع البحث في عمق المشاكل من غير الهروب إلى الأمام، يضمن تجاوز الكثير من الصعاب السياسية .. هذه الصعوبات التي هي نتاج لخلل عام على جميع الأصعدة، خاصة الصعيد الفكري.لهذا فإن معرفة أهل السياسة (معارضة و سلطة) لعلم الاجتماع و النفس و الأنثربولوجيا، وباختصار فإن العلم بثقافة الأمة التي تتحرك في فضائها الوجوه السياسية، يصبح أكثر من ضرورة لضمان الاستقرار و الأمن في كل أمة، وفي حالة العكس فإن المجتمع سيتجه نحو الأزمات التي تعصف باستقراره نتيجة لكثرة التزييف، و التزوير والكذب و مخادعة الشعب…يقول مالك بن نبي:” إن السياسة التي تجعل القوانين الأساسية لعلم الاجتماع،وهو الذي يعتبر علم بيولوجيا البنى و الأجهزة الاجتماعية ليست إلا ثرثرة عاطفية،ولعبا بالألفاظ و طنطنة غوغائية(15) ولكي نتجاوز الأخطار التي تهدد الكيان الاجتماعي نتيجة الأنظمة السياسية السلبية والهشة، يقترح مالك بن نبي:”أن نعقد فصلا خاصا للأمراض الاجتماعية، يعالج القصور الذي يصيب الأنظمة الاجتماعية والمؤسسات العامة، كما تعالج في الطب الأمراض العضوية”(16) و هذا ما تحتاجه الكثير من الدول النامية.
د- فـــي المنظومـــة الاقتصادية:
لمالك بن نبي –كذلك- آراء ومواقف حول المشروع الاقتصادي، وله كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد”، وهو في كل مرة يربط النجاح على المستوى الاقتصادي بدرجة الارتباط بالثقافة (الأفكار)، ومن ثمة بالإنسان، لأن القضية الاقتصادية ليست في الأدوات و الإمكانيات، و لكنها في النفس البشرية يقول:” حل المشكلة الاقتصادية ينحصر في تكوين وعي اقتصادي بكل ما يستتبعه في التكوين الشخصي للفرد، وفي عاداته، وفي نسق نشاطاته..(17) ويذكرنا مفكرنا بأمر، كثيرا ما ننساه، وهو أن النمو الاقتصادي يتوقف على الأمن الاجتماعي، فهو يقول:”لا يتصور في الواقع أن نواجه مشكلة اقتصاد موحد في منطقة لم يزل عنها خطر الحرب نهائيا ،فإن المرء لا ينشئ شركة مالية مع رفيق لن يسير معه إلا جزءا من الطريق”(18) فغياب الأمن يفسر غياب الاستثمار(وطني أو أجنبي).
إن كل ما يحدث من تغير على المستوى الاقتصادي في المستقبل هو في عمقه. تغير على المستوى الحضاري و البحث في المسألة الاقتصادية يقتضي بالضرورة البحث في المسألة النفسية –الثقافية - الإنسانية، لأن الاقتصاد “ليس قضية إنشاء بنك و تشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات”(19) وما انهيارا لمصانع إلا من انهيار أفكار أصاحبها .
وإن كان المجتمع العربي و الإسلامي شهد الانتقال من النظام الاقتصادي الاشتراكي نحو اقتصاد السوق، فإن بن نبي يقترح البديل، حيث ينطلق من تحليل علمي جد عميق، يرى فيه أن التفكير الذي يجعل المجتمع العربي يحد من مناهجه الاقتصادية بين منهجين(اشتراكي أو رأسمالي)”يجعله أمام مشكلات فنية، أو مذهبية أو على الأقل أخلاقية، تضيف إلى متاعبه ما شاء الله، لأنه لا يجد لها حل في نطاق اختياره في كلا الاتجاهين، إلا على حساب مبادئه الأولية،وبالتالي على حساب شخصيته و هويته”(20) وهناك أفكار أخرى حول “الاقتصاد” نذكر منها:(21) .
- إذا بدأ تزايد السكان في بلاد مختلفة كارثة(مثل كارثة زحف الجراد على أرض ذات زراعة ومرعى) فإنما لسبب واحد هو أن التخلف الاقتصادي مبطن بتخلف ذهني..
- أي مشروع نفكر فيه بأفكار الآخرين و نحاول إنجازه بوسائل غيرنا معرض للفشل لا محالة..
- كي يكون لاقتصاد البلاد النامية فعاليته في الخارج، يجب أن يكون له نظامه الدقيق في الداخل..
- إن المعارك الاقتصادية عندما تدور رحاها، فهي تدور حول قطب القيم الأخلاقية، وإن وسعنا المصطلح قلنا:حول القيم الثقافية..
الخاتمة :
إنها وقفة سريعة مع مفكر عملاق..يمكن أن نجزم بأن ما كتب حوله خارج الثقافة العربية أكثر مما كتب داخلها، بل إن فكره و آراءه الفلسفية قد أنجزت حولها الكثير من الأبحاث الأكاديمية.. ومهما يكن فإن مالك بن نبي لا يزال مظلوما في حضارتنا الراهنة، لأننا لم نتعمق في كتبه، ولم يسع الكثير ممن وصلوا إلى مقاليد الحكم عندنا إلى العمل بما قدمه من مواقف، أبسط ما يمكن أن نقوله عنها، بأنها تقدمية، وبأنها تتجاوز الراهن بكثير.. تلك المواقف التي تتحرك وفقها الآلة الحضارية الغربية(في جانبها الفكري)…
في حين نبقـى نحـن نتهم مفكرنا بالرجعية و لكنها في الحقيقة مراجعة للذات.
هذه محاولة لكشف النقاب عن بعض آراء المفكر “مالك بن نبي” وهي آراء تضاف إلى أخرى في الاقتصاد، الثقافة، السياسة، البناء الحضاري..تزخر بها المنظومة الفكرية لهذا المفكر الجزائري وطرح مسألة “الثورة” في هذا الوقت، يعد شيئا أكثر من ضروري لأنه لا يكفي أن نرفع الشعارات كما لا يكفي أن نتغنى بما فعلناه في الماضي،في وقت يشهد فيه حاضرنا تراجعا عن مبادئ كانت أساسا لتمتعنا بالحرية، وقبل ذلك كانت مقوما لوحدتنا الوطنية.
لقد كانت المنظومة الفكرية لمالك بن نبي منظومة تتحاور فيها كل العلوم الإنسانية، قصد خدمة الإنسان المسلم،ففيها يتفاعل البعد الديني مع المعالم الفكرية والفلسفية لدى الغرب، كما تتفاعل في أفقها القراءة التاريخية التراثية مع البدائل الفلسفية العقلية مع عدم إقصاء أي جانب من جوانب الإنسان بحثا عن الهدف الوحيد، وهو التغيير الإنساني.
01- مشكلة التراب، وشروط استغلاله في العملية الاجتماعية.
02- مشكلة الوقت، وبث معناه في روح المجتمع و نفسية الفرد.
إن حل تلك المشكلات لا يتحقق إلا إذا آمنا بأمر هام، وهو أن المشكلة أو القضية “ليست قضية أدوات ولا إمكانيات، إن القضية في أنفسنا…فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن(الإنسان) سكن المجتمع و التاريخ”"(9).
ب-أزمة الثقافة ومشكلة المجتمع :
و الحديث عن البناء الحضاري يدفعنا إلى تتبع ما قاله مالك بن نبي عن “الثقافة”، ليس بمفهومها الفلسفي- الفكري فحسب، ولكن بمفهومها البراغماتي-العملي..لأن المشكلة الأساس لا تنحصر في فهم الثقافة، وإنما في تحقيقها عمليا.. لكن قبل هذا يرى هذا الفكر بأن “الثقافة هي التركيب العام لتراكيب جزئيـة أربعـة هي: الأخلاق، والجمال، و المنطق العملي، والصناعة(10) وإذا فهمنا الأخلاق والنطق العملي والصناعة،فإن مقصود الجمال عند مالك بن نبي يرتبط بالإطار الحضاري للأمة، حيث يتصل هذا الإطار بذوق الجمال، بل” إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أي حضارة”"(11).
الحقيقة أن الأزمة الثقافية-حسب بن نبي- هي المعدن الذي تصاغ منه الكثير من الأزمات في الميادين الأخرى، ومن هنا” فلا يمكن لنا أن نتصور تاريخنا بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه”(12)، وإذا كان المجتمع ينظر إلى الإنسان الذي يتوفى على أنه قد مات موتا ماديا، فكذلك الأمر إذا”فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتا ثقافيا معنويا “. وتبقى القيمة الثقافية لكل “فكرة” ولكل”شيء” تقوم على علاقاتها بأفراد المجتمع، مع العلم أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية،.لهذا تختلف المجتمعات باختلاف ثقافتها.
ونحن إذا أردنا البحث في مشكلة الثقافة، فإننا- كما يقول مالك بن نبي-” وجدنا أنفسنا نواجه ضمنا مشكلة أسلوب الحياة ومشكلة السلوك الذي ينسجم معها”، ذلك على المجتمعات التي تبغي النهوض أن تطهر عاداتها و تقاليدها و إطارها الثقافي بصفة عامة مما يسميه بن نبي ” العوامل القتالة”. و”المم التي لا فائدة منها”، وهذا كي تفسح المجال “للعوامل الحية “و”الداعية إلى الحياة”.ورغم كثرة التعاريف التي وضعها بن نبي للثقافة في كتابه”مشكلة الثقافة” إلا أنها تعار يف تدور في فلك واحد مثل:
1- الثقافة مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد مند ولادته، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة و الوسط الذي ولد فيه.
2- الثقافة هي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر.
3- الثقافة هي الجسر الذي يعبره الناس إلى الرقي و التمدن، وهي أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ بعضهم الآخر من السقوط من أعلى الجسر إلى الهاوية.
وهكذا يتضح أن مجال ثقافة ما يحيل إلى الإطار الذي تنمو فيه حضارة تلك الثقافة.. وعلى النخبة المثقفة أن تحمل المشعل.. فهي القاعدة التي ترتفع عليها الجماهير إلى مستوى الحضارة كما يقول مفكرنا..لكن تبقى الفاعلية أهم شيء في حركية البناء ، يقول مالك بن نبي:” إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة،ولكن منطق العمل و الحركة، وهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاما مجردا” (13) لهذا فمشكلة المجتمع تعود إلى أزمته الثقافية، كما أن سلبية الثقافة تعود إلى عدم فاعليتها.فهل ندرك هذا الأمر.
ج- في الوعي السياسي و أثره على الإنسان :
معروف عن مالك بن نبي تميزه بين “السياسة”و” البوليتيك”(14) فالأولى هي الصورة المثلي لخدمة الشعب، أي هي المبادئ و القيم التي ينطلق منها البحث إلى غاية الوقوف عند “العلوم السياسية”.. أما الثانية فهي ليست “POLITIQUE”، أي الترجمة الفرنسية للكلمة العربية، لكنها المفهوم الشعبي لمعنى السياسة، بما فيها من”قذف مجرد للكلمات، وصرخات وحركات لمغالطة الشعب واستخدامه”.. وإذا كان غياب الأفكار من شأنه أن يؤدي بالأمة أو المجتمع نحو السقوط، فإن السياسة من دون أخلاق ما هي إلا خراب الأمة ويحرص مالك بن نبي على أن تكون سياسة الدولة في خدمة مصالح الأمة، وذلك بتحقيق الحريات العامة، وضمان حقوق الإنسان،و الحرص بكل نزاهة على التداول على السلطة، وكل هذا يتحقق بالارتباط بضمير الأمة، والحفاظ على هويتها(ثوابتها)، وإذا لم يتحقق هذا تفقد السياسة فعاليتها على المستوى الداخلي،أما إذا انفصلت عن الضمير العملي، فهي”تضيف إلى العالم خطرا فوق الأخطار التي تهدده” ولعل انتشار ثقافة القيام بالواجب على حساب المطالبة بالحق من شأنه أن يحقق فاعليته السياسية التي تغير وجه الأشياء في الاتجاه الذي يخدم الشعب، وفي حالة العكس فإن المصالح الذاتية ستدفع بالأوطان نحو الهاوية.
ويمكن السياسة أن تحقق فعاليتها كذلك إذا كانت المؤسسات التي تقف خلف هذه السياسة تستند إلى أفكار واضحة المعالم، وإلا كان محكوما على هذه المؤسسات بالفناء، على حد تعبير مالك بن نبي..ومن هنا، فإن التخطيط المحكم، وعدم تجاوز الواقع الاجتماعي، مع البحث في عمق المشاكل من غير الهروب إلى الأمام، يضمن تجاوز الكثير من الصعاب السياسية .. هذه الصعوبات التي هي نتاج لخلل عام على جميع الأصعدة، خاصة الصعيد الفكري.لهذا فإن معرفة أهل السياسة (معارضة و سلطة) لعلم الاجتماع و النفس و الأنثربولوجيا، وباختصار فإن العلم بثقافة الأمة التي تتحرك في فضائها الوجوه السياسية، يصبح أكثر من ضرورة لضمان الاستقرار و الأمن في كل أمة، وفي حالة العكس فإن المجتمع سيتجه نحو الأزمات التي تعصف باستقراره نتيجة لكثرة التزييف، و التزوير والكذب و مخادعة الشعب…يقول مالك بن نبي:” إن السياسة التي تجعل القوانين الأساسية لعلم الاجتماع،وهو الذي يعتبر علم بيولوجيا البنى و الأجهزة الاجتماعية ليست إلا ثرثرة عاطفية،ولعبا بالألفاظ و طنطنة غوغائية(15) ولكي نتجاوز الأخطار التي تهدد الكيان الاجتماعي نتيجة الأنظمة السياسية السلبية والهشة، يقترح مالك بن نبي:”أن نعقد فصلا خاصا للأمراض الاجتماعية، يعالج القصور الذي يصيب الأنظمة الاجتماعية والمؤسسات العامة، كما تعالج في الطب الأمراض العضوية”(16) و هذا ما تحتاجه الكثير من الدول النامية.
د- فـــي المنظومـــة الاقتصادية:
لمالك بن نبي –كذلك- آراء ومواقف حول المشروع الاقتصادي، وله كتاب “المسلم في عالم الاقتصاد”، وهو في كل مرة يربط النجاح على المستوى الاقتصادي بدرجة الارتباط بالثقافة (الأفكار)، ومن ثمة بالإنسان، لأن القضية الاقتصادية ليست في الأدوات و الإمكانيات، و لكنها في النفس البشرية يقول:” حل المشكلة الاقتصادية ينحصر في تكوين وعي اقتصادي بكل ما يستتبعه في التكوين الشخصي للفرد، وفي عاداته، وفي نسق نشاطاته..(17) ويذكرنا مفكرنا بأمر، كثيرا ما ننساه، وهو أن النمو الاقتصادي يتوقف على الأمن الاجتماعي، فهو يقول:”لا يتصور في الواقع أن نواجه مشكلة اقتصاد موحد في منطقة لم يزل عنها خطر الحرب نهائيا ،فإن المرء لا ينشئ شركة مالية مع رفيق لن يسير معه إلا جزءا من الطريق”(18) فغياب الأمن يفسر غياب الاستثمار(وطني أو أجنبي).
إن كل ما يحدث من تغير على المستوى الاقتصادي في المستقبل هو في عمقه. تغير على المستوى الحضاري و البحث في المسألة الاقتصادية يقتضي بالضرورة البحث في المسألة النفسية –الثقافية - الإنسانية، لأن الاقتصاد “ليس قضية إنشاء بنك و تشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات”(19) وما انهيارا لمصانع إلا من انهيار أفكار أصاحبها .
وإن كان المجتمع العربي و الإسلامي شهد الانتقال من النظام الاقتصادي الاشتراكي نحو اقتصاد السوق، فإن بن نبي يقترح البديل، حيث ينطلق من تحليل علمي جد عميق، يرى فيه أن التفكير الذي يجعل المجتمع العربي يحد من مناهجه الاقتصادية بين منهجين(اشتراكي أو رأسمالي)”يجعله أمام مشكلات فنية، أو مذهبية أو على الأقل أخلاقية، تضيف إلى متاعبه ما شاء الله، لأنه لا يجد لها حل في نطاق اختياره في كلا الاتجاهين، إلا على حساب مبادئه الأولية،وبالتالي على حساب شخصيته و هويته”(20) وهناك أفكار أخرى حول “الاقتصاد” نذكر منها:(21) .
- إذا بدأ تزايد السكان في بلاد مختلفة كارثة(مثل كارثة زحف الجراد على أرض ذات زراعة ومرعى) فإنما لسبب واحد هو أن التخلف الاقتصادي مبطن بتخلف ذهني..
- أي مشروع نفكر فيه بأفكار الآخرين و نحاول إنجازه بوسائل غيرنا معرض للفشل لا محالة..
- كي يكون لاقتصاد البلاد النامية فعاليته في الخارج، يجب أن يكون له نظامه الدقيق في الداخل..
- إن المعارك الاقتصادية عندما تدور رحاها، فهي تدور حول قطب القيم الأخلاقية، وإن وسعنا المصطلح قلنا:حول القيم الثقافية..
الخاتمة :
إنها وقفة سريعة مع مفكر عملاق..يمكن أن نجزم بأن ما كتب حوله خارج الثقافة العربية أكثر مما كتب داخلها، بل إن فكره و آراءه الفلسفية قد أنجزت حولها الكثير من الأبحاث الأكاديمية.. ومهما يكن فإن مالك بن نبي لا يزال مظلوما في حضارتنا الراهنة، لأننا لم نتعمق في كتبه، ولم يسع الكثير ممن وصلوا إلى مقاليد الحكم عندنا إلى العمل بما قدمه من مواقف، أبسط ما يمكن أن نقوله عنها، بأنها تقدمية، وبأنها تتجاوز الراهن بكثير.. تلك المواقف التي تتحرك وفقها الآلة الحضارية الغربية(في جانبها الفكري)…
في حين نبقـى نحـن نتهم مفكرنا بالرجعية و لكنها في الحقيقة مراجعة للذات.
هذه محاولة لكشف النقاب عن بعض آراء المفكر “مالك بن نبي” وهي آراء تضاف إلى أخرى في الاقتصاد، الثقافة، السياسة، البناء الحضاري..تزخر بها المنظومة الفكرية لهذا المفكر الجزائري وطرح مسألة “الثورة” في هذا الوقت، يعد شيئا أكثر من ضروري لأنه لا يكفي أن نرفع الشعارات كما لا يكفي أن نتغنى بما فعلناه في الماضي،في وقت يشهد فيه حاضرنا تراجعا عن مبادئ كانت أساسا لتمتعنا بالحرية، وقبل ذلك كانت مقوما لوحدتنا الوطنية.
لقد كانت المنظومة الفكرية لمالك بن نبي منظومة تتحاور فيها كل العلوم الإنسانية، قصد خدمة الإنسان المسلم،ففيها يتفاعل البعد الديني مع المعالم الفكرية والفلسفية لدى الغرب، كما تتفاعل في أفقها القراءة التاريخية التراثية مع البدائل الفلسفية العقلية مع عدم إقصاء أي جانب من جوانب الإنسان بحثا عن الهدف الوحيد، وهو التغيير الإنساني.
الهامش:
01- انظر:حسين توفيق إبراهيم:التطور الديموقراطي في الوطن العربي، مجلة السياسة الدولية عدد142، السنة 3 أكتوبر 2000، مؤسسة الأهرام مصر
02- انظر كتاب المفكر السوري برهان غليون:اغتيال العقل , محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية، بيروت، لبنان
03- تعتمد في تحليلنا لمسألة الثورة و الإنسان على أفكار مالك بن نبي في كتابه”الرشاد و التيه ” دار الفكر لبنان2002 ص14
01 - مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، لبنان2002 ص25
02 - انظر مالك بن نبي”تأملات”و”فكرة كمنويلث إسلامي” دار الفكر، لبنان2002
03 - مالك بن نبي فكرة كمنويلث إسلامي، دار الفكر، لبنان2002ص63
04 - مالك بن نبي، تأملات دار الفكر، لبنان2002ص30
05 –09 – 10 – انظر المرجع نفسه
11- مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص11
12- 13- المرجع نفسهص60
14- بين الرشاد و التيه، ص35
15- مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، لبنان2002ص22
16- المرجع نفسه ص55
17- مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد، دار الفكر، لبنان2002ص21
18- 19-20- المرجع نفسه
21- كلها موجودة في المرجع نفسه. منبع
01- انظر:حسين توفيق إبراهيم:التطور الديموقراطي في الوطن العربي، مجلة السياسة الدولية عدد142، السنة 3 أكتوبر 2000، مؤسسة الأهرام مصر
02- انظر كتاب المفكر السوري برهان غليون:اغتيال العقل , محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية، بيروت، لبنان
03- تعتمد في تحليلنا لمسألة الثورة و الإنسان على أفكار مالك بن نبي في كتابه”الرشاد و التيه ” دار الفكر لبنان2002 ص14
01 - مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، لبنان2002 ص25
02 - انظر مالك بن نبي”تأملات”و”فكرة كمنويلث إسلامي” دار الفكر، لبنان2002
03 - مالك بن نبي فكرة كمنويلث إسلامي، دار الفكر، لبنان2002ص63
04 - مالك بن نبي، تأملات دار الفكر، لبنان2002ص30
05 –09 – 10 – انظر المرجع نفسه
11- مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص11
12- 13- المرجع نفسهص60
14- بين الرشاد و التيه، ص35
15- مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، لبنان2002ص22
16- المرجع نفسه ص55
17- مالك بن نبي، المسلم في عالم الاقتصاد، دار الفكر، لبنان2002ص21
18- 19-20- المرجع نفسه
21- كلها موجودة في المرجع نفسه. منبع
+ نوشته شده در چهارشنبه ششم تیر ۱۳۸۶ ساعت توسط جهانی شدن - عولمة - Globalization
|
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××