الإسلام والتفاعل الحضارى
الإسلام والتفاعل الحضارى منبع
معالى الأستاذ الدكتور / ناصر الدين الأسد
رئيس المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية"عمان- الأردن"
حوا ر الثقافات، أو حوا ر الحضارات، أو حوار الأديان، أو الخوار الإسلامى المسيحى ، أو حوار الشمال والجنوب، أو حوار الإسلام والغرب، أو الحوار العربى الأوروبى، كلها عناوين لموضوع واحد، أو لموضوعات متقاربة متداخلة، لا تكاد تتمايز إلا بشئ من التعميم أو التخصيص. وهى موضوعات كثر تناولها فى عدد من الكتب والمقالات والمحاضرات والندوات والمؤتمرات وقد سبق لكاتب هذه الدراسة أن تناولها أو تناول جوانب منها في مناسبات واجتماعات مختلفة وعرض حينئذ جوهر الأفكار الواردة هنا فى صور متعددة، ومع ذلك فالموضوع جدير بإعادة القول فيه، والصبر عليه ومداورته لتوسيع نطاق المتفهمين له والمقتنعين به من الجانبين، عسى أن ينتقل الأمر من مرحلة الفهم والاقتناع إلى مرحلة التعاون على العمل المشترك بين جميع المؤمنين بالسلام والعدل واقتلاع بذور الأحقاد بين الشعوب.
ولقد كان هذا الحوار قديما قدم وجود الشعوب ذات الحضارات المتجاورة بحيث كانت دائما تتبادل المعارف والخبرات والسلع وأنماط الحياة من سلوك وملبس ومأكل وطرز عمارة وأثاث وتستعير الألفاظ والعبارات وتقاليد المجتمع فتصبح جزءا من مفردات لغاتها وأساليب تعبيرها وتدخل فى نسيجها الاجتماعى فتنمو بذلك الثقافات وتزدهر ولولا تغاير الشعوب واختلاف الحضارات ما كان لشئ من ذلك أن يحدث ومن أجل هذا خلقنا الله سبحانه شعوبا وقبائل لنتعارف (1) ولو شاء سبحانه لجعلنا أمة واحدة (2) ولكن حكمته عز وجل اقتضت أن يخلقنا مختلفين، وان نظل كذلك ربما من أجل هذا التعارف والتبادل والحوار. وحين كانت العلاقات تضطرب بين هذه الشعوب المختلفة، فتقوم بينهم الحروب، كان يحدث من خلالها الاتصال والتعارف والتبادل والتمازج فتتحقق الأهداف نفسها بالوسائل المتناقضة.
وقد قام فى الآونة الأخيرة من يرى أن العلاقة بين الثقافات والحضارات علاقات صراع لا ينتهى إلا بغلبة ثقافة وحضارة بعينهما وسيادتهما على الثقافات والحضارات الأخرى، من ذلك ما ذهب إليه المؤرخ الأمريكى (من أصل يابانى) فوكوياما فى كتابه "نهاية التاريخ " الذى رأى فيه أن تفكك الاتحاد السوفيتى وسقوط الشيوعية قد أنهيا الصراع فى العالم بسيادة ثقافة النموذج الليبرالى الأمريكى على ثقافات الأمم الأخرى وما ذهب إليه الأستاذ الأمريكى أيضا صمويل هنتنجتون فى مقالته التى نشرها فى مجلة "فورن أفيرز" foreign Affairsبعنوان "صراع الحضارات " Conflict of civillzations فقد رأى فيها أن الصراع الحالى بعد تفكك الاتحاد السوفيتى والشيوعية- هو صراع بين الثقافات، وأن الثقافة الغربية الأمريكية تقف- فى هذا الصراع- فى مواجهة الثقافة الإسلامية والكنفوشيوسية وسأعود إلى ذكر هذه المقالة بشئ من التفصيل. وربما كان. من المفيد أن أشير- فى مقدمات هذه الدراسة أيضا- إلى أن "البلاد الإسلامية" و"البلاد الأوروبية، تقسيمان جغرافيان- على تجاورهما بل تداخلهما- يمثلان عالمين مختلفين كل الاختلاف اصطلح علي تسمية أحدهما بالعالم الأول، وتسمية الآخر بالعالم الثالث، ويفصل بينهما زمن يمتد ثلاثة قرون أو أكثر فالعالم الأول قد ودع القرن العشرين وبدا منذ حين يستقبل القرن الحادى والعشرين قبل مجيئه ، فى حين ينظر هذا العالم الأول إلى العالم الثالث- المقابل و المجاور له- على أنه لا يزال يعيش فى القرون الوسطى الأوروبية.
وللقرون والتقسيمات الزمانية بين أوروبا والمسلمين مفهومان مختلفان: فالعصور الوسطى- التى هى عصور ظلام فى أوروبا- هى عصور نور وازدهار وحضارة عند المسلمين وعصر النهـضة وعصر التنوير عند الأوروبيين هما بدايات عصور التخلف والتراجع للمسلمين وقد تسارع التقدم والارتقاء عند الأوروبيين منذ ذلك الحين. وتسارع التدنى والتقهقر عند المسلمين فى شتى أقطارهم. وهكذا أخذت الفجوة بين هذين العالمين فى الاتساع إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن بالرغم من بعض التشابه فى مظاهر الحضارة والتقدم بينهما فى الملبس والمسكن والمشرب والمطعم ووسائل التنقل فهو تشابه يحمل فى طياته بذور الاختلاف الكبير بين عالم مبدع منتج متطور وعالم مستورد مستهلك لما يبدعه وينتجه ويطوره العالم الأول. وتحت هذه القشرة من التشابه يصطخب التباعد والتناقض والاختلاف.
ومع ذلك فإننا لا نعدم فريقا من الباحثين يرون أن وراء هذا التطور فى الحياة العلمية والتكنولوجيا فى دول الاتحاد الأوروبى بقايا واضحة من التمييز العرقى و الدينى ، ومن العنف والإرهاب فى التعبير عن هذا التمييز ومن انتهاك الحريات العامة وحقوق الإنسان واستعمال معيارين مختلفين فى النظرة إلى الموقف الواحد والحكم عليه. وهم يستشهدون على ذلك بما يجرى بين الحكومة الإنجليزية وأيرلندة الشمالية وما تقوم به الحكومة الفرنسية من التضييق على الحريات الدينية للمسلمين فيها، وما يفعله النازيون الجدد وبعض المتطرفين فى ألمانيا من اضطهاد الأقليات العرقية والدينية ومحاولات قتل أفرادها وإحراقهم وتدمير مساكنهم وما حدث فى البوسنة من التدمير والتطهير العرقى والاغتصاب... ولا يعدو أن يكون كل ذلك سوى أمثلة قليلة تغنى عن الاستقصاء.
ويتبادل العالمان المخاوف والاتهامات فلا تزال آثار غزو الشمال للجنوب تحز فى النفوس وتثير القلق، فمن الحروب الصليبية إلى الاستعمار الأوروبى إلى الاستعمار الجديد، إلى مناصرة القوى الغاشمة والتدخل فى الشئون الداخلية لأكثر دول هذا العالم الإسلامى والطمع فى ثرواتها ومؤازرة أنظمة حكم معينة وفرض أنظمة أخرى للمحافظة على مصالح دول الشمال… إلى غير ذلك من أثار هذه العلاقة المضطربة بين العالمين. وللشمال أو الاتحاد الأوروبى مخاوفه أيضا وهى مخاوف لها دويها الإعلامى ولها علماء ومراكز بحوث وساسة يروجونها ويقترحون من وسائل مقاومتها ما يصبح خططا استراتيجية تتبناها الحكومات. ويتمثل أهم هذه المخاوف فى أمرين هما: هجرة عدد كبير من أهل الجنوب إلى دول الاتحاد الأوروبى: وتهديد ما يمسونه خطأ بالأصولية الإسلامية لتلك الدول.
ومع كل هذه المخاوف والاتهامات المتبادلة فإن محاولات إقامة علاقات ثقافية بين الجانبين مستمرة فى صورة أنواع مختلفة من مؤتمرات الحوار وندواته فمن حوار عربى أوروبى ، إلى حوار الشمال والجنوب، إلى حوار إسلامى مسيحى ، ومع أن هذا الحوار بمختلف أنواعه بدأ- فى صورته المنظمة الحديثة- منذ ما يزيد على عشرين عاما فإن كثيرين يشككون فى جدواه، ويرون أنه لم يحقق شيئا ذا قيمة حتى الآن.
فى خضم هذا الجو من عدم الثقة ومن عقابيل الماضى والحاضر لم يعد يكفى أن يقف المرء موقف المشاهد غير المبالى ولا موقف المتسامح السلبى أو أن تكتفى الشعوب بأن تكون متجاورة بينها علاقات سلام بل لابد من موقف إيجابى من التفاهم وإقامة علاقات متداخلة تقوم على تبادل مصالح مشتركة. وكذلك لابد من محاولة تفهم الآخر، وتقبلة كما هو دون أن يعنى ذلك تطابق جميع الآراء والاتجاهات أو الموافقة عليها. فالتواصل- شأنه شأن التعددية- إنما يعنى احتفاظ كل فريق بخصائصه وصفاته، وقبول الآخر على حاله، و إلا انتفى معنى التواصل ومعنى التعددية.
ولابد فى هذا المجال من التفرقة بين الأفكار والمواقف وبين التعاون وتبادل العلاقات الثقافية وكذلك لابد فى المجال الدينى من التفرقة بين العقيدة والمعاملة فإن المرء- أو الشعب- يستطيع أن يحتفظ بآرائه وبمواقفه القومية والوطنية وبعقيدته الدينية وفى الوقت نفسه يقيم مع من يخالفه أنواع العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )(3) ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) (4) و(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) (5).
هذا هو الموقف السليم من التعامل مع الآخر على ألا يكون من أحدهما اعتداء أو ظلم كاحتلال أرض من يراد إقامة العلاقات معه، وعلى ألا يكون من الفريق الثانى تفريط فى عقيدته ولا تنازل عن حقه إلا بالقدر الذى يأخذ مقابله حقا يعادله أو يفوقه، ليتحقق معنى التواصل والتبادل والتعاون والعلاقات المشتركة .
وفى خضم هذا الجو المضطرب ينشأ السؤال المهم، وهو: كيف نستطيع إقامة علاقات ثقافية بين أوروبا والبلاد الإسلامية وما مستقبل هذه ا لعلاقات؟
لابد أولا من البدء بالنظر فيما وراء الخلافات القائمة سواء أكانت ظاهرة أم مستترة، لتلمس أسبابها ثم لتوضيح وجوه الشبه والتقارب التى يبنى عليها مستقبل العلاقات الثقافية. وربما كان من أوضح المواقف فى هذا المجال وأصدقها الموقف الذى اتخذته الفاتيكان فى عام 1969 م حين أصدرت باللغة الإنجليزية كتابا عنوانه "دليل الحوار بين المسلمين والمسيحيين " (6) وهو مجموعة مبادئ وجهتها "لجنة شئون غير المسيحيين " بالفاتيكان إلى المسيحيين أنفسهم. وقد ذكر الكاردينال يول ماريلا رئيس تلك اللجنة حينئذ، فى مقدمته للكتاب ما يوضح الهدف منه بقوله (7): "إننا- حين نخص المسيحيين بخطابنا فإنما نرغب فى أن تحفز قراءة هذه الأوراق إلى بدء حوار مع هذه اللجنة ليصل كل منا- بالتعاون معا- إلى تهذيب شعورنا بالاحترام للعالم الإسلامى. وبهذه الطريقة نستطيع أن نعد أنفسنا للدخول فى حوار حقيقى مع المسلمين حين نخلص للحقيقة ونتجرد من الأنانية فى صداقتنا ".
ومن أهم ما جاء فى هذا الكتاب- وكله مهم- ما ورد فى الفصل الثانى بعنوان "يجب علّينا أن نعمل على معرفة قيم الإسلام ومثله " وفيه عرض موجز ولكنه صحيح دقيق لبعض مبادئ الإسلام. وكذلك ما جاء فى الفصل الرابع بعنوان "كيف نعد للحوار؟ ". ومن عناصر هذا الفصل: "علينا (نحن المسيحيين) أن نعترف بالمظالم التى ارتكبت فى الماضى وعلينا أن نتخلص من أسوأ المشاعر.
ونحن إنما أردنا بإيراد هذه الاقتباسات أن نتخذ من ذلك الكتاب مدخلا للإجابة عن موضوع هذه الدراسة. ويتضح من محتويات الكتاب أن الفهم الصحيح للفريق الآخر لتاريخه و حاضره ولتراثه وثقافته. هو أساس التفاهم وأنه لا تفاهم بغير فهم ولا يكون الفهم صحيحا إلا إذا تحلى بروح العدل والإنصاف والموضوعية، لأن كثيرا من محاولات الفهم هى محاولات تؤدى إلى فهم سقيم قائم على الهوى والغرض، ثم يبث وينفث كما تنفث السموم فتسرى فى عقول الكثيرين ونفوسهم فتسممها، وتقف حواجز بين الشعوب تحول دون تفاهمها وتعاونها، ثم إن الفهم الصحيح لا يكفى وحده حين يكون كامنا أو ساكنا، ولابد من الجهر به وإشاعته وإعلانه ، ليصبح قادرا على مد جسور الثقة وقنوات التقارب بين هذه الشعوب كما فعلت الفاتيكان فى الكتاب الذى أصدرته علنا فدل على الصدق والشجاعة.
وعلى قيمة كل ما تقدم فإنه وحده لا يحقق الغرض إذ يظل محصورا فى نطاق ضيق مهما يبلغ انتشاره، ولا يتاح له التأصيل والتأسيس إلا إذا توافرت له عوامل أخرى من أهمها: ما يمكن أن يسمى بتوازن المصالح. فكما أن لدول أوروبا مصالح فى البلاد الإسلامية تحرص على تحقيقها، فإن لدول هذه البلاد الإسلامية مصالح كثيرا ما تتجاهل وتهدر فينشأ من ذلك شعور بالظلم وتسود المخاوف من إقامة أى علاقات لأنها ستكون علاقات غير متوازنة بين قوى وضعيف فمعرفة هذه المصالح والاعتراف بها و إقامة تبادل متكافئ أو شبه متكافئ بينها عامل مهم من عوامل بناء الثقة. وفى مقدمة هذه المصالح مصلحة الأمة فى تحقيق ذاتها، وفى حرية تصرفها فى ثرواتها، وفى الاعتراف بلغتها وثقافتها وعقيدتها بعيدا عن محاولات تذويب تلك الذات وطمس معالمها، وبعيدا عن فرض ثقافة الآخر وطغيان لغته ومصطلحاته ومفاهيمه.
ثم إنه لا يعقل أن تقوم علاقات طبيعية بين شعوب ينشأ أطفالها فى مدارسهم على كتب تزخر بالطعن على الآخرين، وتتهمهم بأسوأ الاتهامات وتنزل بهم من مصاف البشر إلى منزلة الوحوش و ثزرى بهم وبعقيدتهم وبحياتهم الاجتماعية والثقافية، وتحط من شأن مكانتهم فى تاريخ الحضارة الإنسانية وما يلقنه التلاميذ فى مدارسهم من الكتب وشرح معلميهم يرسخ فى أذهانهم ونفوسهم ويصاحبهم فى مراحل حياتهم (8). فلابد إذن من تنقية هذه الكتب المدرسية مما فيها من معلومات أملتها روح التعصب والاستعلاء العرقى والنظرة الاستعمارية. فجاءت بعيدة عن الحقيقة والنظرة الموضوعية فى معرض الحديث عن الشعوب الأخرى.
والحديث عن الكتب المدرسية يقود إلى الحديث عن كتب التاريخ عامة للصغار وللكبار لجمهرة القراء وللمتخصصين. فهى كتب فى أكثرها تحتاج إلى مراجعة وإعادة كتابة بحيث تلتزم الموضوعية وتتوخى الحقيقة. وتجئ بعيدة عن الإثارة وزرع الأحقاد دون جور على وقائع التاريخ ولا حذف شئ من حقائقه. فتلك الوقائع والحقائق أصبحت ملكا للماضى الذى لا سبيل إلى تغييره. وحذفها عمل من أعمال التزوير والتزييف لا يقل نكرا عن إقحام وقائع لم تقع، وإضافة أحداث لم تحدث و إنما المقصود بالدعوة إلى الابتعاد
عن الإثارة وتجنب زرع الأحقاد هو أسلوب العرض والتناول وطريقة التعامل مع الوقائع والحقائق التاريخية. هذا إذا كانت آثار ذلك الماضى بوقائعه قد زالت ولم يعد لها أثر فى حياة أبناء الحاضر.
فالحروب الصليبية مثلا قد انقضت وزالت آثارها، وأصبحت لا تعدو أن تكون ذكرى تاريخية تدرس وتمحص ويجتهد الباحثون من المؤرخين فى بيان أسبابها وشرح مراحلها واستخلاص العبر منها، فهى حقيقة حدثت ومن غير المقبول ولا المعقول أن يغفل ذكرها، وأن تحذف من سجل التاريخ، ولكن البحث فيها لا يجوز أن يكون عاملا من عوامل إحياء الصراع وتأجيج الأحقاد. وهذا كله يختلف كل الاختلاف عن التاريخ لعدوان لا يزال قائما وظلم لا يزال واقعا. فإن من غير العدل أن ترتفع فى هذه الحالة دعوات إلى نسيان الماضى وتصفية النفوس وبدء مراحل جديدة. فذلك الماضى- فى الحقيقة- لم يصبح ماضيا فهو لا يزال مستمرا فى صورة هذا العدوان الظالم الواقع فى الحاضر، و الذى يزداد استفحالا وتفاقما. ومثل هده الدعوات إنما هى دعوات إلى تثبيت الواقع الذى فرضته القوة، وإلى اعتراف بالظلم و قبول به وليست دعوات إلى تصحيح الخطأ وإحقاق الحق.
ولا يقل تأثيرا فى نفوس الناس من تلك "الأفلام السينمائية، والبرامج التلفازية والإذاعية، والمقالات الصحفية، التى تشوه صورة الشعوب وحياتها الاجتماعية والثقافية، وتسخر من عقائدها فتقف حائلا دون التفاهم والتقارب بما تثير من عوامل النزاع و عوامل الصراع. والأمثلة على كل ذلك أكثر من أن تسرد فى النطاق الضيق. وحسبنا أن نستشهد هنا بمثالين:
أولهما تلك المقالة التى نشرها (9) جاك شاهين (مستشار شبكة سى. بى. إس. التليفزيونية لشئون الشرق الأوسط ومؤلف كتاب "العربى كما يظهره التليفزيون) وهى تتضمن عرضا موجزا للأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية التى أنتجتها هوليود من سنة 1990 م إلى سنة 1996 م وأحدثها فيلم " قرار تنفيذى ". وهى كلها تظهر العرب والمسلمين فى صورة كاريكاتورية مشوهة غالبا ما تكون صورة الإرهابيين. وبالرغم من احتجاجات الهيئات العربية والإسلامية الأمريكية، واعتذار الشركات المنتجة اعتذارات شكلية، فإن شيئا جديا لم يحدث، ولم تقدم تلك الشركات أى برنامج يبرز صورة إيجابية عن العرب والمسلمين يمكن للمشاهد الأمريكى التعاطف معها. ثم علق جاك شاهين على ذلك بقوله: ".... إن صانعى الأفلام بإثارتهم مشاعر المشاهدين يستثيرون الأحقاد، ومتى ما اشتعلت نار الحقد فهى لا تبقى على شئ....، ويقول أيضا "ويوحى منتجو الفيلم "فيلم قرار تنفيذى" من بدايته إلى نهايته أن العنف جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامى والقرآن الكريم، وتحاول مشاهد الفيلم الربط ما بين الممارسات الدينية الإسلامية والإرهاب فيما يردد الإرهابيون صيحات: الله أكبر".
أما المثال الثانى فتلك المقالة التى كتبها صموئيل هنتينغتون أستاذ العلوم السياسية ومدير معهد جون م أولين للدراسات الاستراتيجية فى جامعة هارفرد ، و نشرتها مجلة "فورن أفيرز" الأمريكية سنة 1993 م بعنوان !صدام الحضارات " (10) وهى مقالة تحذر شعوبا من شعوب بسبب من ثقافاتها ويرى كاتبها أن ثقافات بعينها- وفى طليعتها ثقافة الإسلام وحضارته- هى مصدر الخطر وعامل التهديد لثقافة الغرب وحضارته، بل هى العدو الواجب محاربته والقضاء عليه. وقد نالت هذه المقالة منذ نشرها شهرة مدوية، حتى قيل إنها أصبحت الخطة "الاستراتيجية" للولايات المتحدة فى مواجهة تحديات المستقبل. وتوالت عليها الردود المؤيدة والمفند ة (11).
فإذا كانت هذه هى آراء جمهرة من الذين يتكلمون ويكتبون ويخططون
وهم فى مركز القوة، فهل يجدى أن يرفع الذين هم فى مركز الضعف أصواتهم وينادوا بالتعاون والتفاهم بين الثقافات والحضارات؟ نعم، إن ذلك مجد، بل هو واجب، لأن المنادين به هم أصحاب دعوة، وحملة رسالة ينطلقون من موقف إنسانى يؤمن بالشعوب ومستقبلها والتعاون بينها. على حين ينطلق الآخرون من موقف معاد للإنسانية ملىء بالشك فى الشعوب ومستقبلها، وهم لا يرون الحضارة والرقى إلا فى أمتهم التى عليها أن تشن الحروب وتخوض أنواع الصراع لإخضاع الشعوب الأخرى دفاعا عن الحضارة ومستقبل البشرية!!
ومع ذلك فإن حملة رسالة التعاون والتفاهم بين الشعوب وأصحاب الدعوة إلى بناء علاقات ثقافية حقيقية بينها موجودون فى كل جانب، وهم يجهرون بكلمة الحق، ويقفون مواقف العدل والصدق. وكما استشهدنا فى
مطالع هذا الحديث بالكتاب الذى أصدرته لجنة شئون غير المسيحيين فى
الفاتيكان. واقتبسنا بعض عباراته، فإن واجب الإنصاف يقتضينا أن نشير إلى رجل جهر بما يعتقد أنه الصواب، هو الأمير تشارلز ولى عهد بريطانيا، الذى وقف محاضرا فى مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية (12) عن "الإسلام والغرب". ومما يدخل فى صميم موضوعنا أن نستشهد بالرجل وموقفه وأن نقتبس بعض عباراته. وكان مما قاله (13).
"... إن سوء الفهم بين الإسلام والغرب ما يزال مستمرأ، بل ربما أخذ يزداد. إن سوء الفهم هذا بالنسبة للغرب لا يمكن أن يكون حصيلة الجهل... إن الإسلام يحيط بنا من كل جانب ومع ذلك يستمر "الشك " والخوف... إن الصراع يندلع نتيجة عدم القدرة على الفهم والعواطف الجياشة التى تؤدى نتيجة لسوء الفهم إلى الخوف وانعدام الثقة... فالذى يربط بين عالمينا أقوى بكثير مما يقسمهما... لقد عانى حكمنا على الإسلام من التحريف الجسيم... أرجو أن تتذكروا أن دول إسلامية مثل تركيا ومصر وسوريا منحت نساءها حق التصويت فى نفس الفترة التى منحت فيها أوروبا نساءها الحق نفسه، بل قبل فترة طويلة من اتخاذ سويسرا نفس الخطوة (14). وفى هذه البلاد تتمتع النساء منذ وقت طويل بالمساواة فى مجال الأجور.... كما أن القرأن الكريم نص قبل أربعة عشر قرنا على حقوق المرأة المسلمة فى الأملاك والإرث وبعض الحماية فى حالة الطلاق وممارسة التجارة... وفى بريطانيا على الأقل كانت بعض هذه الحقوق غريبة حتى على جيل جدتى... فالتطرف ليس حكرا على الإسلام بل ينسحب على ديانات أخرى بما فيها الديانة المسيحية (15).... إذا كان هناك قدر كبير من سوء الفهم فى الغرب لطبيعة الإسلام، فإن هناك أيضا قدرا مساويا من الجهل بالفضل الذى تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامى... إن هذين العالمين الإسلامى و الغربى قد وصلا الآن إلى ما يشبه مفترق طرق علاقاتهما، ولا يجوز أن ندعهما يفترقان ، وأنا لا أوافق على مقولة إنهما يتجهان نحو صدام فى عهد جديد من الخصومة والعداء، بل إننى على قناعة تامة بأن لدى عالمينا الكثير لكى يقدماه إلى بعضهما..."
" والمحاضرة- لنفاسة معانيها وسلامة اتجاهها- تغرى بكثرة الاقتباس منها، وهو ما فعلنا، وحسبنا منها ما قدمناه لاتصاله الوثيق بموضوعنا ولتوضيحه جوانب منه.
وكل ما ذكرناه كلام قيل مثله وأضعافه فى مناسبات كثيرة، ولم ينته إلى شىء حقيقى ، سوى ما عبر عنه ذلك الكلام من فكر سديد ونيات حسنة،
،وهما لا يغنيان شيئا فى الواقع العملى إذا لم يرتبطا بتحقيق مصالح عملية أو معنوية. وقد نشط الحوار العربى فى بدء عهده حين أدركت أوروبا مدى قوة النفط العربى وشدة حاجتها إليه. فأخذت زمام المبادرة والاتصال بجامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وبعض الحكومات العربية، ودعت إلى تنظيم عدد من ندوات الحوار للتقارب والتفاهم وكانت تلح عليها وتتابعها. ثم أخذت تحرص على نوع واحد من الحوار وهو الحوار الاقتصادى، وتركز عاليه ، و تتغاضى عما سواه من أنواع الحوار، وخاصة الحوار الثقافى الذى كانت تحرص عليه المنظمات والدول العربية و تطلبه، و مع الزمن تراخت الجهود وسقط الحوار كله ولم ينته- بعد عشرين عاما- إلى نتائج ذات قيمة وإن أستمر مظهر الحوار وإطاره الخارجى بعد أن فرغ من مضمونه، حين فقدت أوروبا اهتمامها الحقيقى به لأنه لم يعد يحقق لها المصالح التى كانت تتوقعها فى البداية، ولأن هذه المصالح قد تحققت من خلال الاتصال المباشر بالحكومات العربية بوسائل مختلفة ونتيجة لتفرق الصف العربى.
إن تبادل المصالح هو الذى يحدث التوازن بين طرفى معادلة الحوار والتعاون ولابد لحدوث هذا التوازن من وجود قوة وراءه والقوة الوحيدة للعرب فى الوقت الحاضر تتمثل فى التضامن وجمع الكلمة وتوحيد الصف. وبذلك يعود للحوار حرارته وقوته، ويصبح الحديث عن التعاون الثقافى حديثا مؤديا إلى الغاية محققا للهدف. ولا يكون ذلك إلا إذا قامت بهذه الرسالة هيئة أو مؤسسة أو منظمة عربية مشتركة أعضاؤها من ذوى الخبرة والتصور الصحيح والرؤية المستقبلية السليمة، تدعمها الحكومات العربية دون أن تملى عليها هذه الحكومات علاقاتها المتقلبة فيما بينها ولا علاقاتها الخارجية وعلى أن تترك لها حرية التحرك فى نطاق المصالح القومية، وما ينطبق على الحوار العربى الأوروبى ينطبق- من حيث الإطار ووسائل التنفيذ والتوجهات- على الحوار الذى ننشد بين المسلمين والأوروبيين. إذ من غير الطبيعى أق نستمر فى علاقات يواجهنا فيها غيرنا بمواقف موحدة أو متقاربة وبتصورات وخطط واضحة ونظل نحن متفرقين دون وضوح فى التصورات والخطط، بل ربما كنا أحيانا نقبل على الندوات والمؤتمرات دون إعداد كاف ودون أن نعرف ما نريد، فتذهب مشاركتنا أدراج الرياح وحين يعود ممثلونا ووفودنا بشىء ذى قيمة وما أقل ما يحدث ذلك- فإنه يضيع فى غياهب الأدراج- أما بقيام هذه الهيئة أو المؤسسة المستقلة فإنها تضع الخطط والبرامج ثم تتولى التنسيق والمتابعة. وكل عمل ليس له متابعة هو عمل منقطع يضيع دون الوصول إلى غايته وما أكثر الأعمال التى تبدأ ثم لا تنتهى إلى شئ ؛؛
المراجع
(1) قال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) الحجرات 13
(2) قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم...) هود :118 و119.
(3)النحل: 125 .
(4) العنكبوت: 46.
(5) الممتحنة: 8-9.
(6) GUIDELINES FOR a Dialogue between Muslims and Christianis Sacratariatus prn Nnn- Christians
أصدرته الفاتيكان :
ورئيسها : Cardinal paul marella
(7) Gurdelines for aDialogue pp.5-6 Guidelines
(8) انظر: الدكتورة مارلين نصر، صورة العرب والإسلام فى الكتب المدرسية الفرنسية، والإشارات الواردة فيه إلى كتب أخرى الفت فى الموضوع عن الكتب المدرسية فى أقطار أخرى مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1995 م.
(9) جريدة الحياة التى تصدر بلندن العدد 9، 21 1، 0 4.2و 1996 م.
(10).Huntington Samuel P., Foreign Affairs, summer, 1993م
(11) انظر المقالة المسهبة المنشورة فى :
The economist, August 6th - 12 th1994 والتعليقات على هذه المقالة فى العدد التالى من المجلة بتاريخ 3/9/1994م .
(12) وهو مؤسسة مرتبطة بجامعة اوكسفورد ببريطانيا، وانظر المحاضرة فى النشرة الصادرة عن المركز باللغة العربية والتى طبعتها شركة يونيسكيل ، إنشام ، أكسفورد.
(13) ص. 10 وما بعدها وقد حافظنا على الترجمة العربية كما جاءت فى النشرة مع ؟
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه و علي آبائه، في هذه الساعة و في کل ساعة، ولياً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً، حتي تسکنه أرضک طوعاً و تمتعه فيها طويلاً ×××××××××××××××××